العيد في النزوح…

بقلم: يوسف الغوث

حنيني ليس حنينَ الورد أو دفءَ الكستناء…
حنيني أزرق.،، كبحرٍ ينام تحت جليد الذاكرة، ساكن الظاهر، هائج الجوف، مشفر بالأسرار والرموز…
أحن إلى خبز أمي وقهوة أبي. لأن الزمان هناك كان يُخبز مع العجين، والماء،يغلي مع البن. لانذوق طعم لن يتكرر في بلاد الغربة،،،،. فأحبك يا وطني، رغم احتباس الشهيق رغم بعد المسافات والسنين والغياب…
العيد في النزوح فرحةٌ مكسورة العين، وشرفةٌ تطل على صمت العالم الأخرس. هو مزاجٌ عجين،، فرحة تُلبسنا إياها الأيام قسراً، وحنينٌ ينزُّ كالندى، ووجعٌ تراكمي من حرب عبثية لعينة.
في بيوت النازحين، الحلوى فقدت سكرها. تتحول قطع الكعك إلى بطاقات بريدية من زمنٍ مضى، والعيد لم يعد سوى ظلّ لشيء كان مضيئاً فاصبح وميض التلاشي….
ان المشاهد غريبة، الروائح لا تشبه الذاكرة، الأصوات بلا نغم…. المألوف الوحيد هو ذاكرة مثقوبة ، وقلبٌ يلهث كلما استعاد صوراً لا تحترق…..
تصحو الأسرة على أصوات مختلفة ،،
، وينام الجميع على شهقةٍ وجع دفاق،،،
المصافحة بعد العيد لا تتعدى حدود الغرفة،،،خوفاً من الغربة، أو لأن الجدران
في حالة حزن صامت ،،لكن الهواتف تقد بمكالمات قصيرة لأحباب بقوا في الديار، أصواتهم تأتي خافتة ومحملة بتهان تذوب في طريقها إليهم….
الأحزان تتساقط كأوراقٍ خريفية في صيف بلا وطن.
حتى الأطفال يسألون عن لعبة نسوها هناك، او صديق لم تعد تفاصيل وجهه تسكنهم.،،،يتلفتون إلى وجوه أهليهم المعلقة كاللوحات، فلا يجدون سوى الصمت. أرواحهم أصبحت مثل مرايا متناثرة، كل قطعة تعكس جزءاً من وطن.
كان النازح يعشق دعاش المطر على تراب مزرعته، يميز صوت البائع المتجول في كبد الظهيرة. كان يعرف بيته من رائحة خبز أمه قبل أن يراه، ويرقص مع غروب الشمس على سطح داره الرحيبة..
كانت الحياة تمر كقطار سريع، والعيد وقفة تأمل في محطات الفجر البريئة…
أما اليوم، فالوقت يعرج، يجر أياماً كأنها أكفان،ما بين صلاة العيد في مسجد لا يعرف اسمه، وعودة صامتة إلى غرفة ما في مكان قصي…
العيد في النزوح هو حالة الحنين الموجع هو استعادة حلم العودة على جدران الذاكرة المتصدعة….
هو البكاء على صوت (ود الامين) عبر اثير (“هنا أم درمان”،) هو الاغتراب الذاتي في ذاكرة الجسد المتعب……
إن العيد في النزوح هو نبض العشق المستمر لوطن يلفظ أنفاسه الأخيرة.
وحتى يأذن الله بالعودة،،،،، سيبقى العيد في النزوح هو الخيط الذي يخيط قلوب السودانيين بوطنهم….

العام القادم في ديارنا، وعقيال الخير يترادم، والدنيا تمشي دغرية.”
كل عام والسودان بخير..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى