البرهان يتبرأ من حلفائه والكيزان يتبرأون من أنفسهم

حيدر المكاشفي
إشتهرت في الأدب العالمي رواية (دكتور جيكل ومستر هايد) وتعتبر من أجمل الروايات التي كتبها (روبرت لويس ستيفنسن) والرواية تحكي عن شخصية مزدوجة تعيش بحقيقتين ووجهين متناقضين، وجه مهذب محترم يظهر للناس، ووجه آخر مظلم ينكر كل ما قاله الأول. لكن يبدو أن هذه الحكاية لم تعد مجرد خيال أدبي، فقد وجدت طريقها إلى المشهد السوداني، حيث يتكرر المشهد نفسه بصورة تكاد تكون كاريكاتورية، ففي الأيام الماضية خرجت بعض القيادات الإسلامية المنخرطة بقوة في الحرب لتعلن اصطفافها خلف إيران واستعدادها للقتال معها، في خطاب أثار ضجة واسعة داخل السودان وخارجه. غير أن المفارقة لم تكن في التصريح ذاته، بل في السرعة التي سارع بها الجيش وقيادته إلى التبرؤ من هذه التصريحات ووصف قائليها بالمهرجين، وكأن هذه القيادات جاءت من كوكب آخر ولا علاقة لها بالمشهد السياسي والعسكري القائم.. المفارقة الثانية وربما الأكثر إثارة للسخرية جاءت من داخل الحركة الإسلامية نفسها. إذ سارع علي كرتي أمير الجماعة، إلى إصدار بيان ينفي علاقة التنظيم بما قالته تلك القيادات، رغم أن الجميع يعلم أن هذه الأصوات ليست هامشية ولا طارئة، بل هي جزء من البنية السياسية والتنظيمية ومن القيادات التي ظلت حاضرة في قلب السلطة منذ انقلاب 1989 وتسجل حضوراً قوياً في الحرب حتى اليوم، وهكذا وجد السودانيون أنفسهم أمام مسرحية سياسية مكتملة الأركان.. قيادات تتحدث وقيادات تنفي، والجيش يتبرأ والتنظيم يعلن أنه لا علاقة له بالأمر، بينما الواقع يقول إن الجميع يتحرك داخل المساحة نفسها وتحت المظلة نفسها، إنها ببساطة سياسة اللسانين والوجهين.. الوجه الأول وجه الدكتور جيكل وهو ذلك الذي يظهر في البيانات الرسمية، جيش وطني لا علاقة له بالكيزان، ولا يتحرك إلا وفق المصالح العليا للدولة السودانية، أما الوجه الثاني وجه مستر هايد فهو الوجه الذي يعرفه السودانيون جيداً، شبكة الإسلاميين التي عادت لتتمدد داخل مؤسسات الجيش والدولة، وتشارك بفاعلية في إدارة الحرب، وتعمل على توجيه مساراتها بما يخدم مشروعها السياسي. هذه الازدواجية ليست جديدة لكنها أصبحت أكثر وضوحاً منذ اندلاع الحرب. ففي كل مرة يظهر خطاب إخواني متشدد أو تصريح يفضح طبيعة التحالف القائم، يخرج من ينفي ويقول إن الأمر مجرد رأي شخصي لا يمثل المؤسسة ولا التنظيم. وكأن السودانيين يعانون من فقدان الذاكرة الجماعي.لكن الحقيقة البسيطة هي أن الجيش والإخوان يعيشون علاقة لا تستطيع البيانات إنكارها. علاقة تشبه إلى حد بعيد علاقة جيكل وهايد، لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر مهما حاول كل طرف أن يتظاهر بالاستقلال. المشكلة أن هذه الازدواجية لا تنتج فقط مشهدا سياسيا عبثيا، بل تخلق أيضا مخاطر استراتيجية حقيقية. فحين يسمع العالم تصريحات عن اصطفاف مع إيران أو حديثا عن معارك أيديولوجية عابرة للحدود، فإن الصورة التي تتشكل ليست صورة دولة تبحث عن الاستقرار، بل صورة ساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. والنتيجة أن السودان يتحول شيئا فشيئا إلى ملعب لصراعات الآخرين، بينما تستمر الحرب في تمزيق المجتمع والدولة. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الاهم الآن ليس هو هل هذه القيادات تمثل الإخوان أم لا، ولا هو هل الجيش متحالف معهم أم لا، السؤال الأهم هو إلى متى سيظل السودانيون محكومين بهذه الشخصية المزدوجة، إلى متى ستستمر السلطة في لعب دور دكتور جيكل أمام العالم، بينما يدير مستر هايد الحرب والسياسة في الداخل، في النهاية قد تنجح هذه المسرحية لبعض الوقت، لكن التاريخ يخبرنا أن كل قصة لجيكل وهايد تنتهي دائماً بالطريقة نفسها، حين يكتشف الجميع أن الشخصيتين لم تكونا سوى شخص واحد.. غير أن التناقض الأكبر لا يقف عند حدود العلاقة الملتبسة بين الجيش والإسلاميين، بل يظهر بوضوح في خطاب قائد الجيش نفسه. فالبرهان لم يتردد في الدعوة إلى وقف الحروب في العالم، ويطالب الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل باللجوء إلى التفاوض وتجنب التصعيد، وكأنه حكيم دولي يسعى إلى نشر السلام بين الأمم. لكن المفارقة الصارخة أن البرهان نفسه يصر في الداخل على استمرار الحرب في السودان، ويقف عملياً في وجه معظم المبادرات والجهود التي تسعى إلى وقفها أو التوصل إلى تسوية سياسية تنهي معاناة السودانيين. وهنا يتجلى التناقض الذي تختصره الأمثال الشعبية السودانية ببلاغة لاذعة. فالسودانيون يقولون عن مثل هذا السلوك (خلّت راجلها ممدود ومشت تعزي في محمود(. أي أن الإنسان يترك مصيبته الماثلة أمامه، ويذهب ليواسي الآخرين في مصائبهم. ويقولون أيضاً (بخيتة في بيت الناس نشيطة وفي بيتها عندها فليتة)، أي أنها تنشط في شؤون الآخرين بينما تعجز عن ترتيب بيتها. وهذا بالضبط ما يفعله خطاب البرهان الرسمي اليوم، حديث طويل عن السلام في العالم، بينما الحرب في السودان مستمرة ومستعرة بلا أفق و يدفع ثمنها ملايين المدنيين.. إن المشكلة ليست في التصريحات وحدها، بل في السياسة التي تقف خلفها. فكلما ظهرت مبادرة لوقف الحرب أو فتح مسار سياسي جاد، تظهر في المقابل مواقف أو شروط أو خطابات تجعل الوصول إلى تسوية أمراً شبه مستحيل. والنتيجة أن السودان يبدو للعالم وكأنه بلد يتحدث قادته عن السلام بينما يديرون أطول حرب ضد شعبهم. في النهاية، قد تنجح هذه الازدواجية لبعض الوقت، وقد تستمر لعبة البيانات والتبرؤ والتناقضات، لكن الواقع أبسط من كل هذه المسرحية. فالسودانيون يرون ما يحدث أمام أعينهم، يرون دكتور جيكل الذي يخاطب العالم بلغة السلام، ويرون في الوقت نفسه مستر هايد الذي يطيل أمد الحرب في الداخل. وما بين الاثنين يبقى السودان معلقاً في قصة سياسية غريبة، لا تشبه الروايات الأدبية بقدر ما تشبه كوميديا سوداء يكتب فصولها التناقض كل يوم..





