تداعيات التصعيد في منطقة دول الخليج على مسار الأزمة السودانية

أفق جديد
تشهد الساحة الدولية في الوقت الراهن تعددًا في بؤر الصراعات، الأمر الذي يؤدي غالبًا إلى تفاوت مستويات الاهتمام الدولي بكل أزمة وفقًا لأهميتها الاستراتيجية وتأثيرها في التوازنات العالمية. وفي ظل اندلاع الحرب والتصعيد العسكري بين دول الخليج وإيران، يبرز احتمال أن ينعكس هذا التصعيد سلبًا على أزمات أخرى قائمة، من بينها الأزمة السودانية المستمرة منذ اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في عام 2023.
هذا التصعيد الإقليمي لا يقتصر تأثيره على حدود منطقة الخليج فحسب، بل يمتد ليؤثر في أولويات المجتمع الدولي سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا، حيث تتحول الأنظار إلى بؤر الصراع الأكثر تأثيرًا في الأمن الدولي وإمدادات الطاقة. ونتيجة لذلك، قد يتراجع الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تعقيد مسارات حلها وتأخير أي جهود حقيقية للتسوية السياسية.
وتُعد منطقة الخليج من أكثر المناطق الاستراتيجية في العالم، نظرًا لموقعها الجغرافي الحيوي وارتباطها المباشر بإمدادات الطاقة العالمية وخطوط الملاحة البحرية. ولهذا السبب استقطبت الحرب الجارية اهتمامًا دوليًا واسعًا من الحكومات ووسائل الإعلام، ما أدى إلى تحول ملحوظ في التركيز الدولي نحو هذه الأزمة على حساب أزمات أخرى، وفي مقدمتها الأزمة السودانية.
حالة ترقب
يرى الخبير الاستراتيجي إبراهيم إدريس أن التطورات المتسارعة في الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط تجعل من الصعب التنبؤ بمآلات الحرب في السودان. ويشير إلى أن المؤشرات الحالية لا تقود إلى مسار حاسم واحد، بل تعكس إحتمالات متعددة وتغيرات متسارعة في اتجاهات الصراع.
وأوضح إدريس في حديثه لـ”أفق جديد” أن السودان يعيش حالة ترقب مستمرة في ظل هذه المتغيرات، إذ يمكن أن تمتد انعكاساتها إلى المشهدين السياسي والإقتصادي لجميع الأطراف. وفي إطار هذا المناخ الإقليمي المضطرب، يعاد تشكيل ديناميات الصراع المحلي بطرق غير متوقعة، ما يجعل أي تسوية داخلية محتملة رهينة للتحولات في التحالفات الإقليمية والدولية.
وأضاف أن المرحلة المقبلة قد تشهد تغيرات كبيرة، مؤكدًا أن السودان سيظل متأثرًا سياسيًا واقتصاديًا بسبب موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر، وكونه نقطة تقاطع جغرافي بين مصر وليبيا والقرن الأفريقي. ويمنح هذا الموقع أهمية خاصة للسيطرة على الموانئ وخطوط الملاحة البحرية.
وأشار إدريس إلى أن تقلب التحالفات الإقليمية قد يؤدي إلى تذبذب في مستويات الدعم اللوجستي والتمويل للأطراف المتصارعة، الأمر الذي قد يسهم في إطالة أمد الصراع ويحد من فرص التوصل إلى تسوية وطنية مستقلة. كما قد يؤدي اختلاف نوعية الدعم العسكري – مثل الطائرات المسيّرة والأسلحة المتطورة والخبرات اللوجستية – إلى تغيّر سريع في خرائط السيطرة الميدانية.
وأضاف: “في هذا السياق يبدو أن الجيش، بحكم تمثيله للدولة وعلاقاته الإقليمية والدولية، يحتفظ بميزة نسبية قد تؤثر في موازين القوى الإقليمية وتحديد أولويات الفاعلين الدوليين. ومن هنا تبرز أهمية أن تعمل القوى الإقليمية والدولية، خاصة الرباعية المعنية بالملف السوداني، على توسيع فرص الحل الوطني وتقليص أدوات الحرب، ودعم مسارات التسوية السياسية التوافقية، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية العالمية المتزايدة المرتبطة بالتطورات في مضيق هرمز وتأثيراتها على الأمن الاقتصادي الدولي.”
التموضع الإقليمي
تلعب الولايات المتحدة وبعض دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات، دورًا مهمًا في جهود الوساطة أو التأثير في مسار الأزمة السودانية. إلا أن انخراط هذه الدول في صراع مباشر أو تصعيد واسع مع إيران قد يدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها السياسية والعسكرية، وهو ما قد يقلل من مستوى انخراطها في جهود تسوية الأزمة السودانية.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عثمان ميرغني أن التوترات في منطقة الخليج ستؤثر في الأزمة السودانية أساسًا من زاوية ترتيب الأولويات لدى دول المنطقة، في ظل الحاجة الملحة للتعامل مع تداعيات الحرب الجارية في الشرق الأوسط.
وأضاف ميرغني في حديثه لـ”أفق جديد”: “نظرًا إلى أن الحرب في الشرق الأوسط ما تزال في الأسابيع الأولى، فقد لا يظهر تأثيرها المباشر سريعًا، لكن في حال استمرارها لفترة أطول – ربما لأكثر من شهر – فإن انعكاساتها ستصبح أكثر وضوحًا.”
وأشار إلى أن التأثير الأكبر قد يظهر إذا قررت الحكومة السودانية إعادة التموضع إقليميًا، عبر محاولة استثمار المتغيرات التي فرضتها الحرب في الخليج من أجل إعادة بناء علاقاتها مع دول الخليج وتعزيزها.
أولوية أقل
إن اندلاع حرب واسعة في منطقة الخليج لا يمثل مجرد أزمة إقليمية جديدة، بل قد يؤدي إلى إعادة ترتيب أولويات النظام الدولي بأكمله. ومع انتقال الاهتمام السياسي والإعلامي والاقتصادي إلى هذه الجبهة الجديدة، قد تتراجع الأزمة السودانية إلى مرتبة أقل على جدول الاهتمامات العالمية.
هذا التحول قد ينعكس في تراجع التغطية الإعلامية الدولية، وانخفاض التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية، إضافة إلى انشغال القوى الدولية والإقليمية بالصراع الجديد، ما قد يساهم في إطالة أمد الأزمة السودانية وزيادة معاناة المدنيين.
من جانبه، أكد الكاتب والمحلل السياسي فائز الشيخ أن التصعيد في منطقة الخليج سيؤثر سلبًا على مسار الحرب في السودان، خاصة من ناحية تراجع الاهتمام الإنساني والإعلامي بالقضية السودانية.
وأضاف الشيخ في حديثه لـ”أفق جديد”: “من المتوقع أيضًا أن تقود الحرب الحالية إلى إعادة رسم المشهد الدولي وبناء محاور إقليمية جديدة وفقًا لنتائجها. وقد تصبح الأنظمة المرتبطة بإيران – أو التي تحوم حولها شبهات بذلك – ضمن الأهداف السياسية في المرحلة المقبلة. كما أن الحرب ستؤثر بصورة مباشرة في طبيعة التسليح والإمدادات العسكرية في المنطقة.”
تشير التطورات الجارية في منطقة الخليج إلى أن النظام الإقليمي يمر بمرحلة إعادة تشكيل قد تمتد آثارها إلى أزمات أخرى في المنطقة، ومنها الأزمة السودانية. ومع تحول اهتمام المجتمع الدولي نحو بؤر الصراع الأكثر ارتباطًا بالأمن الاقتصادي العالمي، قد تجد الأزمة السودانية نفسها في موقع أقل أولوية على الأجندة الدولية.
وفي ظل هذه المعطيات، تزداد أهمية البحث عن مقاربات إقليمية ودولية تدعم مسار التسوية السياسية في السودان، قبل أن يؤدي تراجع الاهتمام الدولي إلى إطالة أمد الصراع وتعميق أبعاده الإنسانية والسياسية.





