ملامح من السودان… حين تصبح الصورة شهادة على الجمال

أفق جديد

في صالة مكتبة بورتسودان العامة، انفتحت نوافذ الضوء على السودان. هناك، افتتح المصوّر السوداني محمد مخاوي معرضه الفوتوغرافي الموسوم بـ «ملامح من السودان»؛ معرض لا يكتفي بعرض الصور، بل يقدّم رحلة بصرية عميقة تختصر جمال البلاد في إنسانها وأرضها.

في هذه الصور وجوه تحكي حكاية التنوّع السوداني، وطبيعة ترسم ملامح وطن ثريّ بتعدده وامتداده. تبدو اللقطات وكأنها شهادات حيّة للحظة عابرة نجح المصوّر في تحويلها إلى ذاكرة باقية؛ إذ اختار مخاوي أن يجعل من الكاميرا لسانه، ومن الصورة وسيلته الأصدق للتعبير.

ومحمد مخاوي ليس مجرد مصوّر عابر للعدسة؛ بل موثّق دؤوب للأماكن والوجوه، يلتقط تفاصيل الحياة السودانية بعين فنان يعرف كيف يحفظ اللحظة من الضياع. فقد تخرّج في كلية الموسيقى والمسرح – قسم النقد، وعمل في تلفزيون السودان حيث أخرج عشرات الأفلام الوثائقية. ومن أبرز أعماله فيلم «مرايا متعاكسة» الذي تناول التعايش الديني في السودان، ونال الجائزة الثانية في الصين عام 2009.

اهتمامه بالتصوير بدأ مبكراً، غير أن التحول الأكبر في تجربته جاء مع تطور أدوات التصوير. يقول مخاوي إن الفضل الأول في تعلقه بهذا الفن يعود إلى أستاذه محمد عبد الرسول – رحمه الله – الذي كان من رواد التصوير في السودان، وشارك في معارض دولية عدة وحصد جوائز مهمة. ذلك الأستاذ، كما يقول مخاوي، هو الذي أشعل شرارة الشغف بالتصوير في داخله.

لكن التقنية الحديثة فتحت أمامه آفاقاً جديدة. فمع ظهور الهاتف المحمول القادر على التقاط الصور، أصبحت العدسة في متناول اليد. يتذكر مخاوي أن التصوير في الماضي كان يتطلب السفر إلى العاصمة لتحميض الأفلام وطباعتها، إذ لم تكن معامل التصوير الملوّن متوفرة في الولايات. أما اليوم فقد تغيّر المشهد تماماً، وأصبح بالإمكان التقاط الصورة وتوثيقها في لحظتها.

بهذه العدسة المتاحة، جاب مخاوي السودان طولاً وعرضاً؛ من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب. وفي تلك الرحلات راكم أرشيفاً بصرياً واسعاً يوثّق جمال البلاد وتنوّعها. غير أن الحرب الأخيرة تركت أثرها القاسي على هذا الأرشيف؛ إذ ضاع بعضه وبقي بعضه الآخر.

يقول مخاوي إن فكرة هذا المعرض وُلدت من شعور عميق بأن صورة السودان في السنوات الأخيرة طغت عليها مشاهد القبح: حروب وعنف ودمار. كثير من الصور المتداولة في وسائل الإعلام – خاصة عبر منصات غير رسمية – ركّزت على هذا الوجه القاتم وحده.

لذلك قرر أن يقدّم صورة أخرى؛ صورة الجمال الكامن في المجتمع السوداني: في الطبيعة، وفي تفاصيل الحياة اليومية، وفي الوجوه التي قد يمرّ بها الناس دون أن ينتبهوا لما تحمله من معانٍ. إنها محاولة لاستعادة التوازن في السرد البصري عن السودان.

ومع تنقله بين المدن بسبب الحرب، حمل مخاوي معه أرشيفه الخاص، وقرّر أن يقيم معرضاً أينما سنحت الفرصة. وقد كان افتتاح هذا المعرض في الرابع من رمضان ثمرة دعم أصدقاء وقفوا إلى جانبه حتى يرى النور.

ولا يخفي مخاوي طموحه بأن تتجاوز هذه الصور حدود السودان. فقد اقترح عليه بعض الأصدقاء في مصر إقامة معرض في القاهرة، بينما ذهب آخرون إلى فكرة إعداد معرض متنقل يجوب أفريقيا وأوروبا وآسيا وأمريكا، ليعرّف العالم بسودان آخر لا يعرفه كثيرون.

أما رسالة المعرض، فيختصرها الفنان ببساطة وعمق: نشر الجانب الجميل من السودان، لعل السودانيين أنفسهم ينتبهون إلى جمال بلادهم، ولعل ذلك يوقظ فيهم رغبة في إنهاء هذه الحرب.

ويضيف:

نحن نعيش في عصر أصبحت فيه الصورة قادرة، في كثير من الأحيان، على أن تقول ما يعجز عنه الكلام؛ بل قد تكون أصدق تعبيراً منه.

ويختتم مخاوي حديثه بنبرة إيمان واعتزاز:

السودان من أجمل بلاد الله، والتاريخ يشهد أنه من أوائل البلاد التي قامت فيها حضارة ضاربة في القدم.

وبين عدسة المصوّر وذاكرة المكان، تبقى هذه الصور محاولة لإعادة اكتشاف وطن… لا يزال، رغم كل شيء، قادراً على أن يدهش العالم بجماله.

Exit mobile version