الخرطوم.. رمضان تحت وطأة الجوع

أفق جديد
قبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان، كانت ابتسام عبد الله تقف في مطبخها الصغير الخالي تقريبًا من الطعام، تحاول التفكير في كيفية إطعام أطفالها السبعة. لم يكن لديها جواب. فالحرب التي اجتاحت السودان منذ ثلاثة أعوام لم تترك لها مصدر دخل، بينما ارتفعت أسعار الغذاء إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر على الاحتمال.
تقول ابتسام (45 عامًا)، وهي أرملة تعيش في منطقة التلال بمحلية شرق النيل: “”لم يتبقَّ في المنزل شيء نأكله. كنت أفكر في اليوم التالي فقط، كيف سأطعم أطفالي؟”
لكن طرقًا مفاجئًا على باب منزلها غيّر المشهد. مجموعة من المتطوعين وصلوا حاملين سلة غذائية ضمن مبادرة لدعم الأسر الأكثر تضررًا قبل رمضان.
وتضيف ابتسام في حديثها لـ”أفق جديد”: “تفاجأت بهم أمام الباب. لم أطلب المساعدة من أحد، لكنهم جاءوا في الوقت الذي كنا فيه بأمس الحاجة إليها”.
هذه القصة ليست استثناءً في العاصمة السودانية، بل تعكس واقع آلاف الأسر التي عادت إلى منازلها في مدن الخرطوم وبحري وأم درمان بعد شهور أو سنوات من النزوح، لتجد نفسها أمام أزمة معيشية خانقة.
عودة إلى الخرطوم… بلا مقومات للحياة
مع تراجع حدة المعارك في أجزاء من العاصمة، بدأ بعض السكان بالعودة تدريجيًا إلى أحيائهم. لكن العودة لم تعنِ استعادة الحياة الطبيعية.
المنازل المتضررة، والأسواق الشحيحة، وانعدام فرص العمل، وارتفاع الأسعار بصورة غير مسبوقة، كلها عوامل جعلت الحياة اليومية معركة جديدة من أجل البقاء.
وتقول ابتسام إن المساعدة التي تلقتها وفرت لها بعض الطمأنينة في بداية الشهر الفضيل: “الحمد لله، السلة الغذائية تكفينا فترة من رمضان. منذ وفاة زوجي، أصبحت المسؤولة الوحيدة عن الأسرة”. غير أن مثل هذه المبادرات لا تصل إلى الجميع.
توقف التكايا… شريان الفقراء ينقطع
خلال العامين الماضيين، تحولت “التكايا” – وهي مطابخ خيرية تقدم وجبات مجانية – إلى أحد أهم مصادر الغذاء لآلاف الأسر في الخرطوم. لكن هذا الشريان الإنساني بدأ يضعف.
تشير تقارير محلية إلى توقف نحو 40% من التكايا في ولاية الخرطوم، خاصة في مناطق شرق النيل وأم بدة وجنوب الحزام.
ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أبرزها القيود الأمنية، ونقص التمويل، ونفاد المواد الغذائية، إضافة إلى صعوبات النقل والإمداد.
ومع توقف هذه المطابخ، تجد آلاف الأسر نفسها أمام خيارين قاسيين: الجوع أو انتظار مساعدات قد لا تصل.
تحذيرات دولية من كارثة غذائية
الأزمة التي يعيشها سكان الخرطوم ليست سوى جزء من صورة أكبر. ففي الخامس من فبراير الماضي، أطلقت مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي تحذيرًا عاجلًا من تفاقم كارثي لأزمة الغذاء وسوء التغذية في السودان.
وبحسب التقديرات الدولية، من المتوقع أن يحتاج 33.7 مليون شخص – أي نحو ثلثي سكان البلاد – إلى مساعدات إنسانية خلال عام 2026.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الحرب أدت إلى نزوح 9.6 مليون شخص داخل البلاد، بينما يواجه أكثر من 21 مليون شخص مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.
كما يُتوقع أن ترتفع حالات سوء التغذية الحاد إلى 4.2 مليون حالة خلال العام الجاري، مع وجود 20 منطقة إضافية في دارفور وكردفان مهددة فعليًا بالمجاعة.
مبادرات محلية تحاول سد الفجوة
رغم ضخامة الأزمة، تحاول بعض المبادرات الطوعية سد جزء من الفجوة.
أحد مديري المنظمات الخيرية في الخرطوم يقول إن العمل الإنساني أصبح أكثر صعوبة منذ اندلاع الحرب، لكن الحاجة دفعت المتطوعين إلى الاستمرار. ويقول لـ”أفق جديد”: “سعدنا بأن نقدم شيئًا بسيطًا للمواطن الذي عاش ثلاث سنوات من الحرب، فقد خلالها الأرواح والممتلكات وحتى الشعور بالأمان”.
وأضاف أن المنظمة بدأت نشاطها عام 2021 بتوزيع السلال الغذائية في أرياف أم درمان، لكنها واجهت صعوبات كبيرة بعد اندلاع الحرب. وتابع: “غادر معظم أعضاء المنظمة البلاد بسبب الظروف الأمنية، لكن مع عودة بعض الاستقرار وبدء عودة السكان، استأنفنا نشاطنا بدعم من متبرعين وأهل خير”.
ووفقًا له، استهدفت الحملة الأخيرة نحو 500 أسرة، مع التركيز على الأرامل والأسر الأشد فقرًا.
وتضم سلة رمضان التي توزعها المنظمة مواد أساسية مثل: السكر، الشاي، الدقيق، الزيت، البلح، الأرز، العدس، البصل، الصلصة والكركدي.
ورغم أن هذه المساعدات تظل محدودة مقارنة بحجم الاحتياج، فإنها تمنح الأسر الأكثر ضعفًا فرصة لتجاوز الأسابيع الأولى من الشهر الفضيل.
اقتصاد منهك وأسواق راكدة
لكن جذور الأزمة أعمق من مجرد نقص المساعدات. يقول الخبير الاقتصادي أحمد عبد المطلب إن الحرب دمرت بنية الاقتصاد السوداني، وأدت إلى فقدان ملايين الأشخاص مصادر دخلهم. ويضيف: “المفارقة أن أسعار السلع ترتفع مع اقتراب رمضان بدل أن تنخفض، رغم الظروف الصعبة التي يعيشها الناس”.
ويرى عبد المطلب في حديثه لـ”أفق جديد”، أن بعض التجار استغلوا الأزمة لرفع الأسعار، بينما يعاني معظم المواطنين من البطالة وفقدان المدخرات.
ويقول: “حتى التجار أنفسهم يشكون من ركود الأسواق، لأن القدرة الشرائية للمواطنين تراجعت بشكل كبير”.
تضخم مرتفع وعملة منهارة
ورغم إعلان الجهاز المركزي للإحصاء تراجع معدل التضخم السنوي إلى 60.26% في يناير 2026، فإن هذا الانخفاض لم ينعكس على حياة المواطنين. الأسعار لا تزال مرتفعة، بينما تواصل العملة المحلية تراجعها الحاد.
قبل اندلاع الحرب كان الدولار يعادل نحو 570 جنيهًا سودانيًا، أما اليوم فقد تجاوز 3500 جنيه في السوق الموازية.
هذا الانهيار أدى إلى ارتفاع تكلفة السلع الأساسية والنقل والوقود، ما ضاعف الضغوط المعيشية على الأسر
حرب مستمرة وأزمة إنسانية متفاقمة.
ومنذ أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حربًا دامية على خلفية خلافات حول دمج القوات في المؤسسة العسكرية.
الحرب التي دخلت عامها الثالث خلفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص داخل السودان وخارجه. وفي أحياء كثيرة من الخرطوم، أصبح الجوع جزءًا من الحياة اليومية.





