إذاعة هلا FM96… في عامها الثاني عشر، حين تصبح الكلمة موقفًا


بقلم: طارق فرح
في أوقات الأزمات الكبرى، يتجلى المعنى الحقيقي للإعلام. فليس كل من يملك منبرًا يملك موقفًا، وليس كل من ينقل الأخبار يحمل همّ الناس. الإعلام، في جوهره، اختبار أخلاقي: هل تنحاز إلى الحقيقة، أم تكتفي بالوقوف على مسافة آمنة منها؟
في هذا السياق، برزت تجربة إذاعة هلا FM96 كنموذج اختار طريقًا واضحًا منذ البداية: القرب من الناس، والتعبير الصادق عن قضاياهم.
منذ تأسيسها، سعت الإذاعة إلى تقديم محتوى متنوع يهتم بقضايا المجتمع، مع تركيز خاص على الشباب وطموحاتهم، إلى جانب شؤون الأسرة والحياة اليومية. ومع مرور الوقت، نجحت في بناء علاقة ثقة مع جمهورها، قائمة على شعور المستمع بأن هذا الصوت يشبهه ويتحدث بلغته.
ومع اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، وجدت الإذاعة نفسها في قلب المشهد، فانحازت بوضوح إلى مطالب الشارع السوداني في الحرية والسلام والعدالة. ولم يكن هذا الموقف بلا ثمن؛ إذ واجهت ضغوطًا متكررة شملت الاستدعاءات والتهديد بالإيقاف، بل والإيقاف الفعلي في بعض الفترات. ورغم ذلك، تمسكت بخطها الإعلامي الداعم للتحول المدني الديمقراطي.
ثم جاء انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ليضيف تحديًا جديدًا، حيث تم إيقاف الإذاعة عن البث لمدة خمسة وأربعين يومًا، قبل أن تعود وتواصل رسالتها، مؤكدة أن الكلمة الصادقة لا يمكن إسكاتها طويلًا.
لكن الامتحان الأصعب جاء مع اندلاع الحرب في السودان. فالحرب لا تدمّر المدن فحسب، بل تفتّت المؤسسات وتبعثر الناس. وقد تعرض مقر الإذاعة لاقتحام واستباحة ممنهجة أدت إلى تدمير كامل لمعداتها وأجهزتها وأثاثها، في وقت تشتت فيه فريق العمل بين النزوح والاغتراب.
ورغم ذلك، لم تتوقف المسيرة. أعاد فريق الإذاعة تنظيم عمله من مواقع متفرقة، وواصل تقديم برامجه عبر المنصات المختلفة، محافظًا على تواصله مع الجمهور. لقد أثبتت التجربة أن الإعلام الحقيقي لا يرتبط بالمكان بقدر ما يرتبط بالفكرة.
وفي خضم الحرب، ظل موقف الإذاعة ثابتًا: رفض الحرب والدعوة إلى إيقافها، انطلاقًا من إيمان بأن الدم السوداني قيمة يجب صونها، لا استهلاكها في صراع. لذلك ارتبط اسمها بنداء واضح ومباشر:
#أوقفوا_الحرب
إن تجربة إذاعة هلا FM96 تؤكد أن الإعلام، في أسمى صوره، ليس مجرد مهنة، بل التزام أخلاقي. فالمباني قد تُدمّر، والمعدات قد تُفقد، لكن الفكرة تبقى ما دام هناك من يؤمن بها.
ويقول الشاعر:
قل للذي يطلب الحق اجتهدْ… فالحق يعلو ولا يُعلى عليه.
اليوم، وبعد اثني عشر عامًا من انطلاقتها، لم تعد إذاعة هلا FM96 مجرد محطة إذاعية، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة مرحلة كاملة من تاريخ السودان، مرحلة امتزج فيها الأمل بالألم.
التحية لكل القائمين عليها، ولكل من تمسك بالكلمة عندما كان الصمت أسهل.
والتحية لكل صوت آمن بأن الإعلام يمكن أن يكون ضميرًا للمجتمع، لا مجرد صدى للأحداث. فالإذاعات قد تتوقف أحيانًا عن البث، لكن الصوت الذي يولد من ضمير الناس… لا يتوقف.
كل عام وإذاعة هلا FM96 أقرب إلى الناس…
وكل عام وصوت الحقيقة يجد طريقه، مهما كانت العواصف.
(وكلمة الحق تاني تشرق في القلوب وتشق طريقها)..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى