حكاية من بيئتي (27)..عَظَمَة الكمالي  (2/2)

ــ أرح يا حاج.

أعاده وكيل البص من التحليق مع فكرته الجديدة. فمدّ إليه بقيمة التذكرة.

ــ مالك عليهو يا (ود حربية) (1)، هسع تلقاهو كان سارح في مصر، وللا في يوربا ذاتها.

إلتفت (حاج كمال الدين) ليجد أن صاحب الصوت أحد العاملين بالمصنع. فسأله لا كصاحب عمل يعاقب العامل لديه، ولكن ليعلّم الناس الإنضباط.

ــ إنت ما شغال الليلة يا التوم؟

ــ وردية ليل يا حاج، وبعد داك عندي إذن في حال إتأخرت، أنا ماشي أجيب أختي تقعد معانا.. الولية دايرة توضع الحمد لله.

ومد إليه بالإذن فاطلع عليه، ثم أعاده له، وعاد إلى فكرته مستخرجاً من مقطفه ورقة كتب عليها مهام اليوم بالمدينة.. البنك.. مخازن السكة حديد.. مكتب البريد والبرق.. مكتب التعليم، ثم المنطقة الصناعية.

كان يخطط لإنشاء سبيل للسقيا في السوق. وكعادته سيستشير عدداً من الحدّادين والسبّاكين حتى يستطيع تنفيذ المشروع بأفضل ما يمكن. واتفق مع أمهر صانع فخار على تجهيز دستة أزيار بمواصفات محددة، تشمل السعة والمتانة. وفي خاطره المبنى الذي يمنع دخول الحيوانات والطيور، ويسمح لتيار الهواء أن يعبر ليقوم بتبريد الماء.

كان البص قد وصل إلى المرسى، فهرع كلُ راكب ليقضى حاجته ويلحق بتوقيت العودة، ومن بينهم (كمال الدين).

بعد أيام شهد الناس ذلك المبني (المزيرة) المكوّن من حائطين في الناحية الشرقية والغربية، وغطاء الشبكة المعدنية (2) على الجانبين الشمالي والجنوبي، وبالداخل الأزيار المتراصّة ترتبط ببعضها بمواسير. يستقبل أولها الماء من الخزان الذي يعمل بنظام العوامة.. ثم يمر الماء في مرحلة ما عبر مرشّح طبيعي من الحجارة والرمل والحصا، ليصل الماء إلى الزير الأخير نقياً بارداً، حيث الصنبور الذي يعمل بنظام الضغط ليسكب ما يملأ الكوب المربوط بسلسلة متينة إلى الحاجز الحديدي دون زيادة أو نقصان. كانت المرة الأولى التي يرى فيها الناس هناك صنابير الضغط المصمّمة للحفاظ على مورد الماء.

إنها عبقرية من تسيطر عليه فكرة الاستدامة البيئية. من يعمل على تعليم الناس دروساً علمية عملية.

لاحقاً إنتصبت أربعة أعمدة أسمنتية حاملة بناء يعلو السبيل، بيد أن أرضيته لا تلامس سقف السبيل، بل يحميه ويمنحه المزيد من الظلال، أراده المؤسس ليكون متحفاً يحوي المنتجات التراثية والمستحدثة بالمنطقة. 

ما زال السبيل موجوداً بعد عشرات السنين، وبذات الكفاءة في العطاء. الأزيار بأغطيتها الخشبية الضخمة تشمخ دون أن يغطيها الطحالب، وتشي أرضية السبيل، وبالطبع الأزيار بأن مهام التنظيف الدورية لم تتوقف.

ما كان ليرضى عن الأستاذ عصام الحاج، أو عنيّ ونحن نكتب عنه، لأنه لم يفعل كل ما فعل ليقول الناس عنه، والشاهد أنه لم يضع إسمه على أي مؤسسة شيّدها، بل حتى السوق الذي شيّده من حر ماله لم يحاول أن يستأثر به، فقد جلب أبناء القرية التجار من مختلف المدن ومنحهم الدكاكين الكبيرة، وقسّم بينهم صنوف التجارة، فتجد المغلق ومحل الملبوسات ومحال الترزية، وخلف دكان الإجمالي تربض كارو عمك (سعد) على أهبة الاستعداد لتوصيل طلبات أصحاب دكاكين القطاعي بالنواحي، والضامن لهم هو (كمال الدين). منحهم الثقة، فاستجابوا لذلك، ولم يتأخر أي منهم عن السداد.

في الجانب الغربي من السوق تجد المخبز والمطعم والمقهى، إكمالاً لصورة السوق الذي كان أسبوعياً، فأصبح ككل أسواق المدن يعمل يومياً لساعات متأخرة تلبية لاحتياجات المواطن. وفي سوق الخضار قصة أخرى تحكي عن بعد نظر المؤسّس، فبد أن أقنع المزارعين بزراعة الخضروات كان يمنح بعض رواد السواق المال (سراَ) ليبتاعوا منهم حتى يعودوا في اليوم التالي. ومن ثم يأتي بنفسه آخر اليوم فيبتاع كل ما لم يباع من خضار فيقسمه على الفقراء، والنصيب الأكبر يذهب إلى داخلية مدرسة البنات الوسطى. ولم يكن غريباً أن يُرى حاملاً الخضار على كتفه ماضٍ به إلى (ميوز) (3) المعلمين والكادر الصحي، وموظفي مختلف المؤسسات.

في ذلك اليوم أمسك بي بواب المستشفى، فعرفت فيه زميل دراسة الثانوي العام، إبن الخفير السابق فقد أورثوه المهنة. تذاكرنا أبناء المنطقة الذي كانوا بالمستشفى، الممرضين الذي أصبحوا مساعدين طبيين، والممرضات، ومن بينهن من أصبحت سستر أو قابلة أو زائرة صحية، والكادر الفني من تدرّج منهم في مهنته وهاجر أو نقلته الوزارة إلى مستشفى آخر، وعن الذين أصبحوا يتاجرون بالمهنة. في بداية عمل المستشفى كان معظم الكادر من المستجلبين من الخارج، وشيئاً فشيئاً تأهل أبناء المنطقة وحلوا محلّهم، وهذا ما خطّط له المؤسس في جانب النهضة بالبيئة الاجتماعية.

لاحقاً عندما لمس أبناء المنطقة ما حل بالمستشفى من إهمال، بادروا لاعادة تأهيلها وأفلحوا في ذلك، فالأبناء المغتربون في كل مكان ما بخلوا على قبلة أهلهم في زمن عزَّ فيه من يقف خلف المواطن المسكين. وتظل جل العناصر الأخرى متعطّلة سحباً على ما عم البلاد كلها من إفساد ودمار متعمّد، وليست الحرب الدائرة الآن إلا رأس جبل الجليد في ما حلّ بالبلاد.

حدثني أحد خبراء التنمية الريفية أن هذه التجربة تُدَرًّس باحدى الجامعات الألمانية لكنه لم يكمل لي المعلومة، كما لم أفلح في العثور على تأكيد لها. 

ثم هل نحن في حاجة لمن يقول لنا عن التجربة ونحن نعيشها؟

في بداية السبعينات تنادى أهل القرى ليجتمعوا في بيت (كمال الدين) لمشاهدة التلفزيون. كان أول يوم يصل فيه البث إلى منطقتنا. ساعتان من الإدهاش عشناها ليلتها ونحن أطفال. ولعله قصد أن يقول لنا أن التطوُّر في العالم يمكن أن يأتيكم في مكانكم، ذلك مثلما كان يقول أن اليابان ستسود العالم لأنها اهتمت بتطوير البشر، فكذّبه البعض وصدقت نبوءته. ذلك أن أصحاب التفكير المبدع يستطيعون قراءة ما حولهم.

حين عودتي ذلك النهار من المستشفى وجدتها متكومة في أحد الظلال، عرفتني وندهت على باسم أمي كعادتها منذ كان صوتها يملأ أرجاء المستشفى بدعوات الشفاء للمرضى، ومكنستها لا تفارقها. بادرتني..

ــ حسدوه… كتلوه بالمغصة… ونحن أدونا الشارع.

جاء أحدهم مسرعاً وهمس في أذني أنها قد جُنّت منذ أحيلت للمعاش.

الجنون.. الاتهام الذي لاحق (كمال الدين) عند بداية مشروعه. إذ من يترك نعيم القاهرة والمدن الكبرى، ثم يأتي ليدفن أمواله في قرية منسية؟

 اتهموه بالجنون، وتلك ضريبة كل من يختلف عن الآخرين في تفكيره. ولأن ديدن أعداء النجاح البحث عن أي منقصة فيمن يتفوّق عليهم، لاحقوه بتهمة أخرى. قالوا عنه أنه بخيل، ذلك لأنه لا يساوم في سعر سلعته، وإن جاءه من يبتاع منه شيئاً بمئات وآلاف الجنيهات لن يمنحه السلعة إن كان ما بحوزته ينقص جنيها واحداً، وما على المشتري إلا أن يعود ليكمل المبلغ. وهكذا كان يعلّم الناس الإنضباط. لكنهم قالوا إنه الشح.

وهل من شحيح يمنح عمره وثروته المالية والفكرية حتى يرفع من شأن قريته؟

ولكن… 

قلّما تجد فكرة تطويرية مسنودة بمؤسسية تنهض بها، وتجعلها مستدامة. فالكثير من المشروعات الرائدة والأفكار العملاقة تموت بموت أصحابها، أو انشغالهم عنها. فالتنمية هي آخر ما يفكر فيه السياسيون لدينا.

ولـ (الحاج كمال الدين حكايات لا تنتهي)، لكن في بيئتي حكايات أخرى.

نلتقي في احداها في المرة القادمة.

 

الهوامش

(1)ـ العم عبد القادر على حربية، وقد جعله يلبس اليونيفورم أسوة بمفتشي السكة حديد. ينتهي عمله بالبص فيغشى مكتب البوستة ليحمل الخطابات والبرقيات إلى أهل قريته، ومثله آخرون يتطوعون بنقل الفرح إلى الناس، حين كانت الخطابات مصدر فرح وحلقة تواصل، قبل أن تتطور الاتصالات.

(2)ـ ألواح السكسيبيندا

(3) ميوز.. جمع ميز.. أصلها برتغالي أو أوردي وتعني المكان الذي يوجد به الطعام أو المطبخ أو الطاولة التي عليها الطعام. وتطلق لدينا على البيوت الخاصة بالكادر التعليمي أو الصحي أو خلافه تُشيّد بجوار مؤسساتهم.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى