الإسلامويون السودانيون في مواجهة العقوبات الأمريكية — تحليل سياسي وقانوني

السونامي السياسي: الأبعاد القانونية والمالية والعملياتية لتصنيف الكيزان منظمةً إرهابية

بقلم : عمر سيد أحمد
مارس ٢٠٢٦ | واشنطن — الخرطوم

لم تكن العقوبات الأمريكية التي طالت منظومة الإخوان المسلمين في السودان — المعروفين بـ«الكيزان» — حدثاً عابراً في المشهد السياسي السوداني، بل كانت لحظة كاشفة بامتياز، أزاحت الستار عن حجم الورطة التي يتخبط فيها المشروع الإسلاموي. فبعد ثلاثة عقود من الهيمنة وتحريك خيوط السلطة من وراء الستار، يجد الكيزان أنفسهم محاصرين بين مطرقة الإرادة الدولية وسندان الواقع الميداني المتحول.

والأخطر في هذه المرحلة أن القرار الأمريكي لا يستهدف أفراداً بعينهم، بل يطال المنظمة في مجملها، بكل شبكاتها المالية وتنظيماتها العسكرية وواجهاتها السياسية، في ضربة واحدة تُغلق أبواب المناورة التي أتقنها الكيزان على مدى عقود.

 

أولاً: ماهية التصنيف الإرهابي — فهم الأداة قبل إدراك أثرها

يسود خلط واسع في فهم مفهوم التصنيف الإرهابي وإسقاطاته، لا سيما أن هذه الأداة القانونية حديثة نسبياً إذ لا يتعدى عمرها ثلاثة عقود. ولفهم ما يجري بدقة، لا بد من التمييز بين نوعين جوهريين من التصنيف: تصنيف المنظمة إرهابية (FTO)، وتصنيف الدولة راعية للإرهاب. ولكل منهما إسقاطات مختلفة تماماً.

أ — النشأة التاريخية: متى ظهرت هذه الأداة؟
ظهر تصنيف «منظمة إرهابية أجنبية» (Foreign Terrorist Organization – FTO) في منتصف التسعينيات كأداة قانونية في عهد الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون. ففي عام 1996، أصدر الكونغرس الأمريكي قانون مكافحة الإرهاب والقتل الفعال (Antiterrorism and Effective Death Penalty Act of 1996)، الذي أعطى وزير الخارجية صلاحية إدراج المنظمات الأجنبية على قوائم الإرهاب.

اشتراطات التصنيف: أن تكون المنظمة أجنبية، وتمارس أو تخطط لعمل إرهابي، وتشكل تهديداً لمواطني الولايات المتحدة أو مصالحها
وما إن وقّع كلينتون القانون حتى أعلنت وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت في 1997 أول قائمة رسمية ضمت نحو 30 منظمة، من بينها: القاعدة، وحماس، وحزب الله، والجهاد الإسلامي، والجماعة الإسلامية الجزائرية المسلحة. واللافت أن كل هذه المنظمات لاحقتها أمريكا بعدها فتشرذمت وأفلست وقُتلت قياداتها.

ب — الميكانيكية القانونية: كيف يتم التصنيف؟
تمر آلية التصنيف بدائرة سريعة الدوران: يقرر وزير الخارجية إدراج المنظمة، يُخطر الكونغرس سراً بالنية، وبعد سبعة أيام فقط يُنشر القرار في السجل الفيدرالي. أسبوع واحد تنفتح بعده أبواب الجحيم على المنظمة المستهدفة.

«دورة أسبوع واحد، ثم يصبح كل تعامل مع المنظمة جريمة فيدرالية تستوجب السجن والغرامة، وتستطيع الحكومة الأمريكية تجميد أصول المتبرع فوراً.»

 

ثانياً: إفرازات التصنيف — خريطة الدمار الشامل

المنظور القانوني والجنائي
◀ تجريم الدعم المادي بكل أشكاله: الأموال، التدريب، الخدمات، المعدات، الاستشارات والمساعدة التقنية
◀ يصبح أي دعم للمنظمة جريمة فيدرالية بموجب القانون 18 U.S.C. §2339B
◀ الملاحقة القضائية الدولية: تستطيع واشنطن محاكمة أشخاص خارج أراضيها إذا ثبت دعمهم للمنظمة
◀ حظر الدخول والهجرة: يُمنع أعضاء المنظمة من دخول الولايات المتحدة وتصفية وجودهم فيها

المنظور الاقتصادي والمالي
◀ تجميد فوري لكل أصول المنظمة وحساباتها داخل النظام المالي الأمريكي
◀ تحذير البنوك الدولية من أي تعامل مع جهات مرتبطة بالمنظمة تحت طائلة عقوبات قاسية
◀ خيار فرض عقوبات ثانوية على شركات وأفراد في أي بلد ثبت تعاملهم مع المنظمة
◀ انقطاع شريان التمويل الدولي كلياً عن كل كيان مرتبط بالمنظمة

المنظور الأمني والاستخباراتي
◀ تصبح المنظمة هدفاً مباشراً لـ FBI وCIA وكالة الأمن القومي NSA وسائر 17 وكالة استخباراتية أمريكية
◀ رصد شامل للأموال، الأملاك، التدريب، المعدات، وكل الأنشطة المرتبطة
◀ تفكيك منظم للشبكات: الممولون، المتعاملون، المتعاطفون، الواجهات السرية، والخلايا النائمة

المنظور العسكري
◀ إضفاء شرعية دولية على العمليات العسكرية ضد المنظمة في إطار مكافحة الإرهاب
◀ تشمل الأدوات: الضربات الجوية بالمسيّرات، عمليات الكوماندوز، والقوات الخاصة
◀ دعم أطراف ثالثة تقاتل المنظمة كحلفاء أو وكلاء ينفذون العمليات بالإنابة

ثالثاً: النماذج التاريخية — ماذا جرى لمن سبق؟

القاعدة — درس الحرب الطويلة
صُنِّفت منظمة القاعدة إرهابية عام 1999، وتكثفت العمليات ضدها بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 التي دمرت برجي مانهاتن. شنّت أمريكا حربها على أفغانستان، وجمّدت الأصول المالية للتنظيم عالمياً، وبعد عقد كامل من الملاحقة نُفذت العملية الأمريكية التي أودت بحياة أسامة بن لادن عام 2011. وحتى اليوم لا تزال واشنطن تلاحق خلايا التنظيم أينما وُجدت.

حماس — عصر التمويل
أُدرجت حماس في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية عام 1997. وبرغم ثقل التنظيم وامتداداته، تمكنت واشنطن من تجفيف مصادر تمويله وحظره من النظام المالي الغربي كلياً، وأغلقت مؤسسات خيرية ذات صلة به، وفرضت عقوبات قاسية ضد شبكات تمويل دولية مرتبطة بقيادته.

داعش — الدرس الأسرع
استفادت واشنطن من تجربتها مع القاعدة، فحين أُدرج داعش على قوائم الإرهاب أسست تحالفاً دولياً بقيادتها ونفّذت آلاف الضربات الجوية في العراق وسوريا. وانتهت التصفيات بمقتل مؤسس التنظيم أبي بكر البغدادي عام 2019 في غضون سنوات قليلة.

الجامع المشترك في كل هذه النماذج: لم تنجُ منظمة واحدة من التصنيف بعافيتها. كلها أفلست أو تشرذمت أو اندثرت. هذه ليست مصادفة، بل نتيجة حتمية لآلية مصممة للإخماد الكامل.

 

رابعاً: الفرق الجوهري — تصنيف المنظمة مقابل تصنيف الدولة

ثمة فرق نوعي جوهري بين الحالتين، ولأن السودان عايش التجربتين فإن المقارنة ذات دلالة بالغة. فقد قضى السودان في حظيرة الدول الراعية للإرهاب سبعاً وعشرين عاماً (1993-2020)، عانى خلالها من عقوبات اقتصادية شاملة، وحظر المساعدات الأمريكية، وتجميد قروض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وعزل دبلوماسي، وقيود على السفر.

الفارق الحاسم: تصنيف الدولة يُقيّد الدولة كلها لكنه أبطأ وأقل انتقائية. تصنيف المنظمة أخطر لأنه يُجرّم كل تعامل معها في أي بقعة من العالم، ويُحوّلها فوراً إلى كيان محظور عالمياً
واللافت أن الكيزان كانوا طوال سنوات نظام الإنقاذ يتحركون خلف واجهة «المؤتمر الوطني»، فيهيمنون على القرار دون أن يتحملوا المسؤولية المباشرة. أما اليوم، بعد تصنيف المنظمة بذاتها إرهابية، فقد انتهت هذه اللعبة إلى غير رجعة؛ فلا ستار يحجبهم ولا واجهة تحميهم.

 

خامساً: القوات المسلحة في مفترق الطرق

يكشف المحللون الغربيون، وفي مقدمتهم كاميرون هدسون، عن ثلاثة ملفات عالقة تجعل موقف الخرطوم في غاية الهشاشة أمام واشنطن:

«انفتاح السودان على إيران خلال السنوات الثلاث الماضية وحتى قبل أسابيع قليلة يجب الآن التنصل منه.» — كاميرون هدسون

◀ الملف الإيراني: تعاملات السودان مع طهران منحت واشنطن حجة جاهزة لتصنيف السودان ضمن دائرة النفوذ الإيراني المزعزع للاستقرار
◀ ملف الميليشيات الإسلاموية: التردد في تفكيكها أو دمجها في الجيش بدلاً من حلّها يبعث برسالة خاطئة للأمريكيين
◀ ملف وزير المالية: خضوعه لعقوبات أمريكية يعني عملياً انقطاع السودان عن اجتماعات الربيع للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي
والمفارقة الحادة أن الجيش السوداني يحتاج قتالياً لبعض الإسلامويين في الميدان، لكنه يحتاج دبلوماسياً لإبعادهم عن المشهد تماماً. هذا التناقض لم يعد مؤجلاً — القرار الأمريكي جاء ليحسمه قسراً.

 

سادساً: ما الذي بات حتمياً؟

يتقاطع المحللون الغربيون والسودانيون على جملة من الإجراءات التي باتت شرطاً لأي انفراج حقيقي مع واشنطن والمجتمع الدولي:

◀ تسليم جميع المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، ابتداءً من عمر البشير — لن تُصدَّق جدية الانفتاح دون هذه الخطوة
◀ تفكيك الميليشيات الإسلاموية المسلحة فعلياً لا شكلياً — ودمجها في الجيش بلا محاسبة ليس حلاً
◀ منع قيادات إسلاموية مصنفة دولياً، كعلي كرتي الخاضع بالفعل لعقوبات أمريكية، من العودة للسودان
◀ التبرؤ الصريح والمعلن من إيران بخطاب سياسي يُعيد ترتيب أولويات السياسة الخارجية السودانية
◀ إزاحة الشخصيات الخاضعة للعقوبات الأمريكية من أي موقع تنفيذي في الحكومة

خاتمة: المستشار الذي لا يُسمع حتى تقع الكارثة

تكشف هذه الأزمة مفارقة صارخة في طريقة صنع القرار السوداني: فالنصائح التي يقدمها هدسون وغيره من المحللين اليوم ليست وليدة اللحظة، بل كانت تُردَّد منذ سنوات دون أن تجد آذاناً صاغية. كان المستشار يتكلم، لكن الراتب كان يأتي ويكفُّ عن الكلام. وحين أحكمت العقوبات قبضتها وتوقفت الرواتب وأُغلقت أبواب التمويل، اكتُشف فجأة أن تلك التحذيرات المُهملة كانت جرس إنذار حقيقياً.

السودان يقف اليوم أمام فرصة أخيرة لا مجال للمراوغة فيها: فآليات التصنيف الإرهابي لا تفهم لغة التأجيل والتحايل — إنها مصممة تحديداً لإغلاق كل منافذ الهروب. والتاريخ شاهد: القاعدة، حماس، داعش — لم ينجُ أي منها من الآلة الأمريكية بعد أن دخلت القائمة.

الكيزان لم يواجهوا يوماً أزمة وجودية بهذا الحجم. كل أدوات المناورة التي أتقنوها — الواجهات السياسية، الشبكات المالية الخفية، لعبة القرب والبعد من السلطة — يُحيّدها قانون واحد يجعل مجرد التعامل معهم جريمة فيدرالية عابرة للحدود.

أما المواطن السوداني الذي لا ناقة له في مشروع الكيزان ولا جمل، فهو الخاسر الأكبر في كل معادلات هذا الصراع — كما كان دائماً. وما يؤلم أكثر أن الثمن يُدفع من حياته وكرامته في كل مرة يُقرر فيها الكيزان الإمساك بخيوط السلطة من وراء الستار.

◈ ◈ ◈

استُعين في هذا المقال بتحليلات المحلل الأمريكي كاميرون هدسون،
وبالتحليل القانوني للصحفي عبد الرحمن الأمين (واشنطن — مارس ٢٠٢٦)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى