هل السودان دولة تبحث عن أمة، أم أمة تكتشف ذاتها في قلب الأزمة؟

بعيداً عن تشاؤم الخبراء.. 

لماذا يمتلك السودانيون مفاتيح البقاء التي لم ينتبه اليها المؤرخ جيرار برونييه؟

أحمد عثمان محمد المبارك 

أثار انتباهي مؤخراً مقال تحليلي أرسله لي أحد الأصدقاء، ورغم أن المقال لم يكن ممهوراً باسم كاتب محدد، إلا أنه يسرد باستفاضة الخلاصات الصادمة التي توصل إليها المؤرخ والمفكر العالمي جيرار برونييه حول مستقبل السودان. وبسبب ما تحمله تلك القراءات من قتامة، قررت أن أكتب هذا المقال محاولاً تفكيك تلك الأفكار بنظرة أكثر إيجابية، تستشرف الأمل من قلب الأزمة، وتواجه تشاؤم برونييه بواقعية سودانية مغايرة.

جيرار برونييه هو مؤرخ فرنسي ولد في عام 1942, وهو خبير متعمق في شؤون القرن الأفريقي، ومن اشهر كتبه (أزمة رواندا- تاريخ إبادة جماعية). ويعتبر من أدق المحللين للشأن السوداني، وله كتابات محورية تركز على الصراعات في دارفور وجنوب السودان منها كتاب (دارفور تاريخ غامض).

ويتمييز بإبتعاده عن التفسيرات السطحية للأزمات الأفريقية ويغوص في صراعات الهوية والموارد. 

وفي المقال الذي نحن بصدده يضع برونييه السودان في ميزان مقارنة حاد مع نماذج إقليمية؛ فبينما يرى مصر دولة ونواة أمة ضاربة في التاريخ، ورواندا دولة نهضت من رماد الإبادة بعقد وطني جديد، يخشى برونييه أن ينزلق السودان نحو النموذج الصومالي حيث التفتت وغياب المركز، واصفاً السودان بأنه دولة إدارية انشأها الاستعمار وفشلت في التحول إلى أمة بسبب تغول المركزية وتشظي الهويات الجغرافية والقبلية.

ورغم هذه النبوءات القاسية، إلا أن هناك زاوية أخرى يمكننا أن نرى من خلالها ان التشظي الذي يعيشه السودان الآن، قد يمثل مخاضاً عسيراً لولادة عقد اجتماعي جديد، فبناء الأمة السودانية لا يزال ممكناً، ليس عبر ترميم الصيغة القديمة المتهالكة، بل من خلال هدم إبداعي ينهي نموذج الخرطوم التي همشت الأطراف. ففشل جهاز الدولة الذي ورثه السودان عن الاستعمار لا يعني بالضرورة فشل الشعب؛ فالحرب الحالية وضعت السودانيين أمام اختبار المواطنة الحقيقي، حيث بدأ يتشكل وعي جماعي بأن الاحتماء بالقبيلة ليس سوى حل مؤقت لا يبني مستقبلاً، وأن الدولة العادلة هي الضامن الوحيد للبقاء.

لذلك فإن الظروف المواتية لبناء هذه الأمة تكمن في التحول الجذري نحو الفيدرالية الحقيقية التي تمنح الأقاليم سلطة إدارة مواردها وكرامتها الثقافية، مما يحول التنوع من عبء أمني إلى رأسمال وطني. هذا المسار يتطلب مؤتمر تعافٍ يشبه النماذج الناجحة عالمياً، حيث يتم الاعتراف بالمظالم التاريخية (المملكة المغربية) وتفكيك خطاب الكراهية (رواندا) بالتوازي مع اقتصاد تنموي يشعر فيه المواطن في أقصى الغرب أو الشرق بأنه شريك أصيل في الثروة والسلطة.

وعلى الرغم من المعوقات الضخمة مثل تسييس القبيلة والتدخلات الخارجية، إلا أن المرونة السودانية والوعي الذي صاغه الحراك المدني والشبابي في ثورة ديسمبر المتوهجة، يقدمان برهاناً على أن السودان يمتلك طاقة بشرية ومدنية لا تتوفر في النماذج التي قارنها برونييه (كل البلد دارفور). كما أن المبادرات القاعدية وغرف الطوارئ التي تعمل اليوم بعيداً عن الانتماءات الضيقة قد تمثل ايضا (في تقديري) بذور الأمة الحقيقية، فهي تثبت أن السودانيين يتكاتفون إنسانياً في أحلك الظروف (عندك خت،، كان ما عندك شيل).

قد يكون برونييه محقاً في توصيف فشل الدولة كجهاز إداري، لكنه قد يغفل عن إرادة المجتمع وقواه الحية. فسقوط دولة الامتيازات القديمة، رغم كلفته الباهظة، هو الثمن الذي يدفعه السودان ليتحول من مجرد خريطة جغرافية إلى أمة وجدانية. والأمة السودانية المرجوة لن تولد من صالونات السياسة، بل من صمود السودانيين الذين يكتشفون اليوم أن عدوهم ليس الآخر في الوطن، بل هو الفراغ الذي يتركه غياب العدالة والمساواة، التي تعتبر عاملاَ فعالا ومؤثراَ في بناء الأمة..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى