اين المفر؟

دخل قرار وزارة الخارجية الأمريكية بإدراج تنظيم الإخوان في السودان والكيانات المرتبطة به ضمن قوائم المنظمات الإرهابية الأجنبية حيّز التنفيذ اليوم، بعد إعلان التصنيف في التاسع من مارس. وبذلك ينتقل القرار من مجرد موقف سياسي إلى واقع قانوني كامل التأثير، يفتح فصلاً جديداً في تعقيدات المشهد السوداني، ويضع الدولة ومؤسساتها، وعلى رأسها القوات المسلحة السودانية، أمام اختبار غير مسبوق في تاريخ العلاقة بين التنظيمات الأيديولوجية والدولة.

القرار في ظاهره يبدو امتداداً لسياسات أمريكية سابقة في تصنيف تنظيمات الإسلام السياسي أو الجماعات المسلحة ضمن قوائم الإرهاب، لكنه في جوهره يحمل خصوصية سودانية واضحة تجعل تداعياته مختلفة جذرياً عن تجارب أخرى في المنطقة. فالحالة السودانية، على خلاف معظم النماذج المعروفة، لا تتعلق بتنظيم يعمل في معارضة الدولة أو خارج بنيتها، بل بتنظيم ارتبط تاريخياً بمفاصل السلطة وتغلغل لسنوات طويلة داخل مؤسساتها.

من هنا تنبع المفارقة التي تجعل هذا القرار شديد الحساسية. ففي التجارب الإقليمية المقارنة، غالباً ما تكون الجماعات المصنفة إرهابية كيانات منفصلة عن الدولة. فـ حزب الله في لبنان، رغم حضوره العسكري والسياسي الواسع، يبقى تنظيماً مستقلاً عن المؤسسة العسكرية الرسمية. كما أن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، على الرغم من وجودها السياسي والاجتماعي، لا ترتبط بالمؤسسة العسكرية ولا تُعد جزءاً من بنية الدولة الأردنية  التي لا تتبنى التصنيف الأمريكي للجماعة.

أما في السودان، فإن الوضع أكثر تعقيداً بكثير. فالحركة الإسلامية التي تشكل جماعة الإخوان أحد مكوناتها الرئيسية لم تكن مجرد تنظيم سياسي أو دعوي، بل كانت خلال عقود جزءاً من النظام الحاكم، وتغلغلت في مفاصل الدولة، من الأجهزة الأمنية إلى مؤسسات الإدارة والاقتصاد، وصولاً إلى شبكات النفوذ داخل المؤسسة العسكرية.

ولهذا فإن القرار الأمريكي لا يضع تنظيماً معارضاً للدولة في دائرة العقوبات فحسب، بل يضع الدولة نفسها أمام سؤال حاسم: كيف يمكن لمؤسسة رسمية أن تتعامل مع تنظيم أصبح مصنفاً دولياً كمنظمة إرهابية بينما تشير الوقائع إلى وجود علاقات سياسية أو تنظيمية أو حتى شخصية تربط بين بعض عناصره ومراكز النفوذ داخل أجهزة السلطة؟

هذا السؤال يتضاعف تعقيداً في ظل الحرب الدائرة في السودان، والتي جعلت المؤسسة العسكرية بقيادة عبد الفتاح البرهان الفاعل الأكثر حضوراً في معادلة السلطة. ففي لحظة الصراع الوجودي التي تمر بها الدولة، تصبح أي علاقات أو تحالفات داخلية ذات أهمية استراتيجية، لكن القرار الأمريكي يفرض معادلة جديدة: فالعلاقة مع تنظيم مصنف إرهابياً لم تعد مجرد مسألة داخلية، بل أصبحت قضية ذات تداعيات عالمية مباشرة.

التصنيف الأمريكي يترتب عليه منظومة كاملة من الإجراءات القانونية والمالية. فكل كيان أو فرد يثبت تعاونه مع التنظيم المصنف قد يصبح عرضة للعقوبات، بما في ذلك تجميد الأصول، وحظر التعامل المالي، وفرض قيود على الحركة الدولية. وهذه الإجراءات لا تستهدف التنظيم وحده، بل يمكن أن تمتد إلى شبكات الدعم السياسي والاقتصادي التي قد تكون مرتبطة به.

وهنا تكمن خطورة اللحظة بالنسبة للسودان. فإذا كان التنظيم المصنف يتحرك داخل شبكة من العلاقات المتداخلة مع مؤسسات الدولة، فإن أي تردد في حسم هذه العلاقة قد يفتح الباب أمام توسيع دائرة الضغوط الدولية، وربما نقل جزء من عبء التصنيف إلى مؤسسات رسمية.

ولذلك فإن القوات المسلحة السودانية تجد نفسها أمام مفترق طرق واضح:

إما أن تتخذ خطوات حاسمة تعيد رسم حدود العلاقة مع الحركة الإسلامية والتنظيمات المرتبطة بها، بما يقطع الطريق أمام أي التباس  حول موقع هذه الجماعة، من الأجهزة الرسمية

أو أن تواجه واقعاً سياسياً أكثر تعقيداً قد يضعها تحت مجهر المجتمع الدولي ويعرضها لضغوط متصاعدة.

إن خطورة هذه المفارقة لا تكمن فقط في البعد القانوني للتصنيف، بل في رمزيته السياسية أيضاً. فالقرار الأمريكي يبعث برسالة واضحة مفادها أن المجتمع الدولي لم يعد ينظر إلى الحركات الإسلاموية في السودان بوصفها مجرد فاعل سياسي داخلي، بل بوصفها جزءاً من شبكة أوسع من التنظيمات التي يُنظر إليها كتهديد أمني عابر للحدود.

وهذا التحول في النظرة الدولية يعني أن المرحلة القادمة قد تشهد إعادة تشكيل كاملة لطبيعة التعامل الدولي مع السودان، ليس فقط على مستوى العلاقات السياسية، بل أيضاً على مستوى المساعدات الاقتصادية والتعاون الأمني والمالي.

ولعل ما يجعل الحالة السودانية أكثر حساسية هو أنها تمثل سابقة في طبيعة العلاقة بين الدولة والتنظيم المصنف. فالسودان قد يصبح أول نموذج في العالم يواجه فيه جيش وطني واقعاً يتمثل في تحالف أو تقاطع محتمل مع تنظيم مصنف إرهابياً من قبل قوة دولية كبرى.

وهذا الواقع يفرض على القوات المسلحة  السودانية مراجعة عميقة لبنية تحالفاتها الداخلية، ليس فقط استجابة للضغوط الخارجية، بل أيضاً حفاظاً على شرعية احتكار القوة وعلى قدرتها على الانخراط في النظام الدولي دون عوائق أو عزلة.

في نهاية المطاف، لا يتعلق القرار الأمريكي بمجرد إدراج اسم تنظيم على قائمة العقوبات، بل يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة السودانية والحركة الإسلاموية التي لعبت دوراً محورياً في تاريخها السياسي خلال العقود الماضية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان التنظيم قد تم تصنيفه إرهابياً، فذلك أصبح واقعاً قانونياً، بل كيف ستتعامل الدولة السودانية مع هذا الواقع الجديد.

فإما أن يكون التصنيف بداية لمرحلة تفكيك العلاقة التاريخية بين الدولة والتنظيمات الأيديولوجية، وفتح الطريق أمام إعادة بناء الدولة على أسس وطنية خالصة،

أو أن يتحول إلى عامل جديد يضيف مزيداً من التعقيد إلى أزمة السودان المفتوحة، ويضع البلاد أمام عزلة دولية لا تقل خطورة عن أزماتها الداخلية.

 

Exit mobile version