رغم اللحية والتجاعيد العميقة.. القضاء البريطاني ينصف لاجئاً سودانياً ضد السلطات المحلية ويمنحه حق الرعاية كطفل

توماس غودفري – thesun

شهدت المحاكم البريطانية فصلاً جديداً من فصول الجدل القانوني والاجتماعي المحتدم حول ملف الهجرة، بعدما أصدر القاضي بول لوداتو حكماً قضائياً ملزماً يقضي بضرورة معاملة طالب لجوء سوداني كقاصر يبلغ من العمر سبعة عشر عاماً، رغم التقارير الرسمية الصادمة التي رفعتها السلطات المحلية والتي وصفت ملامحه الجسدية بأنها تعود لرجل في منتصف العشرينيات. وتعود جذور هذه القضية المثيرة للاهتمام إلى شهر فبراير من العام الماضي، عندما وصل المهاجر المعروف قانونياً بالرمز (ASB) إلى الشواطئ الإنجليزية على متن أحد القوارب الصغيرة التي تعبر القناة، حيث خضع فور وصوله لتقييم أولي من قبل مسؤولي الحدود الذين قدّروا عمره الحقيقي بما يتراوح بين ثلاث وعشرين وخمس وعشرين عاماً، مستندين في ذلك إلى علامات بيولوجية وسلوكية واضحة لا تتسق مع مرحلة المراهقة.

وقد تضمن التقرير التفصيلي الذي قدمه مسؤولو مجلس مدينة ليفربول أوصافاً دقيقة للمدعي، حيث أشار المسؤولون إلى أن وجهه كان يحمل تجاعيد عميقة وندوباً واضحة ناتجة عن حب الشباب مع عيون غائرة ولحية مكتملة، وهي سمات دفعت السلطات للاعتقاد الجازم بأنه يتلاعب بالحقائق للحصول على الامتيازات القانونية والرعائية التي تُمنح للأطفال دون سن الثامنة عشرة.

ولم يتوقف التشكيك الرسمي عند المظهر الخارجي فحسب، بل امتد ليشمل الحالة السلوكية للمهاجر، حيث أفاد تقييم عمري ثانٍ بأن الشاب أظهر ثقة مفرطة وسلوكاً حاداً لا يتناسب مع التوتر المعتاد للمراهقين في مثل هذه الظروف الصعبة، مستشهدين بواقعة مشادة كلامية رفع فيها صوته بوجه المترجم خلال جلسات الاستماع، مما اعتبره المسؤولون دليلاً إضافياً على نضجه وتجاوزه لسن الطفولة.

وفي المقابل، خاض طالب اللجوء السوداني معركة قضائية لإثبات صدق ادعائه بأنه كان في السادسة عشرة من عمره فقط وقت وصوله، مستعيناً بأدلة رقمية وشهادات عائلية لم تخلُ من الغرابة، حيث قدّم حسابه الشخصي على منصة فيسبوك كوثيقة تثبت تاريخ ميلاده في يوليو من عام 2008، كما استدعى ابن عم له للإدلاء بشهادته أمام غرفة الهجرة واللجوء، والذي سرد ذكريات طفولتهما المشتركة في السودان ورحلاتهما الصيفية لزيارة جدتهما في قريتهم البعيدة.

هذه الشهادات، رغم بساطتها، وجدت صدىً قوياً لدى قاضي المحكمة العليا الذي وصفها بأنها أدلة مقنعة ومنطقية، مرجحاً كفة الرواية الشخصية للمهاجر على التقييمات البصرية التي أجرتها أجهزة الدولة.

وجاءت حيثيات الحكم القضائي لتشكل صدمة للمراقبين، حيث انتقد القاضي لوداتو بشدة المعايير التي استندت إليها السلطات في ليفربول، معتبراً أن توقع سلوكيات معينة مثل “الخجل” أو “عدم القدرة على التواصل البصري” من المراهقين أمام الشخصيات ذات السلطة يمثل صورة نمطية مبسطة للغاية ولا تعكس الواقع النفسي والاجتماعي المعقد للشباب القادمين من بيئات نزاع.

وأكد القاضي في حكمه النهائي أنه، وبناءً على ترجيح الاحتمالات والقرائن المقدمة، بات مقتنعاً تماماً بأن الشاب هو بالفعل طفل في السابعة عشرة من عمره، وهو ما يفرض على الدولة البريطانية توفير كافة أشكال الدعم القانوني والمعيشي له كقاصر، في قرار من شأنه أن يفتح الباب أمام مئات القضايا المماثلة التي تعتمد على “التخمين البصري” في تحديد مصير المهاجرين.

 

Exit mobile version