المحامون ودورهم فى إعادة بناء الدولة السودانية.

محمد عمر شمينا

لم يعد السؤال في السودان اليوم متعلقًا بإدارة الأزمة فحسب، بل بطبيعة الدولة التي يمكن أن تخرج من قلب هذه الأزمات. مع تعقّد المشهد السياسي وتداخل التحديات الأمنية والاقتصادية، برزت أسئلة أعمق تتعلق بالدستور، وبناء المؤسسات، وحدود السلطة، وكيف يمكن إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر استقرارًا وعدالة، مع الالتزام الكامل بسيادة حكم القانون.

وفي خضم هذه الأسئلة، كان لقاء جمع عددًا من المحامين السودانيين مناسبة لفتح نقاش مهني وفكري حول كثير من القضايا التي تشغل الساحة السودانية في هذه المرحلة الدقيقة. فما بدا في الظاهر مجرد لقاء ودي تحوّل سريعًا إلى مساحة للحوار الصريح حول مستقبل الدولة ودور النخبة القانونية في حماية الحقوق وصياغة حلول عملية للأزمات، بعيدًا عن ضجيج السياسة اليومية.

المحامون، بحكم مهنتهم، لديهم القدرة على النظر إلى المشهد السياسي من زاوية فريدة، حيث يمتزج التحليل القانوني بفهم عميق للتاريخ السياسي والواقع الاجتماعي. وقد تناول النقاش في هذا اللقاء قضية إعادة تنظيم المهنة القانونية بكامل أركانها: المحاماة، القضاء، والنيابات العامة، حيث اتفق الجميع على أن الوضع أصبح أسوأ بعد الحرب. فقد تعسّكرت هذه الأجهزة، وأصبح أداؤها أقل كفاءة وابتعدت عن روح العدالة، واصبحت هنالك حالات للقبض خارج إطار القانون فقط بشبهة ((التعاون مع الدعم السريع))وهو أمر خطير يعكس ضعف المؤسسات واستمرارية التحديات في ضمان سيادة حكم القانون. وأضاف المشاركون أن هذه المرحلة تتطلب إصلاحات عميقة، لا تقتصر على النصوص القانونية، بل تشمل تنمية ثقافة الالتزام المؤسسي والمساءلة المهنية، لضمان ألا تتحول هذه الأجهزة إلى مجرد هيئات شكلية بلا تأثير فعلي على الواقع القانوني والاجتماعي.

كما أشار النقاش إلى تصورات الرأي العام تجاه المحامين، حيث ثمة شعور واسع بأن الحلقة الأضعف دائمًا وسط القطاعات المهنية هي المحاماة. وفي هذا الإطار، برزت التباينات: فمن جهة، يمكن النظر إلى المحامين باعتبارهم عمودًا أساسيًا في حماية القانون وواجهة العدالة، ومن جهة أخرى، يرى البعض أن الانقسامات الداخلية في المهنة تعكس ضعفًا في الالتزام الجماعي. وقد تمثل هذا الانقسام مع ما حدث في العام 2020 حين كان بعض المحامين من أوائل من انقسم داخل قوى الثورة الحية من تجمع المهنيين، لأسباب ذاتية وشخصية، وهو ما ساهم لاحقًا في انقسام كل قوى الثورة تقريبًا. وهذه التجربة تظهر كيف يمكن للانقسامات داخل مهنة قانونية حيوية أن تنعكس مباشرة على المشهد السياسي والاجتماعي، سواء من منظور سلبي أو لتسليط الضوء على الحاجة الماسة لتوحيد الصف المهني وتعزيز الالتزام بالمبادئ المشتركة.

كما تناول الحضور موضوع النقابات القانونية، إذ توجد حاليًا نقابتان للمحامين: واحدة أنشئت بالشرعية الثورية تحت اسم اللجنة التسييرية، وأخرى تم حلها وهي نقابة المؤتمر الوطني السابقة. وقد أصدرت كلتا النقابتين بطاقات المحاماة، إلا أن النقطة الجوهرية التي أثارها النقاش هي أن كلا الطرفين قد انتهى أجلهما الشرعي، لكن اللجنة التسييرية تمتلك حكمًا نهائيًا من المحكمة بوقف التنفيذ، وهو ما يُعتبر حجة قانونية على النقابة المحلولة. ومع ذلك، فإن تجاهل النقابة المحلولة لهذا الحكم يعكس تراجع احترام المحامين للأحكام القضائية، ويعد مؤشرًا خطيرًا على تآكل ثقافة الالتزام بالقانون، وهو تهديد واضح لسيادة حكم القانون. وقد أشار المشاركون إلى أن هذا الانتهاك لا يؤثر فقط على ثقة المجتمع بالمهنة، بل يضعف أيضًا قدرة المؤسسات القانونية على فرض النظام والانضباط المهني، وهو ما ينعكس في النهاية على كل جهود الإصلاح القانوني.

وتطرق النقاش أيضًا إلى مسألة موقع العمل المهني والسياسي للمحامي، حيث بدا واضحًا أن هناك رأيًا يرى أن العمل الفعلي يجب أن يكون من الداخل، أي ضمن المؤسسات الوطنية والداخلية، باعتباره السبيل الأضمن لتحقيق التأثير على الأرض. بينما يرى رأي آخر أن بعض المحامين يمكن أن يوازن بين العمل داخل وخارج السودان حسب الظروف الشخصية لكل فرد، وهذا التباين يعكس الواقع المعقد للالتزام المهني والسياسي في مرحلة ما بعد الثورة. وقد أظهرت النقاشات أن اختيار الموقع لا يقل أهمية عن الهدف نفسه، إذ أن التأثير الحقيقي يرتبط دائمًا بمدى قدرة المحامي على التفاعل مع الظروف الواقعية وتحقيق نتائج ملموسة ضمن إطار سيادة حكم القانون. وقد أضاف المشاركون أن القرار بين الداخل والخارج ليس مسألة اختيار شخصي بحت، بل يتعلق أيضًا بتقييم المخاطر والفرص، وبمسؤولية المهنة تجاه المجتمع والدولة.

ومن هنا، أود أن أشدد على نقطة مهمة لا يجب أن يبقى هذا النقاش حبيس الغرف المغلقة كما هو معتاد من قبل الزملاء/ت ، بل يجب أن يتحول إلى خطة عملية واضحة على أرض الواقع، بحيث تتحدد الخطوات والمبادرات المهنية والسياسية التي يمكن أن يقوم بها المحامون ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية، بما يعزز دورهم الفعلي في دعم الدولة والمجتمع.

لقد أظهر اللقاء أن السودان بحاجة ماسّة إلى عمل مهني وسياسي متوازي يعيد البلاد إلى مسار أهداف الثورة، لكن هذا العمل لن يتحقق إلا عبر جهود جماعية حقيقية بين جميع فئات الشعب، إذ أن أي نجاح فردي أو جزئي يظل محدودًا أمام حجم التحديات الوطنية. وبمعنى آخر، العمل المنسق والموحد هو ما يمكن أن يحول الرؤية الثورية إلى واقع، بينما الانقسامات الفردية أو الانعزالية تمثل تهديدًا للاستقرار المؤسسي والديمقراطي، وهو ما يؤكد أهمية توافق المهنيين والسياسيين حول التزاماتهم الوطنية مع الحفاظ على سيادة حكم القانون.

وقد اتفق المشاركون على أن أي خطة لإعادة بناء الدولة لا يمكن أن تقتصر على مهنة المحاماة وحدها، بل يجب أن تشمل العمل الجماعي بين كل القطاعات المهنية والسياسية والاجتماعية، بحيث تصبح أهداف الثورة المرجوة ملموسة على أرض الواقع. كما أكدوا أن الالتزام بالعمل من الداخل يعزز فرص تحقيق نتائج حقيقية، بينما يسمح المرونة في بعض الحالات للمهنيين بالعمل خارج السودان وفق ما تفرضه ظروفهم الشخصية، بما لا يخلّ بالمصلحة العامة أو سيادة حكم القانون.

السودان، رغم ما يمر به من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية، لا يزال يملك رصيدًا مهمًا من الكفاءات القانونية والفكرية القادرة على التفكير في مستقبل الدولة. وربما تكمن أهمية مثل هذه اللقاءات في أنها تذكّرنا بأن بناء الدولة يبدأ دائمًا من التفكير الجاد في أسئلتها الكبرى، وأن الحوار الهادئ والمستنير بين أهل الخبرة يمكن أن يكون بداية لتحولات حقيقية، إذا ما ارتبط بالعمل الجماعي وبالالتزام بالمبادئ القانونية والسياسية على حد سواء.

فأحيانًا، تولد الأفكار الكبيرة من مجلس صغير يجتمع فيه المحامون للتفكير في مستقبل وطنهم، مؤمنين بأن قوة الدولة وشرعيتها تقوم على أساس قانوني راسخ، وأن العمل الجماعي والتنسيق بين كل فئات الشعب هو الطريق الأضمن لتحقيق أهداف الثورة السودانية، مع التأكيد على ضرورة إخراج أي نقاش مهني أو سياسي من الغرف المغلقة إلى خطط عملية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى