فكي جبريل

حيدر المكاشفي 

عندما تولى جبريل إبراهيم وزارة المالية والإقتصاد في حكومة حمدوك الثانية، أذكر أنني كنت من الذين استبشروا خيراً به، وجادلت في ذلك أحد أبناء دارفور المثقفين وكان رأيه في جبريل خلافاً لرأيي فيه، حيث يرى أنني (مغشوش) فيه بسبب درجة الدكتوراة التي يحملها في الاقتصاد، وقال لي ستثبت لك الأيام أنه (فكي ساكت) على حد تعبيره، وبالفعل بدأت تتكشف شيئاً فشيئا حقيقة شخصية جبريل التي مازالت على عهدها بالنظام البائد ومازال يحن لتلك الأيام، الى أن توج ذلك بمشاركته في انقلاب البرهان في الخامس والعشرين من أكتوبر من العام 2021 والتحالف معه في الحرب الحالية، ثم من بعد ذلك تأكدت من حقيقة أنه (فكي ساكت) مصداقاً لوصف صديقنا الدارفوري، ففي مقابلة كانت أجرتها معه فضائية الجزيرة في الأيام الأولى للانقلاب الذي أبقاه في منصبه ومجموعة وزراء اتفاقية جوبا، رغم حل الانقلاب لمجلس الوزراء بما فيه حمدوك نفسه، فعند سؤال محاوره عن ماهي تدابيره بوصفه وزيراً للمالية لتعويض الفقد الكبير في المنح المالية التي تم تجميدها بسبب الانقلاب، قال جبريل (أبواب السماء مفتوحة)، وكان ذلك قول يمكن أن نقبله من الفقهاء والمشايخ، ولا يمكن قبوله من وزير المالية، ويبدو أن جبريل حار جوابا علمياً منطقياً فلبس لبوس الفكي، اذ لم يسعفه تخصصه الأساسي، الذي يختص بادارة الاقتصاد والمال العام، وإعداد الموازنات، وما الى ذلك من أعمال هي من صميم أهداف واختصاصات وزارة المالية، مثل رسم وتطوير السياسات والخطط المالية للدولة، وتنسيق الموازنات وترشيد الانفاق الحكومي، وتنمية حصيلة الضرائب وتطوير نظمها..الخ، فبدلا عن كل ذلك تقمص الوزير شخصية الفكي فقال ما قال، وهو ذات ما كان قاله سلفه في الوزارة وأخوه في الله وزير المالية الأسبق إبان النظام البائد، فذات أزمة خانقة سابقة مصحوبة بموجة قحط ضربت البلاد، لم يفتح الله على علي محمود وزير المالية عامها بأي حل اقتصادي، فلجأ أيضا للسماء داعياً إلى إقامة صلاة الاستسقاء، وغير ذلك كثير من مثل هذه الأقوال التي شاعت ايام حكم الانقاذ والتي يمكن قبولها من الفكيا (جمع فكي) والمشايخ ولا تليق بالوزراء.. الشاهد أن أبواب السماء التي عول عليها فكي جبريل، لم تنفتح ولم تمطر السماء ذهباً ولا فضة، ولم تتدفق الأموال من دول الخليج وتحديداً السعودية والامارات كما أمل الانقلابيون وقتها، وبحسب جبريل نفسه أن محادثاتهم مع هذه الدول للتكرم عليهم بما يقيل العثرة والعسرة لم تثمر عن شئ، وقال بالحرف لموقع (بلومبيرغ) (بالطبع خليج اليوم ليس خليج أوائل عام 2010 أو أوائل 1990، ولا يمكن أن يكونوا كرماء كما كانوا في السابق)، وهذا يذكر أيضا بحديث وزير المالية الانقاذي محمد عثمان الركابي، فحين فشل هذا الوزير في استقطاب أي دعم خارجي ذات أزمة مالية واقتصادية وما أكثر أزماتنا هذه، قال لم نترك دولة الا طلبنا منها ان تدعمنا ولكن لا حياة لمن تنادي.. كل هذه الحقائق الصادمة وقتها أجبرت فكي جبريل مغادرة مصلاية التفكه (من فكي) لمجابهة حقائق علم الاقتصاد على الأرض والواقع، فاضطر لاطلاق تصريحا توعد فيه البلاد والعباد بكارثة ماحقة اقتصادية ومعيشية، كان هو للأسف مع جوقة الانقلابيين مدنيين وعسكريين هم السبب فيها.. 

واليوم ومع جبريل ابراهيم نفسه يبدو أن وزارة المالية قد دخلت مرحلة جديدة من تطور الفكر الاقتصادي، مرحلة تتجاوز المدارس الكلاسيكية والكينزية وحتى اقتصاد السوق الحر، لتؤسس مدرسة سودانية جبريلية خالصة يمكن أن نطلق عليها اسم (إدارة الاقتصاد بالتلاوة).. ففي أحدث وصفاته لمواجهة الضائقة الاقتصادية الطاحنة، دعا وزير المالية جبريل إبراهيم المواطنين إلى الإكثار من قراءة سورة الواقعة، وكأن الأزمة التي يعيشها السودان اليوم ليست نتاج حرب مدمرة وانهيار اقتصادي وإدارة مالية مرتبكة، بل مجرد نقص في عدد المرات التي يتلو فيها السودانيون القرآن. بينما الواقع أن المشكلة ليست في القرآن الكريم ولا في سورة الواقعة، وإنما في تحويل الدين إلى بديل للسياسات العامة. فالناس تعودت أن تسمع مثل هذه النصائح من الأئمة والمشايخ في المساجد، لكنها لم تكن تتوقع أن تصدر من وزير مالية يفترض أنه مسؤول عن الموازنة والضرائب والإنفاق العام. ولأن الأمر تكرر من جبريل أكثر من مرة، فقد بات السؤال مشروعاً، هل نحن أمام وزارة مالية أم أمام خلوة حكومية لإدارة الاقتصاد بالأوراد والأذكار، والمفارقة هنا أن كثيراً من كبار العلماء أنفسهم شككوا في الرواية الشائعة بين العامة بأن قراءة سورة الواقعة تجلب الرزق مباشرة بمجرد قراءتها.. فقد ورد حديث مشهور يتداوله عامة الناس يقول ان من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً. لكن عدداً كبيراً من علماء الحديث حكموا على هذا الحديث بالضعف. فالإمام ابن الجوزي اعتبره من الأحاديث غير الثابتة. والإمام النووي أشار إلى ضعفه. اما الشيخ الألباني فقد حكم عليه صراحة بأنه حديث ضعيف. ومع ذلك يؤكد العلماء أن قراءة القرآن عموماً سبب للبركة والطمأنينة، لكنهم يفرقون بوضوح بين البركة الروحية وبين تحويل سورة بعينها إلى سياسة اقتصادية للدولة. وبمعنى آخر ان القرآن الكريم ليس بديلاً عن الميزانية، ولا عن الإصلاح المالي، ولا عن إدارة الموارد.. والسودانيون يعرفون جيداً شخصية (الفكي) في الثقافة الشعبية بانه رجل مبروك يقصده الناس طلباً للبركة والدعاء. لكن تكون المشكلة عندما يتحول وزير المالية نفسه إلى فكي. فبدلاً من ان يحدث الناس عن كيفية تمويل العجز في الموازنة، وكيفية إعادة بناء الاقتصاد بعد الحرب وإصلاح النظام الضريبي وجذب الاستثمارات، ويعرض عليهم خطة واضحة لوقف الانهيار.. يُفاجأ المواطنون المغلوبون على امرهم بمن يفترض انه وزير ماليتهم يعرض عليهم نصيحة روحية عامة تصلح لموعظة دينية، لكنها لا تصلح كسياسة اقتصادية لدولة تنهار عملتها وتتبخر مواردها.ويعن لنا هنا سؤال بسيط وهو لو كانت قراءة سورة الواقعة وحدها كافية لحل الأزمات الاقتصادية، لكانت عكفت عل تلاوتها آناء الليل واطراف النهار اي دولة تعاني ازمة اقتصادية، ولما كان هناك حاجة اصلا لوزارة مالية ووزير مالية ولما كان جبريل نفسه وزيرا للمالية.. لكن الدول عادة تعالج أزماتها عبر السياسات الاقتصادية، لا عبر وصفات روحانية يصدرها وزراء المالية. والواقعة الحقيقية في السودان ليست في السورة الكريمة، بل في الواقع الاقتصادي نفسه، حرب مدمرة واقتصاد منهار ودولة بلا موارد، ورغم كل ذلك يبدو ان وزارة المالية بعد ان اعجزتها الحلول قررت أخيراً تسليم الملف إلى السماء. وهو أمر قد يكون مفهوماً من المواطنين اليائسين، لكنه يصبح مأساوياً عندما يصدر من المسؤول الأول عن إدارة الاقتصاد. فالناس يمكن أن تقرأ سورة الواقعة طلباً للبركة، لكنها في النهاية تحتاج أيضاً إلى شيء آخر أكثر إلحاحاً، تحتاج الى وزير مالية كفء ومقتدر وخبير بشؤون ادارة الاقتصاد والمال العام..ولله الامر من قبل ومن بعد.

وزير مالية يقرأ… الموازنة.

Exit mobile version