فى بلاد الحرب…النساء يكتبن سيرة البقاء

محمد عمر شمينا

في كل عام، يحل الثامن من مارس حاملاً معه سيلًا من الرسائل الاحتفالية والكلمات الرنانة التي ترفع شعار تقدير المرأة ودورها في المجتمع. غير أن اليوم العالمي للمرأة لم ينشأ أصلاً كمناسبة احتفالية بقدر ما كان تعبيرًا عن نضال اجتماعي طويل من أجل الحقوق والكرامة والمساواة. وبينما تتكاثر الخطب والتهاني في هذا اليوم، تظل الأسئلة الجوهرية حول موقع المرأة في المجتمع والسياسة والاقتصاد معلقة بلا إجابات حاسمة، خصوصًا في بلدان تعيش أزمات سياسية أو حروبًا طويلة مثل السودان.

الحروب لا تعيد رسم خرائط الدول فحسب، بل تعيد تشكيل المجتمعات من الداخل. وعندما تنهار مؤسسات الدولة وتتعطل الخدمات الأساسية، يظهر من يقف على خط الدفاع الأول عن استمرار المجتمع. في هذا السياق، تتبوأ المرأة السودانية مكانة فريدة فهي التي تدير تفاصيل الحياة اليومية، وتحافظ على تماسك الأسرة، وتبحث عن سبل البقاء لأفراد مجتمعها في ظل الفوضى التي تهدد كل شيء من حولها. ليست مهمتها سهلة، فهي تتعامل مع فقدان الأمن، ونقص الغذاء، وغياب الخدمات الصحية، وصعوبة الوصول إلى التعليم، وفي الوقت نفسه تحافظ على بقاء المجتمع حيًا رغم الانهيار شبه الكامل للمؤسسات.

غير أن دور المرأة السودانية في مواجهة الأزمات ليس وليد هذه الحرب وحدها. فالتاريخ الحديث يظهر أنها كانت دائمًا جزءًا أساسيًا من الحراك السياسي والاجتماعي، ولا يمكن فصل أي تحول مهم في السودان عن حضورها الفاعل. وقد تجلى ذلك بوضوح في الثورة السودانية 2018، حين خرجت آلاف النساء في شوارع الخرطوم ومدن أخرى في مشهد تاريخي، يطالبن بالحرية والعدالة والمساواة. لم يكن حضورهن رمزيًا، بل كان إعلانًا واضحًا عن أن النساء شركاء كاملون في صياغة مستقبل الدولة والمجتمع، وأنهن قوة لا يمكن تجاهلها عند أي عملية تغيير حقيقي.

ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، وجد السودان نفسه أمام اختبار أكثر قسوة، خاصة للنساء. فقد تعرضن لمستويات غير مسبوقة من الانتهاكات، وشاهدن انهيار شبكة الأمان الاجتماعي، واضطررن للتعامل مع تحديات مزدوجة فى مواجهة العنف المباشر وفقدان وسائل البقاء، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الحياة اليومية لعائلاتهن والمجتمع الأوسع. النزوح الجماعي والعيش في مراكز الإيواء المكتظة، إلى جانب نقص الرعاية الصحية وعدم توفر الاحتياجات الأساسية، جعل من كل يوم معركة للبقاء على قيد الحياة.

لكن الصمود لم يكن مقتصرًا على تحمل الألم والمعاناة. فالنساء السودانيات لم يقفن عند حدود الضحية، بل انتقلن إلى العمل المباشر لحماية المجتمع. في كثير من المدن والأحياء، أسست النساء مبادرات مجتمعية للتعامل مع تداعيات الحرب مثل تنظيم حملات الإغاثة، رعاية النازحين، توثيق الانتهاكات، تأمين الملاجئ، والعمل على إعادة بناء شبكات الدعم المحلي. هذه المبادرات تكشف أن دور المرأة في زمن الحرب يمتد إلى أبعد من مجرد الصمود الشخصي، ليشمل بناء استراتيجية اجتماعية صامتة تحمي المجتمع كله من الانهيار الكامل.

وفي الوقت نفسه، تظهر الحرب وجهها الأكثر وحشية ضد النساء. فقد أصبح جسد المرأة هدفًا مباشرًا للعنف، سواء من خلال الانتهاكات الجنسية، أو استخدام العنف كوسيلة للسيطرة على المجتمع، أو استهداف النازحات في المخيمات والملاجئ. وتشير تقارير حقوقية متعددة إلى أن هذه الانتهاكات ليست عابرة، بل جزء من استراتيجية ممنهجة لكسر إرادة المجتمع وترهيبه، وهو ما يجعل النساء أكثر فاعلية في الضغط من أجل إنهاء الحرب والمطالبة بحقوق المجتمع كله.

ورغم قسوة هذه الظروف، فإن صورة المرأة السودانية لا تختزل في كونها ضحية. فالتجربة اليومية للنساء في مواجهة الحرب تكشف عن قدر كبير من المرونة والمقاومة الذكية، وهي مقاومة ليست مجرد تحمل، بل قدرة على إعادة إنتاج الحياة اجتماعياً وإنسانياً. فهن يقمن بدور مزدوج: حماية المجتمع من الانهيار وصون القيم الأساسية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على جذوة الأمل والحياة في قلب الخراب.

إضافة إلى ذلك، يلقي الثامن من مارس الضوء على جدلية العدالة والمشاركة السياسية للمرأة. فبينما يحتفى بدور المرأة الرمزي، يظل حضورها في مواقع القرار السياسي محدودًا، ومساهمتها في صياغة السياسات العامة أقل بكثير من وزنها الحقيقي في المجتمع. إن القيمة الحقيقية لهذا اليوم لا تكمن في الشعارات الاحتفالية، بل في قدرته على فتح نقاش جاد حول طبيعة العلاقة بين العدالة الاجتماعية ومشاركة النساء في الحياة العامة. المجتمعات التي تسعى إلى بناء دولة مستقرة لا تستطيع تجاهل نصف طاقتها البشرية أو إبقائه على هامش القرار.

ومن هنا، يصبح الحديث عن السلام في السودان لا يمكن أن يظل محصورًا بين النخب السياسية والعسكرية وحدها. التجارب العالمية أثبتت أن أي عملية سلام لا تتضمن مشاركة فاعلة للنساء غالبًا ما تكون ناقصة وقابلة للانتكاس. مشاركة النساء في مسارات التفاوض وصنع القرار ليست مجرد مطلب أخلاقي، بل شرط أساسي لبناء سلام مستدام يعالج جذور الصراع بدلاً من الاكتفاء بالحلول المؤقتة. فالنساء الأكثر تضررًا هن الأكثر حرصًا على إنهاء الحرب، وصوتهن يمثل صوت الحياة والكرامة، وهو عنصر حاسم لتفكيك خطاب الكراهية وبناء مجتمع أكثر عدالة واستقرارًا.

كما تلعب المرأة دورًا في تجديد الأمل الثقافي والمجتمعي فهي تحافظ على التعليم في المخيمات، وتعلم الأطفال القراءة والكتابة، وتعمل على إبقاء الهوية الثقافية حية رغم محاولات الحرب تفكيكها. هذا الدور يجعل من النساء حراساً ليس فقط للحياة اليومية، بل للحياة المستقبلية، فهن يزرعن بذور الاستقرار والوعي في أجيال الغد.

في نهاية المطاف، يكشف الثامن من مارس في السودان أن المرأة ليست مجرد نصف المجتمع، بل هي القوة التي تبقي المجتمع حيًا في أحلك الظروف. فهي تلد الحياة مرة حين تمنحها للعالم، ومرة أخرى حين تحرسها في أزمنة الخطر والانهيار. الاحتفاء بها اليوم ليس مجرد تقليد سنوي، بل اعترافٌ حقيقي بقدرتها على حماية المجتمع والحفاظ على استمراريته.

فالمرأة السودانية، في زمن السلم كما في زمن الحرب، تكتب سيرة البقاء كل يوم بصبرها وإبداعها وعملها المتواصل. وهي، كما يشير التاريخ المعاصر، رمز للقدرة على التحدي والصمود، وحارس لا يمكن تجاوزه لما تبقى من حياة وأمل في السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى