درس بيروت وامتحان الخرطوم… هل يتعلم الكاهن قبل ان يدفع السودان الثمن؟

حاتم ايوب ابوالحسن
في الشرق الأوسط، لا تحتاج الدول (المزدوجة) المنهكة إلى إعلان الحرب كي تجد نفسها داخلها. يكفي أحياناً أن تسمح الدولة بأن تتداخل في قراراتها ازدواجية تنظيم أيديولوجي عسكري، حتى تتحول تلقائيًا إلى جزء من معركة أكبر منها. هذا هو الدرس الذي عاشه لبنان لسنوات طويلة تحت ظل قوة حزب الله، حيث أصبح قرار الحرب والسلم في كثير من الأحيان أكبر من قدرة الدولة نفسها على التحكم فيه.
لم يكن لبنان يريد دائمًا أن يكون طرفًا في الصراع بين إيران وإسرائيل، لكن الواقع السياسي والعسكري جعله في قلب المواجهة، بينما بقيت الدولة الرسمية عاجزة عن الفصل بين مؤسساتها وبين نفوذ التنظيم المسلح. النتيجة كانت دولة ضعيفة، اقتصادًا منهارًا، ومجتمعًا يعيش على حافة القلق الدائم من حرب قد تندلع في أي لحظة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بعيدًا عن بيروت، في السودان
هل يستوعب قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان هذا الدرس قبل فوات الأوان؟
السودان اليوم ليس دولة مستقرة تبحث عن تحسين موقعها في الإقليم، بل دولة خرجت بالكاد من حرب مدمرة ما تزال نيرانها مشتعلة بين الجيش وقوات الدعم السريع. حرب استنزفت المدن، كسرت الاقتصاد، ودفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، حتى صار المواطن السوداني في كثير من بقاع العالم يحمل عبء الحرب معه في تفاصيل حياته اليومية.
في مثل هذا الظرف، يصبح أي انطباع إقليمي بأن الخرطوم قد تعود إلى لعبة التنظيمات الأيديولوجية أو شبكات النفوذ القديمة مصدر قلق مباشر لدول المنطقة. الحديث هنا لا يتعلق فقط بوجود سياسي تقليدي، بل بظلال تجربة طويلة ارتبطت باسم جماعة الإخوان المسلمين داخل الدولة السودانية خلال عقود سابقة، وما تركته تلك التجربة من حساسيات إقليمية عميقة.
المعادلة ببساطة شديدة
الدول المنهكة لا تتحمل ترف الدخول في صراعات المحاور.
الإقليم اليوم يعيش توترات غير مسبوقة، والصراع بين القوى الكبرى في المنطقة يتحرك على أكثر من جبهة. وفي مثل هذا المناخ، فإن أي إشارة خاطئة قد تُفسَّر بسرعة على أنها اصطفاف سياسي أو أيديولوجي، حتى لو لم تكن كذلك في نية صانع القرار.
لهذا يصبح السؤال الحقيقي أمام القيادة السودانية ليس فقط كيف تُدار الحرب الحالية، بل كيف يُطمئن السودان محيطه بأنه لن يتحول مرة أخرى إلى منصة لصراعات الآخرين.
فالدولة التي تخرج من حرب أهلية تحتاج إلى إعادة بناء الثقة قبل إعادة بناء المؤسسات.
والدولة التي يبحث شعبها عن الأمان لا تريد أن تجد نفسها فجأة في عناوين نشرات الأخبار بوصفها طرفًا في مواجهة إقليمية جديدة.
الفرق بين الدول التي تتعافى من الحروب وتلك التي تغرق فيها مرة أخرى، هو قدرتها على قراءة تجارب الآخرين. وتجربة لبنان واضحة: عندما يصبح القرار الوطني رهينة التوازن بين الدولة والتنظيم، تتحول الدولة نفسها إلى رهينة للصراع.
السودان اليوم يقف أمام لحظة اختيار حقيقية.
إما أن يرسل رسالة واضحة للإقليم والعالم بأن الخرطوم تسعى إلى دولة مؤسسات مستقلة القرار، أو يترك الباب مفتوحا أمام الشكوك و التأويلات التي قد تضع البلاد مواجهة وهي تكاد تلتقط أنفاسها في قلب مواجهة جديدة.
التاريخ في المنطقة لا يعيد نفسه فقط…
بل يسخر أحيانا ممن لم يتعلموا دروسه.
كاتب سوداني





