للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.. تفاؤل بوصول لقاحات إلى جنوب كردفان

أفق جديد

للمرة الأولى منذ نحو ثلاثة أعوام، وصلت شحنة لقاحات إلى ولاية جنوب كردفان، تمهيدًا لاستئناف خدمات تحصين الأطفال، بعد فترة طويلة اضطر خلالها السكان للاعتماد على الأعشاب وأوراق الأشجار والأدوية البلدية في ظل انقطاع الإمدادات الطبية.

وكان الجيش السوداني قد أعلن في 3 فبراير الماضي إنهاء الحصار الذي فرضه تحالف يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال على مدينة الدلنج، وذلك عقب عملية عسكرية تمكن خلالها من فك الحصار عن مدينة كادقلي.

وقالت منظمة “أنقذوا الأطفال” في بيان إنها تمكنت من إيصال أول شحنة لقاحات إلى جنوب كردفان منذ ما يقارب ثلاث سنوات، بهدف استعادة خدمات التحصين المنقذة للحياة للأطفال والمجتمعات التي حُرمت من الإمدادات الأساسية بسبب النزاع والحصار.

وقال المواطن الموان عيسى عبد الرحمن، في حديثه لـ”أفق جديد”: إن الرجال والنساء والأطفال كانوا يموتون داخل الكراكير نتيجة لدغات الثعابين والعقارب في ظل غياب الأمصال بالمستشفيات والمراكز الصحية، مشيرًا إلى أن وصول اللقاحات يمثل بارقة أمل لإنهاء جانب من المعاناة اليومية.

وأضاف أن الأطفال كانوا يتعرضون للسقوط من الأشجار أثناء صعودهم لجمع أوراق التبلدي لسد رمق الجوع، كما تكررت حالات الوفاة أثناء الولادة، في وقت يموت فيه الأطفال حديثو الولادة بشكل شبه يومي بسبب غياب الرعاية الصحية.

وأوضحت المنظمة أن شاحنتين محملتين بنحو 18 طنًا متريًا من اللقاحات وصلتا إلى مدينة كادقلي خلال عطلة نهاية الأسبوع، وتضمان 11 لقاحًا أساسيًا ضمن برنامج التحصين الروتيني.

وشملت الشحنة لقاحات السل وشلل الأطفال الفموي، إضافة إلى اللقاح الخماسي الذي يوفر الحماية من خمسة أمراض طفولية خطيرة، بينها الدفتيريا والتيتانوس والتهاب الكبد.

كما تضمنت اللقاحات جرعات للحماية من فيروس الروتا، والمكورات الرئوية، والحصبة، والمكورات السحائية، إلى جانب لقاح شلل الأطفال المعطل ولقاح الحمى الصفراء.

وعاشت مدينة كادقلي أوضاعًا إنسانية قاسية خلال فترة الحصار، حيث اضطر السكان للوقوف في طوابير طويلة للحصول على كميات محدودة من الذرة بسبب شح المعروض، قبل أن تبدأ الأسواق في التعافي تدريجيًا بعد فك الحصار.

وأشار البيان إلى أن عدم وصول أي لقاحات إلى ولاية جنوب كردفان منذ يوليو 2023، بسبب الحصار، ترك آلاف الأطفال دون حماية من أمراض يمكن الوقاية منها، في وقت كان فيه سوء التغذية والنزوح يزيدان من هشاشتهم الصحية.

وأكد أن وصول الشحنة يمثل خطوة مهمة نحو استقرار الخدمات الصحية في الولاية، حيث ستدعم برامج التحصين في خمس محليات تشمل كادقلي، والريف الشرقي، والدلنج، وهبيلا، والقوز.

ووفقًا للمنظمة، فإن اللقاحات تكفي لتطعيم أكثر من 24,500 طفل بالتطعيمات الروتينية خلال هذا العام، إلى جانب تطعيم نحو 6,000 امرأة بلقاح التيتانوس.

من جانبها، قالت المواطنة حليمة الصديق إن مناطق جنوب كردفان عاشت أيامًا قاسية خلال فترة الحصار الطويلة، ما أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية ووقوع وفيات بين النساء والأطفال بسبب الجوع والمرض.

وأضافت، في حديثها لـ”أفق جديد”، أن مدنًا وقرى عديدة مثل الحمادي والدبيبيات والسنجكاية والفرشاية والكرقل ومناطق كيقا وكرتالا وكادقلي والدلنج عكست حجم المأساة التي عاشها السكان بكل تفاصيلها المؤلمة.

وكانت قوات الدعم السريع قد قطعت في أبريل 2025 الطريق الرئيسي الذي يمد ولاية جنوب كردفان بالسلع والمواد الغذائية عبر سوق النعام على الحدود مع دولة جنوب السودان، وذلك بعد سيطرتها على ملتقى أم عدارة الاستراتيجي شرق ولاية غرب كردفان.

وفي يوليو من العام نفسه، ضيقت القوات الخناق أكثر بعد سيطرتها على منطقة الدشول التي تضم ملتقى طرق يربط مدينة الدلنج بولاية غرب كردفان.

أما الطريق الإسفلتي الرئيسي الذي يربط مدينتي الدلنج وكادقلي بمدينة الأبيض في ولاية شمال كردفان، فقد قُيدت الحركة عبره عقب المعارك العنيفة التي دارت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منطقتي الدبيبات والحمادي خلال أبريل ومايو الماضيين، حيث مُنعت شاحنات البضائع من العبور إلى جنوب كردفان.

وصنفت الأمم المتحدة إقليم كردفان، الذي يضم ولايات شمال وغرب وجنوب كردفان، منطقة نشطة عسكريًا، في ظل الحشود العسكرية المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيرة.

وتعمل منظمة “أنقذوا الأطفال” بالشراكة مع وزارة الصحة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، وبدعم من التحالف العالمي للقاحات والتحصين، على دعم خدمات التحصين في 38 مرفقًا صحيًا ثابتًا و52 موقعًا ميدانيًا، إضافة إلى ست فرق صحية متنقلة في جنوب كردفان.

وقال مدير الصحة والتغذية في منظمة “أنقذوا الأطفال”، بشير كمال الدين، إن الشحنة التي وصلت إلى كادقلي تمثل اختراقًا مهمًا لصالح آلاف الأطفال والأمهات الذين تحملوا شهورًا طويلة دون وصول موثوق إلى الغذاء والخدمات الصحية الأساسية.

وشدد على أن اللقاحات تعد من أبسط وأكثر الوسائل فعالية في الوقاية من وفيات الأطفال.

وأضاف: “رغم تحسن إمكانية الوصول حاليًا، فإن الوضع لا يزال هشًا للغاية. ومن دون سلام مستدام وضمان وصول إنساني آمن، قد تتبدد هذه المكاسب سريعًا”.

وأدى النزاع المستمر منذ نحو 35 شهرًا إلى انخفاض معدلات التطعيم في البلاد إلى أدنى مستوياتها منذ أربعة عقود، نتيجة تدمير البنية التحتية الصحية وتعطل سلاسل الإمداد وتدهور الأوضاع الأمنية.

وفي ظل تصاعد الأزمة الإنسانية، أطلق ناشطون خلال الأشهر الماضية حملة واسعة لتسليط الضوء على أزمة الجوع التي يعيشها سكان جنوب كردفان، والضغط على الجهات الإنسانية للتدخل العاجل وإنقاذ المدنيين في الولاية.

وخلال الفترة الماضية حاول برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إيصال مساعدات إنسانية إلى الولاية، إلا أن تلك المحاولات لم تنجح بعد مصادرة القافلة الإغاثية التي كانت متجهة إلى المنطقة، ما جعل الوصول الإنساني إلى جنوب كردفان شبه مستحيل.

وتتصاعد في الوقت نفسه دعوات أممية ودولية لوقف الحرب في السودان، تفاديًا لانزلاق البلاد نحو كارثة إنسانية أوسع، في ظل تزايد خطر المجاعة ونقص الغذاء نتيجة استمرار القتال.

 

Exit mobile version