من يملك الظل .. يملك الحكم ( إعترافات ” كبر” البرهان عارياً)

عثمان فضل الله
عثمان فضل الله

عثمان فضل الله

في أروقة الخرطوم المزدحمة، حيث تختلط الرغبة في السلطة بالهمس والخطط الخفية، يبدو قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان اليوم مكشوفًا، عاجزًا عن فرض إرادته، محاصرًا بين الإسلاميين الذين حاول الشعب السوداني إقصاءهم عام 2019، وصراع دموي مستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.

البرهان لم يأتِ إلا ليكون واجهة، لكن من وراء الستار، يواصل الإسلاميون اللعب على مفاصل الدولة.

كبر من الخرطوم

في فيديو متداول، يظهر القيادي الإسلامي محمد يوسف كبر، رئيس مجلس الشورى في المؤتمر الوطني المحلول، جالسًا أمام مجموعة من رفاقه، يتحدث بصوت هادئ وثابت:

“البرهان ما كان عندو دور وما كان محسوب ضابط ذاتو. كان بقعدو زي الحرس بره الباب. كلمنا البرهان، قلناهو: ليهو جايبنك في المجلس العسكري لسحق المتظاهرين ويسلما للإسلاميين. البرهان مرة اتكلم كلام بطال في بورتسودان عن الإسلاميين بالنهار، وفي المساء اتصل علينا في عطبرة يعتذر وقال هو مضغوط من الأمريكان. البرهان ما بقدر يعمل لينا (الإسلاميين) حاجه. البرهان مؤقت لفترة، ونحنا نشتغل شغلنا.”

كلمات كبر ليست مجرد اتهامات. إنها نافذة على واقع داخلي، على شبكة نفوذ الإسلاميين داخل الدولة، وعلى ضعف قائد الجيش الذي يبدو في موقع حراسة مؤقتة لا أكثر.

بتلك الإعترافات نزعت الحركة الإسلامية السودانية آخر أوراق التوت التي ظلّ القائد العام للقوات المسلحة السودانية عبد الفتاح البرهان يتدثّر بها لسنوات. ورقةً بعد أخرى، حتى تُرك الرجل عارياً أمام السودانيين… وأمام التاريخ.

فبالتسريب الأخير لحديث رئيس مجلس شورى الحركة، عثمان محمد يوسف كبر—الذي جاء بعد سلسلة تصريحات مشابهة من قيادات إسلامية—لم يعد أمام البرهان متسع للمناورة أو مساحة جديدة للكذب السياسي على شعبٍ أنهكته الحرب والوعود. فالحركة التي صنّفتها الولايات المتحدة مؤخراً تنظيماً إرهابياً تكشف بنفسها، هذه المرة، ما ظل الرجل ينفيه لسنوات.

لم يعد البرهان قادراً حتى على تكرار سؤاله الذي كان يطرحه في خطاباته بنبرة ساخرة: «هل في كيزان؟ هم وينوهم الكيزان؟».

الإجابة جاءت هذه المرة من داخل البيت نفسه.

في جلسة مغلقة مع عدد من أعضاء التنظيم، تحدث كبر بلا حذر، كأنما يخاطب دائرة ضيقة من رفاق الطريق. لكن كلماته خرجت من الغرفة إلى العلن كرصاصة. فقد أضاء الرجل زوايا ظلّت معتمة في المشهد السوداني منذ سقوط نظام عمر البشير.

قالها بوضوحٍ صادم: إن البرهان لم يكن سوى خيار التنظيم في لحظة حرجة، وإنه جرى الدفع به إلى واجهة المجلس العسكري ليقوم بالمهمة الأكثر قسوة—فضّ اعتصام القيادة العامة—تمهيداً لإعادة ترتيب السلطة لصالح الإسلاميين.

لم يتوقف الأمر عند ذلك.

فحديث كبر كشف أن العلاقة لم تكن يوماً علاقة قطيعة كما حاول البرهان تصويرها للرأي العام، بل قناة مفتوحة على الدوام. تواصل مباشر، تنسيق مستمر، وحتى الخطابات التي يخرج بها الرجل إلى العلن—بحسب رواية كبر—لم تكن تُصاغ دائماً بعيداً عن أعين التنظيم.

كانت تلك الكلمات كافية لإحداث ارتطامٍ عنيف داخل المؤسسة العسكرية وخارجها.

فما قيل في تلك الجلسة الخاصة لم يكن مجرد حديث سياسي عابر، بل اعترافاً فاضحاً ينسف الرواية التي ظل البرهان يكررها منذ سنوات: أنه يقف على مسافة واحدة من الإسلاميين، وأن الجيش يحارب لاستعادة الدولة منهم.

الآن، وبعد أن تكلم رفاق الأمس، لم يعد السؤال: أين الكيزان؟

بل: كيف كان كل هذا يحدث… ومن أي طينة خلق هذا الرجل؟

لكن الصدمة لم تتوقف عند حدود التسريبات والاتهامات المتبادلة بين قيادات الحركة الإسلامية السودانية وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان.

فبعيداً عن الضجيج العلني، داخل ثكنات الجيش نفسها، بدأ صدى تلك الكلمات يتردد بطريقة أكثر قسوة.

هكذا بدأ ضابط لا يزال في الخدمة حديثه معي، بعد جدل طويل دار بيننا حول حجم تأثير الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية. كان يتحدث بنبرة مشدودة، كمن يحاول ترتيب أفكار صعبة قبل أن ينطق بها.

قال:

إن حديث عثمان محمد يوسف كبر هذه المرة لا يمكن أن يمر كما مرت أحاديث سابقة. لا مثل ذلك الذي قاله من قبل عبد الحي يوسف، ولا مثل التصريحات التي أطلقتها القيادية في المؤتمر الوطني سناء حمد العوض.

توقف قليلاً، ثم أضاف بنبرة أكثر ثقلاً:

“واجب القائد العام، وهو يقود الآن حرباً قيل لنا نحن الضباط إنها حرب وجودية للدولة السودانية، أن يوضح الحقيقة. لأننا الآن، بعد حديث كبر، نكتشف شيئاً صادماً… نكتشف أننا فقدنا أكفأ زملائنا وأعز أصدقائنا في حرب أشعلها تنظيم رفضه الشعب السوداني أصلاً.”

كان الضابط يتحدث ببطء، كأنه يزن كل كلمة. ثم أردف:

“الشعب السوداني عزل ذلك التنظيم بثورة، والمؤسسة العسكرية انحازت لتلك الثورة بصدق. لكن ما يبدو الآن أن القائد العام نفسه انحاز… لا إلى الثورة، بل متحرفاً إلى التنظيم.”

في تلك اللحظة، لم يكن الكلام مجرد تحليل سياسي أو جدل بين معسكرات متصارعة.

كان أقرب إلى اعتراف مرير يتردد داخل المؤسسة التي تخوض الحرب نفسها.

فإذا كانت تسريبات كبر قد نزعت الغطاء عن العلاقة بين البرهان والإسلاميين أمام الرأي العام، فإن صداها داخل الجيش يفتح سؤالاً أشد خطورة:

كيف يخوض الضباط والجنود حرباً قيل لهم إنها معركة بقاء للدولة، بينما تتكشف أمامهم روايات تشير إلى أنها قد تكون، في جزء منها على الأقل، حرباً أخرى… حرب تنظيم يسعى إلى العودة من بوابة الدم؟

ولنترك نقاشي مع ذلك الضابط — الذي آثرت حجب اسمه لتقديرات يفهمها أهل المؤسسة العسكرية جيداً — ونعود إلى التسريب الذي أشعل كل هذا الجدل: حديث عثمان محمد يوسف كبر.

ذلك الحديث الذي يمكن القول دون مبالغة إنه أخطر ما كُشف للرأي العام منذ سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019.

ففي التسجيل المصور لكبر، خرجت رواية مختلفة تماماً عما ظل السودانيون يسمعونه طوال السنوات الماضية عن طبيعة السلطة القائمة في البلاد. تسجيل لا يتحدث عن علاقة سياسية عادية بين الجيش والإسلاميين، بل يرسم صورة أكثر تعقيداً وخطورة لموازين القوة داخل الدولة: جيش يقف في الواجهة، بينما تتحرك شبكات التنظيم في الخلف ممسكة بخيوط القرار العسكري والسياسي.

التسجيل، الذي بثته قناة سكاي نيوز عربية بعد حصولها عليه  بحسب قولها من مصادرها الخاصة، فتح نافذة نادرة على ما يدور خلف جدران السياسة السودانية. فبحسب ما ورد في حديث كبر، لم يصل القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان إلى قمة السلطة العسكرية بوصفه قائداً مستقلاً فرضته توازنات المؤسسة العسكرية، بل بوصفه خياراً سياسياً دفع به تنظيم الإخوان في لحظة مفصلية أعقبت سقوط البشير.

تكتسب هذه التصريحات وزناً استثنائياً بالنظر إلى موقع صاحبها داخل بنية الحركة الإسلامية السودانية.

فـعثمان محمد يوسف كبر ليس مجرد قيادي عابر في التنظيم، بل واحد من أبرز الوجوه التاريخية التي ارتبط اسمها بالمشروع الإسلامي في السودان.

يشغل كبر حالياً رئاسة مجلس شورى المؤتمر الوطني المحلول، الذراع السياسية للحركة الإسلامية، مما يعني انه يحتفظ بموقع قيادي داخل التنظيم نفسه

وقبل سقوط النظام في 2019 كان الرجل يجلس في أحد أعلى مقاعد السلطة، نائباً لرئيس الجمهورية في عهد البشير، ووجهاً سياسياً بارزاً في منظومة حكمت السودان لما يقارب ثلاثة عقود.

لهذا لا يمكن توصيف كلماته في التسجيل بانها مجرد رأي سياسي عابر أو تحليل شخصي، بل هي شهادة من داخل غرفة القرار في الحركة الإسلامية عن طبيعة العلاقة الحقيقية بين التنظيم وقائد المؤسسة العسكرية في السودان..

رواية الصعود

أخطر ما في حديث كبر ليس الهجوم على البرهان، بل الرواية التي قدمها عن كيفية وصوله إلى قمة السلطة العسكرية

فبحسب ما ورد في التسجيل، لم يكن البرهان شخصية محورية داخل المؤسسة العسكرية في تلك اللحظة المضطربة التي أعقبت سقوط البشير. بل جرى الدفع به إلى موقع القيادة بعد استقالة عوض بن عوف، في محاولة سريعة لملء الفراغ السياسي والعسكري الذي أحدثه سقوط النظام

وفي أحد أكثر المقاطع صراحة في التسجيل، يقول كبر:

“البرهان لم يكن له قيمة في الجيش ولم يكن أكثر من مجرد حرس. نحن من جئنا به منذ البداية ليكون رئيساً للمجلس العسكري، لسحق جماهير الثورة وإرجاع سلطتنا وتثبيتها”.

بهذه الجملة القصيرة ينسف كبر الرواية الرسمية التي ظلت تقدم البرهان بوصفه قائداً عسكرياً قاد مرحلة انتقالية معقدة، ويضع صعوده في سياق قرار سياسي اتخذته الحركة الإسلامية للحفاظ على نفوذها داخل الدولة بعد سقوط نظامها.

أبعد من التحالف

ما يكشفه التسريب لا يشير إلى مجرد تحالف سياسي بين الجيش والحركة الإسلامية، بل إلى علاقة أكثر تعقيداً تتجاوز الشراكة إلى ما يشبه التبعية السياسية والتنظيمية

فبحسب رواية كبر، كان البرهان يهاجم الإسلاميين في بعض خطاباته العلنية، خاصة تحت ضغط المجتمع الدولي، قبل أن تعود قنوات الاتصال بين الطرفين لتؤكد أن تلك التصريحات لم تكن سوى محاولة لامتصاص الضغوط الخارجية

هذا التناقض بين الخطاب العلني والواقع السياسي الداخلي يفتح باباً واسعاً لفهم التوازنات الدقيقة التي حكمت العلاقة بين القيادة العسكرية والتنظيم الإسلامي منذ سقوط نظام البشير وحتى اليوم.

لكن حديث كبر لا يتوقف عند حدود قصة الصعود إلى السلطة.

بل يذهب أبعد من ذلك ليقدم توصيفاً أوسع لبنية النفوذ داخل الدولة السودانية نفسها.

فبحسب ما ورد في التسجيل، ما زالت الحركة الإسلامية السودانية تحتفظ بحضور مؤثر داخل مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية — حضور تشكل خلال عقود حكم البشير عبر شبكة معقدة من الولاءات التنظيمية والسياسية.

شبكة تجعل المؤسسة العسكرية نفسها ساحة توازنات داخلية بين القيادات الرسمية من جهة، والشبكات التنظيمية التي ترسخت داخلها على مدى ثلاثين عاماً من جهة أخرى.

وهنا، تحديداً، يصبح التسريب أخطر من مجرد تصريح سياسي.

لأنه لا يكشف فقط ما يقال في الغرف المغلقة، بل يطرح سؤالاً أثقل بكثير

من يحكم السودان فعلاً… الجيش أم التنظيم الذي يقف خلفه؟

 

هذا السؤال تحديداً طرحته على الصحافي والمحلل السياسي حيدر المكاشفي. لم يتردد كثيراً قبل أن يبدأ إجابته، وكأنه كان ينتظر السؤال منذ وقت طويل.

قال إن ما قاله عثمان محمد يوسف كبر لا يمكن التعامل معه كتصريح عابر. فالرجل، كما يوضح المكاشفي، ليس ناشطاً سياسياً عادياً، بل أحد كبار قيادات الحركة الإسلامية السودانية، وكلامه يفتح الباب واسعاً لفهم ما يجري خلف الكواليس في العلاقة المعقدة بين الجيش والإسلاميين، ويكشف ـ بلا لبس ـ طبيعة السلطة الحقيقية التي تُدار اليوم من بورتسودان.

 

ويضيف المكاشفي:

إن حديث كبر نسف تماماً المسرحية التي ظلّت تُعرض على السودانيين منذ سنوات، تلك التي تقول إن الجيش لا علاقة له بتنظيم الإخوان. فالتسريب، كما يقول، قدّم صورة معاكسة تماماً: البرهان ليس مركز القرار، بل مجرد “حارس بوابة”، بينما القرار الحقيقي في يد الإسلاميين.

ويمضي قائلاً إن ما صدر عن كبر ليس مجرد رأي سياسي، بل اعترافات بالغة الخطورة يمكن التعامل معها كوثيقة اتهام مكتملة ضد الرواية التي ظلّ يرددها القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان منذ اندلاع الحرب: “لا يوجد كيزان… وأين هم الكيزان؟ نحن جيش وطني مهني”.

لكن التسريب، بحسب المكاشفي، شقّ هذه الرواية نصفين.

فقد قال كبر بوضوح إن البرهان لم يكن أصلاً لاعباً مؤثراً داخل منظومة الإسلاميين، بل مجرد ضابط بلا وزن حقيقي في حساباتهم.

بل إن العبارة التي قالها كبر ـ كما يلفت المكاشفي ـ تكاد تكون كافية وحدها لإعادة طرح السؤال من جديد:

“البرهان لم يكن محسوب ضابط أصلاً… كان يُترك مثل الحرس خارج الباب.”

ويتابع المكاشفي:

هذه الجملة وحدها تفتح الباب لسؤال أكثر خطورة: كيف تحوّل هذا الضابط الهامشي إلى الرجل الذي يقود البلاد اليوم؟

والإجابة، كما يرى، موجودة داخل التسريب نفسه.

فالبرهان ـ بحسب رواية كبر ـ لم يتحول فجأة إلى قائد، بقدر ما تم اختياره من قبل التنظيم ليكون واجهة.

لكن الأخطر في حديث كبر، كما يقول المكاشفي، ليس التقليل من شأن البرهان، بل الاعتراف الصريح بوظيفته.

فبحسب ما ورد في التسجيل، أبلغ الإسلاميون البرهان بوضوح أنهم جاؤوا به إلى المجلس العسكري لسحق المتظاهرين والمعتصمين ثم تسليم السلطة للإسلاميين.

سقوط رواية

ويضيف المكاشفي:

هذه الجملة وحدها تسقط الرواية التي قيل فيها إن الجيش انحاز إلى الثورة.

فالذي يتضح من حديث كبر ـ كما يقول ـ أن ما حدث لم يكن انحيازاً للثورة ولا تصحيحاً لمسارها، بل إعادة تموضع لنظام الإنقاذ بوجوه جديدة بعد سقوط عمر البشير.

لكن التسريب ـ في رأي المكاشفي ـ ذهب أبعد من ذلك أيضاً.

فقد كشف طبيعة العلاقة الحقيقية بين البرهان والحركة الإسلامية.

إذ يروي كبر، بحسب التسجيل، أن البرهان اضطر في مرحلة ما وتحت ضغط دولي إلى توجيه انتقادات علنية للإسلاميين. لكن بعد تلك التصريحات مباشرة ـ كما يقول كبر ـ اتصل بهم لاحقاً معتذراً، موضحاً أنه كان “مضغوطاً من الأمريكيين”.

ويقول المكاشفي إن هذه الواقعة تكشف بوضوح المعادلة التي تُدار بها السلطة في بورتسودان:

خطاب مزدوج، رسائل متناقضة، ومناورة مستمرة بين الضغوط الدولية من جهة، ومراكز القوة الداخلية المتمثلة في الإسلاميين من جهة أخرى.

ومع ذلك، يعتقد المكاشفي أن أكثر العبارات دلالة في حديث كبر هي تلك التي قال فيها:

“البرهان ما بقدر يعمل لينا حاجة… وجوده مؤقت لفترة، ونحن نشتغل شغلنا.”

ويعلق المكاشفي قائلاً إن هذه ليست مجرد ثقة من سياسي في حليفه، بل لغة رب عمل يتحدث عن موظف.

فالبرهان، وفق هذه اللغة، ليس أكثر من موظف لدى الكيزان.

ولا يمثل مركز القرار الحقيقي بالنسبة لهم، بل مرحلة انتقالية تسمح لهم بإعادة ترتيب أوراقهم واستعادة نفوذهم داخل مؤسسات الدولة والجيش.

ويضيف أن هذا يفسر كثيراً من الظواهر التي بدت غامضة خلال سنوات الحرب وما قبلها: عودة كوادر النظام القديم إلى مواقع القرار، وتغلغل الإسلاميين في حملات التعبئة العسكرية والإعلامية، وإصرارهم المستميت على استمرار الحرب رغم كلفتها الكارثية على البلاد.

ويرى المكاشفي أن كثيرين كانوا يعتقدون أن الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 ليست سوى صراع بين الجيش وقوات الدعم السريع.

لكن في ضوء ما كشفه التسريب، كما يقول، يصبح من الضروري إعادة النظر في هذه الفرضية.

فما أكدته هذه الاعترافات ـ بحسب المكاشفي ـ هو ما ظلت تردده القوى المدنية منذ البداية:

أن هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل معركة بقاء بالنسبة للحركة الإسلامية التي ترى في استمرارها فرصة ذهبية لإعادة ترتيب صفوفها والعودة إلى السلطة عبر بوابة الدم.

ويختم المكاشفي قائلاً:

 حديث كبر، جعل السردية التي تقول إن الجيش يقاتل اليوم من أجل السودان كجيش وطني مهني لم تعد قادرة على الوقوف على قدميها.

فبهذه الاعترافات، كما يقول، سقطت الرواية… وبقي السؤال مفتوحاً أمام السودانيين: من يقود الحرب حقاً، ومن يدفع ثمنها؟اذا كان رئيس شوري الحركة الإسلامية بيتحدث بهذه العنجهية والثقة هنا ينشاء سؤال  هل الجيش فعلا يقاتل لصالح الدولة السودانية  واللا السودان بيدفع ثمن حرب لاستعادة نظام اسقطه الشعب السوداني بثورة  واظن الإجابة واضحة.

لكن واحدة من الدروس المستفادة من اعترافات كبر  ياسودانين معركتكم اليوم  ليست لوقف الحرب فقط  وانما منع عودة الإسلاميين خائضين في بحر  الدم والخراب هذا.

مجموعة الكذبة

حملت ما قاله الصحافي والمحلل السياسي حيدر المكاشفي وعدت به إلى صديقي الضابط الذي لا يزال في الخدمة داخل القوات المسلحة. لأحصل على المزيد من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، لا في غرف التحليل السياسي ولا في استوديوهات الإعلام.

لكن هذه المرة جاء ردّه أكثر حدّة… وأكثر صدمة

قال لي مباشرة:

“أنا لا أصدق كبر… وأكذّب قائدي العام.”

ثم استدرك سريعاً، كأنه يريد أن يضع الجملة في سياقها الصحيح:

“نحن في القوات المسلحة ولاؤنا لقائدنا يتجاوز ولاء كبر لتنظيمه.”

كان واضحاً أن الرجل يتحدث من موقع الجندي الذي يرى في الاعترافات تمثل تهديداً مباشراً للمؤسسة التي ينتمي إليها

ومضى الضابط يشرح وجهة نظره قائلاً إن قراءة حديث عثمان محمد يوسف كبر بعمق تقود إلى نتيجة مختلفة تماماً عن تلك التي يطرحها خصوم الجيش.

فإذا كان ما قاله كبر صحيحاً، كما يقول الضابط، فهذا يعني ببساطة أن الحركة الإسلامية السودانية نفسها مجموعة من الرجال الكذبة.

وأضاف:

إن كل بيانات وتصريحات قيادات الحركة خلال الفترة الماضية كانت تؤكد أنهم انحازوا إلى الجيش في معركته، وأنهم لا يطمحون من وراء ذلك إلى العودة إلى السلطة.

لكن حديث كبر ـ بحسب الضابط ـ يهدم هذه الرواية من أساسها.

“إذا كانوا يريدون أن يظهروا القائد العام كرجل مراوغ أو كاذب، فقد كشفوا في المقابل أمام السودانيين أنهم هم أنفسهم تنظيم متآمر وخائن للشعب والوطن.”

ويضيف الضابط بنبرة لم تخلُ من الغضب أن بعض قيادات الحركة الإسلامية تجاوزت ـ في تقديره ـ كل الخطوط الحمراء.

ويرى أن ما قيل في هذا التسريب يمثل مرحلة جديدة من التصعيد تستوجب الحسم.

“أعتقد أنهم الآن وصلوا إلى مرحلة تستوجب التعامل معهم بلا هوادة.”

ثم وجه حديثه مباشرة إلى القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان، مشيداً بالطريقة التي أدار بها المرحلة الماضية ـ بحسب تعبيره ـ “بكل حكمة واقتدار”، داعياً إياه إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة تجاه من وصفهم بأنهم تجاوزوا حدودهم.

لكن الجملة الأخيرة التي قالها الضابط كانت الأكثر قسوة:

“إذا صحّ ما قاله كبر، فهذا خيانة عظمى… ويجب أن يُشنق في ميدان عام.”

ثم يوضح مبرره لذلك قائلاً إن مثل هذا الحديث، إن تُرك دون مواجهة حاسمة، يمكن أن يلحق ضرراً بالغاً بالمؤسسة العسكرية.

فهو ـ بحسب رأيه ـ يدمغ قيادة الجيش باتهامات خطيرة، وقد تكون له انعكاسات عميقة على صورة المؤسسة العسكرية داخلياً وخارجياً.

هكذا، بين رواية كبر وتحليل المكاشفي وغضب الضابط الذي يقف في صفوف الجيش، يتضح أن التسريب لم يكن مجرد تسجيل سياسي عابر.

بل قنبلة ألقيت في قلب المشهد السوداني، وارتد صداها في الشارع… وفي الثكنات معاً

اختراق الجيش

حملت أوراقي هذه المرة وغادرت دائرة التحليل والجدل الإعلامي، متجهاً نحو رجالٍ تولّوا في وقت سابق قيادة هذه المؤسسة التي ما تزال تحظى باحترام واسع وسط السودانيين: القوات المسلحة. كنت أبحث عن قراءة مختلفة، قراءة تأتي من داخل التجربة العسكرية نفسها.

 

هناك التقيت بالقائد الأسبق لسلاح الذخيرة اللواء م كمال إسماعيل. جلس الرجل هادئاً، يستمع أولاً قبل أن يبدأ حديثه بنبرة لم تحمل مفاجأة بقدر ما حملت يقيناً قديماً.

قال إن ما اعترف به عثمان محمد يوسف كبر في تسريبه الأخير لم يكن مدهشاً ولا صادماً لأي شخص ملم بما يجري داخل المؤسسة العسكرية.

وأضاف بوضوح:

إن المشكلة ليست في هذا التسريب وحده، بل في واقع أعمق ظل يتشكل على مدى سنوات طويلة.

“المؤسسة العسكرية مخترقة بشكل كامل… أو دعنا نكون أكثر دقة ونقول إنها مختطفة لصالح الإسلاميين.”

لكن إسماعيل لا يرى أن الخطر يقف عند حدود النفوذ السياسي داخل الجيش.

فهو يلفت إلى أن العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية السودانية كانت في الماضي علاقة مضرة، لكنها اليوم ـ في تقديره ـ أصبحت أكثر خطورة على المؤسسة والبلاد معاً.

ويربط ذلك بتطورات دولية حديثة، خاصة بعد تصنيف التنظيم المرتبط بالحركة الإسلامية ضمن قوائم الإرهاب.

ويقول إن إدراج ما يعرف بفرع الإخوان المسلمين في السودان ـ الذي عرفه القرار بأنه الجماعة المنبثقة عن الحركة الإسلامية بقيادة علي أحمد كرتي ـ إلى جانب مجموعة كتيبة البراء بن مالك التي توصف بأنها الجناح العسكري لهذا التيار، يمثل خطوة مهمة لتحجيم مخاطر هذه الشبكة التي يرى أنها لعبت دوراً في إشعال الحرب في السودان وتصر على استمرارها وتعرقل جهود وقفها.

لكن الأخطر، بحسب إسماعيل، لا يتعلق بالحرب وحدها.

فالرجل يشير إلى ما يصفه بعلاقات مباشرة بين هذه المجموعات والأنشطة العسكرية الإيرانية في المنطقة. ويقول إن ما يتوفر من معلومات حول التدريب والتسليح الذي تلقته مجموعة البراء بن مالك يشير إلى أن طهران تسعى إلى إعدادها لتكون ذراعاً لها في السودان، على غرار النموذج الذي يمثله حزب الله في لبنان.

“الإيرانيون ـ كما يبدو من الوقائع ـ يسعون لتجهيز هذه المجموعة لتكون ما يمكن وصفه بـ(حزب الله السودان).”

ويضيف أن هذا الأمر بدا واضحاً من خلال اشتراطات تتعلق بإدارة واستخدام بعض الأسلحة الإيرانية التي وصلت إلى الجيش السوداني خلال حرب أبريل 2023، حيث جرى ـ بحسب روايته ـ حصر تشغيلها في عناصر من هذه المجموعة دون غيرها.

بالنسبة لإسماعيل، فإن الحديث عن دمج هذه المجموعة داخل الجيش أو القوات النظامية يمثل خطراً مضاعفاً.

فهو يرى أن ذلك يفاقم مسألة التمكين الأيديولوجي داخل مؤسسات الدولة العسكرية، ويعيد إنتاج ذات المشكلة التي حاول السودان معالجتها بعد ثورة ديسمبر، من خلال مسارات الإصلاح الأمني والعسكري التي طرحت في الاتفاق الإطاري وورش الإصلاح.

ويشير إلى أن التنظيم الإسلامي ـ في تقديره ـ رفض تلك المسارات بشكل واضح، وأن هذا الرفض كان أحد العوامل التي قادت إلى انفجار الحرب.

لكن الخطر لا يقف عند حدود التمكين الحزبي، كما يقول.

فوجود مجموعات داخل المؤسسة العسكرية تحمل مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود قد يدفع السودان إلى الانجرار نحو صراعات إقليمية ودولية، على غرار ما حدث في لبنان عندما انخرط حزب الله في صراعات مرتبطة بالمشروع الإيراني، أو عندما شارك في الحرب السورية دعماً لنظام بشار الأسد.

من هنا يطرح إسماعيل ما يراه الطريق الوحيد للخروج من هذه الدائرة.

“لا خيار سوى إصلاح المؤسسة العسكرية السودانية بعد نهاية هذه الحرب.”

إصلاح يقوم ـ بحسب رؤيته ـ على مبدأ واضح:

ألا يُسمح بوجود أي عناصر داخل الجيش تحمل مشاريع أيديولوجية أو ارتباطات عابرة للحدود.

ويضيف أن الجيش السوداني يجب أن يكون مؤسسة قومية مهنية احترافية، لا تمارس السياسة ولا التجارة، وتخضع بالكامل للسلطات الدستورية، وتنفذ توجيهاتها في السلم والحرب، وتدافع عن مصالح السودان وشعبه فقط، لا عن أجندات حزبية أو أيديولوجية أو مشاريع خارجية.

ويختم إسماعيل حديثه بنبرة واثقة:

إن هذا الإصلاح سيحدث في نهاية المطاف، لأن محاولات إعادة إنتاج نظام البشير لن تنجح.

“مثلما أسقط السودانيون نظام البشير والإخوان من قبل، سينتصرون أيضاً على محاولات إعادة إنتاجه.”

وقبل أن ينهي اللقاء، وجّه إسماعيل رسالة مباشرة إلى الإسلاميين، دعاهم فيها إلى التراجع خطوة إلى الخلف، مضيفاً:

“أضم صوتي إلى صوت رئيس المؤتمر الشعبي في دعوته الإسلاميين إلى التراجع.”

بهذا الصوت القادم من داخل خبرة عسكرية طويلة، يضيف اللواء كمال إسماعيل زاوية جديدة إلى المشهد: زاوية ترى أن المعركة في السودان لا تدور فقط في الميدان، بل أيضاً داخل بنية الدولة نفسها، حيث يتقرر مستقبل الجيش… ومستقبل البلاد.

ما بين اعترافات عثمان محمد يوسف كبر، وحديث الداعية الإسلامي المتشدد عبد الحي يوسف، وما سبقهما من تصريحات القيادية في المؤتمر الوطني سناء حمد العوض، تتشكل خيوط رواية واحدة أخذت تتضح ملامحها تدريجياً في المشهد السوداني.

فعبد الحي يوسف كان قد قالها صراحة في تسجيل سابق:

“البرهان ليس له دين، ولا يستطيع القضاء على الإسلاميين لأنهم موجودون داخل مكتبه. الحركة الإسلامية لا تثق فيه، وهو يتحمل النصيب الأكبر من الأزمة الحالية في السودان. البرهان متناقض، ففي مثال واحد رفض استقبال وزير الخارجية القطري رغم موافقته المسبقة، تحت ضغط قائد قوات الدعم السريع حميدتي.”

وقبل ذلك كانت سناء حمد العوض قد أثارت جدلاً واسعاً عندما تحدثت عن تحقيق أجرته مع قيادة القوات المسلحة بشأن سقوط نظام عمر البشير، في إشارة فهمها كثيرون على أنها تعكس طبيعة النفوذ الذي احتفظ به الإسلاميون داخل دوائر القرار حتى بعد سقوط النظام.

هذه التصريحات المتفرقة، التي صدرت في أوقات مختلفة ومن شخصيات تنتمي إلى معسكر واحد، التقت أخيراً عند نقطة واحدة مع التسريب المنسوب إلى كبر.

وبهذا التقاطع، كما يرى مراقبون، تعززت السردية التي ظلت ترددها القوى المدنية الرافضة للحرب: أن قرار الجيش لم يكن مستقلاً بالكامل، بل ظل ـ بدرجات متفاوتة ـ رهيناً لتوازنات الحركة الإسلامية 

Exit mobile version