
شمائل النور
طرح قرار الخارجية الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية كمنظمة إرهابية أسئلة جوهرية حول مصير الحركة التي حكمت البلاد لنحو ثلاثين عاما، وأثار القرار مجدداً الحديث عن علاقة التنظيم الإسلامي بالجيش ومدى إرتباطه بالحرب الدائرة في البلاد منذ أبريل 2023، وهل يمثل التنظيم بالفعل عائقاً أمام أي عملية تفاوض تنهي الحرب؛ هذا التقرير يحاول الإجابة على هذه الأسئلة؛ مستعرضاً خيارات الجيش.
قبل صدور القرار الأمريكي تواترت معلومات حول ضغوط جديدة للولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية لوضع الجيش أمام حل تفاوضي، ويعتقد غالبية الفاعلين الدوليين أن قوات الدعم السريع مستعدة لأي حل تفاوضي بينما الجيش يتبنى خطا رافضاً لأي تسوية؛ لذلك احتاج الأمر لمزيد من الضغط، ويظهر ذلك جلياً في خطابات الطرفين السياسية والدبلوماسية.
ضغوط ومطلوبات أمام البرهان
تشير المعلومات إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية على وجه التحديد مارستا ضغوطا كبيرة على قيادة الجيش، ووضعتا بعض المطلوبات الإقليمية والدولية أمامها لإنجازها؛ على رأسها وضع حد واضح في العلاقة مع الحركة الإسلامية وهذا المطلب يترتب عليه اتخاذ إجراءات حاسمة تجاه رموز النظام السابق، وأشارت ذات المعلومات أن ضمن هذه الإجراءات اتخاذ خطوة جدية في تسليم المطلوبين للعدالة الدولية؛ وكشف مصدر عليم أن إحدى دول الخليج طرحت حلاً وسطا في محاكمة المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.
وتأتي تشكيل حكومة مدنية بصلاحيات واسعة ضمن المطلوبات المنتظر إنجازها، لكن مصدر مقرب من قيادة الجيش أشار إلى أن القائد العام عبد الفتاح البرهان يسعى لتحديد مكاسبه بشكل واضح من هذه القرارات؛ ويرجح أن البرهان يفاوض المجتمع الدولي على مسألة الشرعية التي فقدها منذ انقلاب أكتوبر 2021
مما لا شك فيه أن قرار واشنطن بتصنيف الحركة الإسلامية منظمة إرهابية وضع الكرة في ملعب الجيش؛ حيث يمثل القرار توجها سياسيا استراتيجي أكثر من كونه خطوة قانونية؛ ومن شأن ذلك وضع الجيش تحت ضغط جديد.
الإسلاميون..حاضنة سياسية وإسناد إعلامي
تأثير هذا القرار ينبني بشكل حاسم على مدى استجابة أو عدم استجابة قيادة الجيش لهذه الضغوط، وبعيداً عن جدل من أطلق الرصاصة الأولى، فإن الإسلاميين بمختلف تياراتهم شكلوا على نحو مطلق؛ الحاضنة السياسية للجيش في هذه الحرب، عطفاً على الإسناد الإعلامي اللامحدود.
وأظهرت تقارير صحفية في وقت مضى تغلغل الحركة الإسلامية داخل المقاومة الشعبية بما يفوق نسبة 50٪، وهو الأمر الذي دفع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى إجراء تعديلات في قيادات المقاومة الشعبية بالولايات، ذلك قبل أن يخفت صوتها.
و فعلياً شكلت المجموعات الإسلامية وعلى رأسها كتيبة البراء حليفاً عسكرياً فاعلاً في ساحات القتال، ولعبت ذات الحركة دوراً دبلوماسياً خفياً وظاهراً لصالح الجيش عطفاً على الإسهام الفاعل في صفقات السلاح في وقت عانى فيه الجيش الحصول على مجرد ذخيرة؛ هذا وفقاً لمصدرين عسكري وسياسي.
ومما لا جدال حوله؛ أن الإسلاميين لم يقدموا كل هذا منحة، بل مقابل حصد المكاسب السلطوية والسياسية بعد الحرب وهو أمر معلوم للجميع؛ وخلال فترة الحرب سعى الإسلاميون لإعادة تقديم أنفسهم تياراً وطنياً يرفض التدخل الخارجي متخذين خطاباً متشدداً ضد الإمارات التي تتهم على نطاق واسع بدعمها لقوات الدعم السريع، وتبنوا بالإجماع خطاباً متطرفاً ضد ثورة ديسمبر وجميع الفاعلين فيها ما يشير إلى أن كبت صوت ديسمبر هدفاً لذاته.
وخلال هذه الفترة أعادوا تنظيم صفوفهم وتلاشت لدرجة كبيرة حدة الخلافات بينهم، وتغلغلوا بشكل صريح في القرار السياسي للجيش؛ خاصة فيما يتصل بالموقف من الهدنة أو التفاوض، وظهر ذلك في تصريحات صحفية على لسان أبرز قياداتهم؛ علي كرتي وسناء حمد.
هذا الظهور العلني أزعج الدول الحليفة للجيش والتي تتخذ موقفا معلنا ضد جماعات الإخوان المسلمين، مما حدا بها لإمساك دعمها إلى حين اتضاح الرؤية؛ وقد عبرت دولة خليجية مساندة للجيش انزعاجها من ذلك.
الآن، وبعد قرار واشنطن، ما الذي سيترتب عليه المشهد؟
من المرجح أن لا تنحو قيادة الجيش إلى فك ارتباطها مع الحركة الإسلامية فعليا؛ فالعلاقة بينهما ليست وليدة السنوات الأخيرة؛ بل هي علاقة تاريخية بدأت منذ ما قبل تنفيذ انقلاب الإنقاذ في العام 1989 وتعمقت خلال فترة حكم الإنقاذ بشكل لا لبس فيه
كما أن فك الارتباط كلية أمر يبدو مستحيل وتترتب عليه عواقب بالنسبة للجيش، إذ توفر الحركة الإسلامية حالياً الداعم الوحيد سياسياً، وإعلامياً إضافة إلى الإسهام في الجانب العسكري القتالي، وربما يحاول البرهان مجدداً المناورة؛ ذلك باتخاذ قرارات صورية توحي بفك الارتباط؛ مثل حل كتيبة البراء بن مالك، والتي صنفتها واشنطن باعتبارها الجناح العسكري للحركة الإسلامية، واتخاذ خطاب سياسي جديد وإبعاد شخصيات رمزية، بينما يستمر التحالف والدعم بشكل معتاد مع خفض الصوت الإعلامي. مع هذا الخيار لن تحتاج الحركة الإسلامية إلى أي ترتيبات جديدة، لكن هذا الخيار لن يصمد طويلا.
هناك خيار ثان أمام الجيش وهو فك الارتباط الفعلي؛ أن يتخذ الجيش قرارات واضحة وحاسمة ويقرر التخلي عن هذا الحليف الرئيسي وهذا الخيار رغم أنه مستبعد إلا أنه وارد، وإذا مضى الجيش في ذلك ستترتب عليه تداعيات عنيفة؛ قد تدفع تيارات من الإسلاميين إلى تبني موقف راديكالي لن يتوقف عند حده السياسي بل ربما يسعى -مستفيدا من عناصره العسكريين- إلى قيادة مواجهة مع قيادة الجيش.
أما الخيار الثالث هو أن تمضي الحركة الإسلامية إلى اتخاذ خطا براغماتيا؛ بحيث تقبل دخول الجيش في أي عملية تفاوض مقابل مكاسب سلطوية؛ وهذا الخيار قد لا يكون مقبولا للمجموعات المتشددة عطفا على أن المجتمع الدولي ربما لا يقبل وجود الإسلاميين بالأساس.
عموما فإن الجيش أمام خيارات صعبة وذات تداعيات، مع الوضع في الاعتبار أن مساحة المناورة لم تعد كما كانت عليه في السابق.