السودان بين الوحدة وشبح الانقسام.. قراءة في التحديات والفرص

الهادي الشواف

نعيش اليوم واحدة من أكثر اللحظات التاريخية تعقيداً في مسارنا الحديث، إذ نقف على مفترق طرق بين خيارين متناقضين، إما أن ننجح في إعادة بناء دولة موحدة على أسس جديدة، أو أن ننزلق إلى هاوية الانقسام والتفتت، فبعد تجربة الانقسام الاولى وفقدان جزء عزيز من جنوب البلاد، بسبب عوامل عديدة تأتي سياسة نظام الثلاثين من يونيو بتحويل حرب الجنوب لحرب جهادية مقدسة على رأس هذه العوامل، والحرب الحالية انتجت واقع متشظي بوجود حكومتين غير شريعيتين تتقاسمان إدارة بلد منكوب، وإنقسام مجتمعي كبير نتيجة لاتساع دائرة الحرب وانتشار خطاب الكراهية.

 هذا الواقع ينذر بشبح انقسام اذا لم نحسن ادارته هذه المرة بحكمة وواقعية، فالصراع الدائر لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين قوتين متنازعتين، بل تحول إلى اختبار وجودي للدولة السودانية نفسها، وهو يمثل انعكاسًا لأزمة بنيوية عميقة في الدولة السودانية، وفي ظل هذا المشهد المعقد تتداخل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مع العوامل الداخلية والخارجية لتصوغ معادلة صعبة، تجعل من الوحدة الوطنية تحدياً مصيرياً وفرصة تاريخية في آن واحد، في هذا المقال القصير نحاول نطوف حول تحديات ومخاطر الوحدة والانقسام في السودان، والعوامل التي تهدد أو تدعم مسار الوحدة الوطنية مع استشراف فرص المستقبل. 

تحديات الوحدة ومخاطر الانقسام:

من أبرز التحديات التي تواجه السودان اليوم استمرار الحرب التي مزقت أوصال الدولة وأضعفت مؤسساتها، وأفرزت سلطات موازية تتنازع الشرعية والسيادة، هذا الواقع خلق كيانات متوازية داخل البلاد، وأضعف قدرة المركز على فرض سلطته على الأطراف، وانتج عدد من المجموعات والكيانات المسلحة، مما أدي إلى انتشار السلاح خارج سلطة الدولة واجهزتها الرسمية، يضاف إلى ذلك الانقسام المجتمعي والسياسي الحاد، حيث تتوزع الولاءات بين الجيش والدعم السريع وولاءات أخرى، مما عمق الشرخ الاجتماعي وأضعف فرص التوافق الوطني.

كما أن التدخلات الإقليمية والدولية مثلت عاملاً مضاعفاً للأزمة، إذ تتقاطع مصالح القوى الخارجية في السودان، وتدفع أحياناً نحو دعم الأطراف المتصارعة، الأمر الذي يسعر نار الحرب ويهدد بتحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا يمكن إغفال الأزمات والكوارث الإنسانية التي خلفتها الحرب، من قتل ونزوح ودمار شامل للبنية التحتية، هذه كله يقود إلى أضعاف الروابط الوطنية ويزيد من هشاشة المجتمع، ويجعل من إعادة بناء الوحدة مهمة أكثر صعوبة.

العوامل التي تعزز الانقسام:

تتعدد العوامل التي تدفع نحو الانقسام، أو يمكن الاشتغال عليها من قبل اعداء الوحدة لتكريز حالة الانقسام، أبرزها التنوع العرقي والقبلي الذي لم يستثمر تاريخياً في بناء هوية وطنية جامعة، عبر فن ادارة التنوع، بل ظل في كثير من الأحيان يتم استخدامه كمصدر للتوتر والصراع، كما أن انتشار السلاح ووجود مجموعات مسلحة متعددة خارج سيطرة الدولة يعزز منطق القوة على حساب القانون، ويجعل من فكرة الدولة المركزية أمراً هشاً.

كما أن غياب الثقة بين القوى السياسية والعسكرية يمثل بدوره عائقاً أمام أي مشروع وطني جامع، إذ ينظر كل طرف إلى الآخر باعتباره خصماً وجودياً لا شريكاً في الوطن، أما التدخلات الخارجية فهي تضيف بعدًا جديدًا من التعقيد، حيث تتهم بعض الدول بدعم الجيش وأخرى بدعم الدعم السريع، ما يعمق الانقسام الداخلي ويضعف فرص الحل الوطني المستقل.

العوامل التي تعزز الوحدة:

رغم هذه التحديات، فإن هناك عوامل يمكن الرهان عليها لدعم مسار الوحدة، أولها الرغبة الشعبية العارمة في إنهاء الحرب والعودة إلى الاستقرار، إذ يدرك السودانيون أن استمرار النزاع يعني المزيد من الدمار والتشريد، كما أن السودان يمتلك تاريخاً مشتركاً وروابط اجتماعية وثقافية ودينية عميقة، يمكن أن تشكل أساساً لإعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة.

وكذلك الضغوط الدولية والإقليمية تمثل عاملاً آخر، اذا ما احسنا استقلالها، إذ أن المجتمع الدولي يعي خطورة تفكك السودان على الأمن الإقليمي والدولي، ويدفع نحو الحفاظ على وحدة البلاد، كذلك فإن مبادرات الحوار الوطني والوساطات، مثل مساعي دول الرباعية وغيرها، توفر إطاراً يمكن البناء عليه لإيجاد تسوية سياسية شاملة.

فرص الوحدة:

تتأثر بخارطة تسيطرة كل طرف لأنها تفتح المجال أمام توازن الضعف والقوة وتحسن الموقف التفاوضي لكل طرف، مما يعزز تسوية سياسية تدعم الوحدة، كما أن المبادرات الإقليمية والدولية، إذا ما توافرت لها الإرادة الجادة، يمكن أن تشكل مظلة لدفع الأطراف نحو حل سياسي يعيد بناء مؤسسات الدولة، ويظل الرهن الاول على خطابات الاطراف الداعمة للوحدة. 

 وإرادة النازحين والمشردين للعودة إلى بيوتهم والعيش في دولة موحدة تمثل بدورها قوة دفع معنوية، إذ أن هؤلاء يشكلون الكتلة الأكبر المتضررة من الحرب، وهم الأكثر تمسكاً بفكرة الدولة الواحدة، ويكفي عامل التماسك وطبيعة العلاقات بين ابناء الشعب الواحد والتداخل والانتشار الكبير في كل نواحي السودان كعامل حاسم في عملية الوحدة، وأخيراً، فإن إمكانية بناء عقد اجتماعي جديد يعالج جذور الأزمة، ويضمن مشاركة عادلة لكل المكونات، تمثل فرصة تاريخية لإعادة تأسيس السودان على أسس أكثر صلابة وعدالة.

نحو رؤية مستقبلية:

إن السودان بحاجة إلى رؤية مستقبلية تتجاوز منطق الغلبة العسكرية، وشرعية البندقية والانتقال إلى شريعية الجماهير، لتأسيس رؤية سياسية شاملة تقوم على الاعتراف بالتنوع وإدارته بشكل عادل، لا على إنكاره أو قمعه، هذه الرؤية يجب أن تنطلق من إعادة بناء الثقة بين القوى السياسية والعسكرية، ومن ثم صياغة مشروع وطني جامع يضع مصلحة السودان فوق كل اعتبار.

كما أن إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية وشفافة، وضمان استقلال القضاء، ابعاد الجيش من السياسة والاقتصاد، وإطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة، كلها خطوات ضرورية لتعزيز الوحدة، ولا يمكن تحقيق ذلك دون معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تشكل بيئة خصبة للانقسام، عبر سياسات تنموية عادلة تعيد توزيع الثروة وتحقق العدالة الاجتماعية.

خاتمة:

في نهاية المطاف، يبقى السودان أمام امتحان تاريخي لا يحتمل التردد أو المراوغة، فإما أن يختار طريق الوحدة عبر تسوية سياسية شجاعة تعيد بناء الدولة على أسس جديدة، تجفف فيها منابع ومصادر العنف، وتوزع الادوار بوضح وحدود واضحة بين مؤسسات الدولة، وإما أن يستسلم لشبح الانقسام الذي يهدد وجوده ذاته.

 إن اللحظة الراهنة ليست مجرد أزمة عابرة، بل هي مفترق طرق سيحدد ملامح السودان لعقود قادمة، وما بين جراح الحرب وآمال الوحدة، يظل الرهان الأكبر على إرادة السودانيين في أن يصنعوا مستقبلاً يليق بتاريخهم، ويضعوا حداً لدائرة الانقسام التي أنهكتهم طويلاً.

Exit mobile version