الشهادة الثانوية.. محطة جديدة في الصراع؟

أفق جديد: ابتسام حسن
أثار تكوين لجنة عليا لامتحانات الشهادة الثانوية في حكومة نيالا جدلاً واسعاً بين الأوساط التربوية، إذ قوبلت الخطوة برفض من وزارة التربية والتعليم ولجنة المعلمين وجهات تعليمية أخرى، في حين تمسكت حكومة الأمر الواقع في تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” بقيام الامتحانات في موعدها المحدد.
وكانت حكومة الأمر الواقع في نيالا قد أعلنت تشكيل لجنة عليا لتنظيم امتحانات الشهادة الثانوية السودانية.
وأكد رئيس اللجنة الفنية لامتحانات السودان بحكومة تأسيس ومدير التعليم بولاية جنوب دارفور، حافظ أحمد عمر، أن اللجنة بدأت فعلياً استعداداتها لإنجاز مهمتها، بهدف تمكين جميع الطلاب من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية. وفي المقابل، اعتبرت لجنة المعلمين السودانيين أن هذا القرار يعزز المخاوف التي سبق أن حذرت منها منذ قيام أول امتحانات في ظل الحرب، مشيرة إلى خطورة تحويل التعليم إلى أداة لترسيخ الانقسام الجغرافي والسياسي بدلاً من أن يكون جسراً للوحدة والسلام.
كما حذر الدكتور شمس الدين ضو البيت من أن الخطوة قد تؤدي إلى انفجار معدلات التسرب بين الطلاب والطالبات، وربما تفضي إلى زيادة ظاهرة زواج القاصرات.
تعدد مراكز القرار
تابعت الجهات التربوية القرار الوزاري الصادر عن حكومة الأمر الواقع في نيالا والقاضي بتشكيل لجنة فنية إشرافية لامتحانات الشهادة الثانوية للعام الدراسي 2025–2026، وما تضمنه من حديث عن معالجة التحديات التي واجهت العملية التعليمية منذ اندلاع حرب 15 أبريل، وضمان معايير الجودة والنزاهة في تنظيم الامتحانات.
وأشارت لجنة المعلمين إلى أنها حذرت مراراً من أن تعدد مراكز القرار في ملف امتحانات الشهادة الثانوية وربطها بمناطق السيطرة العسكرية قد يفتح الباب أمام واقع تعليمي منقسم، بما قد يشير إلى إنفصال فعلي للدولة السودانية حتى وإن لم يُعلن رسمياً.
صراعات مسيطرة
وأوضحت اللجنة أن ما يجري حالياً، في ظل التنافس بين حكومة بورتسودان وحكومة نيالا، ومحاولة كل طرف تثبيت موقعه كسلطة كاملة الصلاحيات داخل مناطق سيطرته عبر بوابة امتحانات الشهادة الثانوية، يعكس المخاوف التي نبهت إليها منذ وقت مبكر. فالشهادة الثانوية السودانية ليست مجرد إجراء إداري محلي، بل استحقاق قومي وسيادي يمثل رمزاً لوحدة الدولة ومؤسساتها التعليمية.
وأكدت اللجنة أن التعليم يجب ألا يكون مدخلاً للتقسيم أو أداة لإضفاء الشرعية على واقع الانقسام، بل ينبغي أن يكون رافعة للسلام وخافضاً لصوت الحرب. ودعت إلى أن تكون امتحانات الشهادة الثانوية مدخلاً لإنهاء الحرب عبر توافق وطني شامل يفضي إلى تشكيل لجنة قومية مستقلة ومحايدة تضم خبراء تربويين مشهوداً لهم بالكفاءة، تتولى تنسيق قيام الامتحانات في جميع أنحاء البلاد بعيداً عن الاستقطاب السياسي والعسكري.
التعليم أولى بالاتفاق
وأشارت اللجنة إلى أنه إذا كانت حكومات الأمر الواقع قد توصلت – رغم النزاع – إلى تفاهمات حول انسياب وتصدير البترول من مناطق سيطرة قوات الدعم السريع إلى مناطق التصدير الخاضعة لسيطرة الجيش، فمن باب أولى أن تتفق على تنظيم امتحانات الشهادة الثانوية في جميع أنحاء السودان بذات الروح العملية.
فالتعليم – بحسب اللجنة – أسمى من أن يُترك رهينة للخلافات، وأجدر بأن يُحصَّن من التجاذبات السياسية.
وأضافت أن طلاب اليوم يمثلون الوقود الحقيقي لنهوض الأمة السودانية، وأي مساس بوحدة الشهادة الثانوية أو توظيفها في صراع السلطة يهدد مستقبل جيل كامل، ويدفعه إلى أتون الحرب نتيجة الحرمان من التعليم، بما يعمّق جراح الوطن.
وجددت اللجنة دعوتها لتحييد ملف التعليم عن الصراع والعمل فوراً على تشكيل لجنة وطنية محايدة لتنسيق امتحانات الشهادة الثانوية على مستوى السودان كله، بما يحفظ وحدة الدولة ويصون حق الطلاب في الجلوس لامتحان قومي واحد.
تاريخ الشهادة السودانية
تُعد الشهادة السودانية منذ الاستقلال شهادة قومية موحدة تعكس سياسة السودان التعليمية. فبينما تتنافس الولايات في المراحل الدراسية الدنيا، تظل الشهادة الثانوية امتحاناً قومياً موحداً. وقد تنافس الطلاب تاريخياً عبر مدارس عريقة مثل حنتوب وخور طقت ووادي سيدنا، قبل أن يتسع المجال لاحقاً للمدارس الأهلية، ويتنافس طلابها على مقاعد كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم حالياً)، ثم جامعات أخرى مثل جامعة أم درمان الإسلامية وجامعة القاهرة فرع الخرطوم وجامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا.
كما ظل إعداد امتحانات الشهادة السودانية يتم بواسطة خبراء ومختصين وفق معايير علمية معروفة، وبمشاركة معلمين في مختلف المراحل، في إطار من السرية المهنية التي حازت تقديراً واسعاً.
تشتيت للأفكار
وقال مدير إدارة التدريب بوزارة التربية والتعليم بولاية الخرطوم والخبير التربوي د. صلاح الدين موسى الخالدي، في حديثه لـ(أفق جديد)، إن ما أعلنته حكومة تأسيس من تكوين لجنة لوضع امتحانات الشهادة السودانية في نيالا خطوة مقصودة لتشتيت الرأي العام ولا تستند إلى أساس تعليمي حقيقي. وأضاف أن حكومة تأسيس لا تملك سنداً تعليمياً معترفاً به للشهادات الأساسية أو المتوسطة، وبالتالي فإن أي امتحانات تُعقد هناك لن تعترف بها مؤسسات التعليم العالي داخل السودان أو خارجه.
وأوضح أن الجلوس لامتحان الشهادة السودانية يتطلب حصول الطالب على شهادات نجاح في مرحلتي الأساس والمتوسط، إضافة إلى استيفاء شروط زمنية محددة وفق سياسات التعليم، مؤكداً أن هذه الشروط غير متوفرة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. وأضاف أن الخبراء المختصين في القياس والتقويم موجودون في الخرطوم، ما يجعل هذه الخطوة – بحسب رأيه – محاولة لزعزعة الاستقرار أكثر من كونها مشروعاً تعليمياً حقيقياً.
المضي في الامتحانات
ورغم هذه الاعتراضات، يبدو أن حكومة تأسيس ماضية في خطتها لتنظيم امتحانات ثانوية منفصلة في نيالا.
فقد عقدت اللجنة الفنية لامتحانات الشهادة الثانوية للدفعات المتراكمة (2023–2026) مؤتمراً صحفياً بالعاصمة الإدارية نيالا، بحضور ممثلين من مناطق سيطرة الحكومة، شملت جبال النوبة وكاودا والفاشر ووسط وشرق دارفور وجنوب وشمال كردفان.
وأكد رئيس اللجنة الفنية ومدير التعليم بجنوب دارفور حافظ أحمد عمر أن اللجنة بدأت استعداداتها لتنفيذ المهمة، مشيراً إلى عقد اجتماعات متتالية لترتيب الإجراءات اللازمة، وأن جداول الامتحانات وتشكيل اللجان الفنية سيُعلن عنها قريباً، إضافة إلى توزيع استمارات لحصر الطلاب في المدارس الواقعة ضمن مناطق سيطرة الحكومة.
مخاوف من التسرب.
من جانبه حذر صاحب مبادرة توحيد امتحانات الشهادة السودانية د. شمس الدين ضو البيت من أن مستقبل مئات الآلاف من الطلاب بات معلقاً بقرار سياسي. وأوضح أن الطلاب كانوا من أكثر الفئات تضرراً بالحرب، وأن حرمانهم من الجلوس للامتحانات لثلاثة أعوام متتالية قد يؤدي إلى انفجار معدلات التسرب، مع ما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية خطيرة مثل الانخراط في العنف أو الأعمال العشوائية أو زواج القاصرات.
ودعت المبادرة إلى إطلاق حملة قومية عاجلة للضغط من أجل تمكين جميع الطلاب المحرومين من الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية الموحدة لعام 2026، عبر توافق وطني يضمن حقهم في التعليم.
غير معترف بها
قال الخبير التربوي الإمام عبد الباقي الإمام إن الشهادة السودانية تخضع لمعايير قياس عالمية ولا يمكن أن تُدار خارج الأطر القانونية المعترف بها دولياً.
وأضاف أن أي امتحانات تنظمها جهات خارج النظام الرسمي لن تكون معترفاً بها، مؤكداً أن الشهادة السودانية لا تُعد صحيحة إلا إذا كانت ممهورة بختم لجنة امتحانات السودان وتوقيع سكرتيرها.





