الإخوان والإرهاب.. تصنيف متأخر وحسابات مؤجلة

            الهادي الشواف 

 صنّف الشعب السوداني ما يُعرف بالحركة الإسلامية، بمختلف مسمياتها الحقيقية والمستعارة وواجهاتها المتعددة، منذ وقت مبكر، بوصفها مشروعًا سلطويًا قائمًا على العنف والإقصاء، فقد تجلّى ذلك بوضوح منذ انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، حين أطاحت هذه الحركة بالحكومة المنتخبة التي اختارها الشعب بإرادته الحرة عبر صناديق الاقتراع.

غير أن جذور هذا المسار تعود إلى ما قبل ذلك بسنوات، عندما ساندت الحركة الإسلامية نظام الدكتاتور جعفر نميري، وزينت له ما عرف بقوانين سبتمبر التي اتخذت طابعًا شكليًا واستعراضيًا، وقد وصفها السيد الصادق المهدي بأنها «لا تساوي الحبر الذي كتبت به». 

وبعد سقوط نميري، لم تتخلَّ الحركة عن مشروعها السلطوي، بل واصلت تضييقها على التجربة الديمقراطية الثالثة، حتى أجهضتها بانقلابها الشهير، الذي خلد في مقولتهم الساخرة: «اذهب أنت إلى القصر رئيسًا، وأذهب أنا إلى السجن حبيسًا»، ثم اكتملت فصول تلك المسرحية حين أحكمت قبضتها على الدولة، وقدّمت حسن الترابي لاحقًا رئيسًا لبرلمان صوري.

وتحت لافتات الدين والجهاد، توالت الأكاذيب والشعارات التي غطت بها الحركة الإسلامية سياساتها، فقد حولت حرب الجنوب إلى حرب جهادية، أودت بحياة أكثر من مليوني سوداني وسودانية، وانتهت بانفصال جزء عزيز من الوطن، كما أشعلت حرب دارفور التي حصدت أرواح مئات الآلاف من أبناء وبنات السودان، وباسم “التمكين” فصل آلاف الموظفين من وظائفهم، وقُطعت أرزاقهم، فيما جرى الاستيلاء على المشاريع الاقتصادية الكبرى، وتعطيل ما تعذر السيطرة عليه، وفي الوقت نفسه تضخمت ثروات قادة النظام عبر الفساد ونهب المال العام وامتلاك العقارات داخل السودان وخارجه.

أكثر من ثلاثة عقود قضاها السودانيون تحت وطأة نظام اتسم بالكذب والنفاق ومصادرة الحريات، ومارس القمع والترهيب والتنكيل بكل من طالب بالتغيير، ولم تتردد السلطة في استخدام العنف المفرط ضد الثورات الشعبية التي سعت إلى إنهاء حكمها، وخلال هذه العقود، مارست الحركة الإسلامية إرهابًا منهجيًا ضد المجتمع السوداني، ولم تكن حرب الخامس عشر من أبريل سوى امتداد لهذا النهج. 

وعلى الصعيد الخارجي، أقامت الحركة الإسلامية علاقات مبكرة مع إيران، وسعت إلى تصدير العنف إلى دول الجوار، وتظل محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك مثالًا صارخًا على ذلك، كما تحوّل السودان خلال تلك الحقبة إلى ملاذ لعدد من الشخصيات المتهمة بالإرهاب الدولي، مثل أسامة بن لادن وكارلوس، تحت شعارات محاربة الصهيونية والإمبريالية، وقد رافقت تلك المرحلة سلسلة طويلة من الانتهاكات والجرائم التي يصعب حصرها في هذه السطور.

وبعد تضحيات جسيمة ونضالات طويلة، تمكن الشعب السوداني من إسقاط نظامهم، غير أن بقايا نفوذهم ما زالت حاضرة في مؤسسات الدولة، وتحتاج إلى وقت وإرادة سياسية لتفكيكها بالكامل، ومن هذه الزاوية فإن الشعب السوداني كان أول من صنّفهم إرهابيين، قبل سنوات طويلة من القرار الأمريكي الأخير.

لقد جاء قرار الولايات المتحدة بتصنيف ما يُعرف بالحركة الإسلامية في السودان ضمن التنظيمات الإرهابية متأخرًا كثيرًا مقارنة بسجلها الطويل في القمع وتصدير العنف، ومع ذلك، فإن لهذا القرار آثارًا سياسية واقتصادية واجتماعية محتملة، إذا ما تعاملت معه واشنطن بجدية، ولم تجعله مجرد أداة ظرفية في صراعها الإقليمي، خاصة في سياق التوترات مع إيران.

داخليًا، يمكن استثمار هذا القرار في الضغط من أجل وقف الحرب العبثية الجارية حاليًا، والعودة إلى مسار التحول المدني الديمقراطي، كما ينبغي العمل على وضع آليات واضحة لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، ومواصلة تفكيك شبكات التمكين التي أنشأتها الحركة الإسلامية داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والإعلام، وكشف دورها في تخريب البلاد وإشعال حرب الخامس عشر من أبريل وعرقلة كل مبادرات السلام.

أما على مستوى الجماعة نفسها، فقد يدفع القرار بعض التيارات المتشددة إلى مزيد من التماسك المؤقت، تحت شعارات الدفاع عن الدين والوطن، وهو الخطاب ذاته الذي استخدمته الحركة طويلًا لتضليل الرأي العام، غير أن مثل هذا التماسك قد لا يصمد طويلًا إذا جرى تجفيف منابع التمويل والدعم، الأمر الذي قد يضعف قدرتها التنظيمية ويفجر صراعات داخلية حول النفوذ والموارد.

في المقابل، قد يفتح القرار الباب أمام تيار المراجعات داخل الحركة الإسلامية، وهو تيار ظهر بالفعل لدى بعض قياداتها التي دعت إلى مراجعة شاملة للتجربة، بل وصل الأمر لدى البعض إلى المطالبة بحل الحركة الإسلامية نفسها والتخلي عن شعاراتها الأيديولوجية، باعتبار أن مشروعها قد فشل نظريًا وعمليًا.

وعلى الصعيد الخارجي، لن يقتصر تأثير القرار على الحركة الإسلامية وحدها، بل قد يمتد إلى السودان كدولة، طالما بقيت تلك الشبكات مهيمنة على مفاصل الحكم، فقد ينعكس القرار على علاقات السودان بالدول الغربية، وعلى تعامله مع المؤسسات المالية الدولية، ما قد يفرض قيودًا إضافية على فرص التمويل والتعاون الاقتصادي.

ويبقى السؤال الجوهري هل يمكن لهذا القرار أن ينهي سيطرة الإسلاميين على القرار السياسي في السودان؟ الواقع أن القرار قد يكون عامل ضغط مساعد، لكنه ليس عاملًا حاسمًا. فحسم هذه المعركة يرتبط أساسًا بقدرة القوى المدنية الرافضة للحرب على توحيد صفوفها في جبهة واسعة تضغط من أجل السلام والتحول الديمقراطي، مستندة إلى رفض شعبي واسع لعودة الإسلاميين إلى السلطة، وإلى دعم إقليمي ودولي لمسار سياسي مدني.

وفي نهاية المطاف، يجب التذكير بأن السياسات الأمريكية تحكمها المصالح قبل أي اعتبار آخر، فهي لا تتحرك بدافع معاناة الشعوب بقدر ما تتحرك وفق حسابات النفوذ والمصالح، لذلك فإن التعويل الكامل عليها يظل رهانًا غير مضمون، إذ كثيرًا ما تستخدم مثل هذه القرارات كورقة سياسية قابلة للتعديل أو التراجع متى ما تغيرت الحسابات.

خلاصة القول إن القرار الأمريكي قد يشكل ورقة ضغط مهمة إذا أحسن توظيفها، وما دامت مصلحة الشعب السوداني تلتقي مع مقتضيات هذا القرار في هذه اللحظة، فإن الحكمة تقتضي استثماره بوعي، من أجل تفكيك قبضة الإسلاميين، ووقف الحرب واستعادة المسار المدني الديمقراطي.

Exit mobile version