بين الدولة واللا دولة 

في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة، تتقاطع فيها خطوط النار من الخليج إلى وادي النيل، لا يمكن النظر إلى خطاب المصباح أبوزيد في الدبة ولقائه بقيادة منطقة مروي العسكرية باعتباره حدثاً معزولاً أو مجرد نشاط ميداني عابر. فذلك الظهور العلني لقائد مليشيا “البراء بن مالك” المصنفة إرهابياً، في قلب منطقة عسكرية حساسة، بعد خطاب حمل رسائل مبطنة لقيادة الجيش اتهمها فيه بالعمالة للاجنبى متحدياً بأن لا جهة  باستطاعتها ان تأمرهم بوضع السلاح يكشف عن تحولات أعمق في بنية السلطة داخل السودان، ويطرح أسئلة مقلقة حول من يمسك فعلياً بزمام القرار الأمني والعسكري في البلاد، ومن يحدد بوصلته الاستراتيجية في لحظة تعج بالاستقطاب الإقليمي الحاد.

إن مشهد الدبة لا يُقرأ فقط من زاوية الترتيبات المحلية، بل بوصفه مؤشراً على تآكل الحدود بين الدولة واللا-دولة. فحين يلتقي قائد مليشيا أيديولوجية مع قيادة عسكرية نظامية في فضاء مفتوح، اساء لقيادتها وتحداها علنا  دون حرج أو مواربة، فإن ذلك يعكس درجة من التطبيع مع وجود هذه التشكيلات، بل وربما إدماجها ضمن معادلة القوة. وهذا التطبيع، في سياق السودان، ليس تفصيلاً عابراً، بل امتداد لمسار طويل من اختراق الحركة الإسلامية للمؤسسات، وإعادة إنتاج نفسها في كل مرة عبر واجهات أمنية وعسكرية مختلفة.

ما يزيد من خطورة هذا التطور أنه يأتي في توقيت تتحرك فيه قوى دولية وإقليمية بخطوات متسارعة لمحاصرة شبكات الإسلام السياسي، بعد أن تراكمت القناعة بأن هذه الشبكات لم تعد مجرد فاعل سياسي، بل باتت حاضنة محتملة للتطرف العنيف، ومعبراً لتقاطعات معقدة مع أجندات خارجية. ففي أكثر من ساحة، نشهد إعادة تعريف لهذه التنظيمات بوصفها تهديداً للأمن القومي، وليس فقط خصماً سياسياً. ومن هنا، فإن أي إشارات إلى عودتها أو تمكينها داخل مؤسسات الدولة السودانية تُقرأ خارجياً كرسالة سلبية، تعزز الشكوك وتضع البلاد تحت مجهر الرقابة والعقوبات.

وفي قلب هذا المشهد، تتصاعد التوترات في الخليج على وقع الاعتداءات الإيرانية، في سياق صراع نفوذ مفتوح يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة. هذه التطورات لا تقف عند حدودها الجغرافية، بل تمتد تداعياتها إلى دول مثل السودان، التي تجد نفسها، بحكم موقعها الهش، عرضة للاستقطاب بين محاور متصارعة. وهنا تتقاطع المخاطر: فوجود جماعات أيديولوجية مسلحة ذات امتدادات فكرية وتنظيمية عابرة للحدود، قد يفتح الباب أمام انزلاق السودان إلى أدوار وظيفية في صراعات لا يملك أدوات التحكم فيها.

إن الخطر لا يكمن فقط في إحتمال الإنخراط المباشر في هذه الصراعات، بل في التحول التدريجي إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فحين تضعف الدولة، وتتشظى مراكز القرار، تصبح الأرض مهيأة لتغلغل نفوذ خارجي عبر وكلاء محليين، سواء كانوا مليشيات أو شبكات أيديولوجية. وفي هذه الحالة، يفقد السودان قدرته على صياغة سياسة خارجية مستقلة، ويتحول إلى مجرد ورقة في لعبة أكبر.

من زاوية أخرى، فإن مشهد الدبة يبعث برسائل مقلقة إلى الداخل أيضاً. فهو يعزز شعور قطاعات واسعة من السودانيين بأن المؤسسة العسكرية لم تعد محايدة، وأنها، أو أجزاء منها، تنخرط في تحالفات مع قوى مؤدلجة على حساب المشروع الوطني الجامع. وهذا الإحساس، في ظل الحرب والانقسام، يغذي مزيداً من فقدان الثقة، ويقوض أي فرص لبناء توافق سياسي حقيقي. فكيف يمكن الحديث عن دولة مدنية أو انتقال ديمقراطي، بينما تتوسع دائرة الفاعلين المسلحين خارج الأطر الرسمية؟

كما أن هذا التداخل بين العسكري والأيديولوجي يخلق بيئة خصبة لتمدد خطاب التطرف، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الخانقة. فالمليشيات المؤدلجة لا تتحرك فقط بالسلاح، بل بخطاب تعبوي يستثمر في الهويات والانقسامات، ويعيد إنتاج منطق الإقصاء. ومع غياب مؤسسات دولة قوية قادرة على الضبط والمساءلة، يصبح هذا الخطاب أكثر تأثيراً، خصوصاً بين فئات الشباب التي تبحث عن معنى أو انتماء في واقع مضطرب.

على الصعيد الدولي، لا يمكن فصل هذه التطورات عن احتمالات إعادة تصنيف بعض الكيانات المرتبطة بالحركة الإسلامية، أو توسيع دوائر العقوبات لتشمل أفراداً ومؤسسات يُشتبه في دعمها أو التغطية عليها. فالعالم، الذي بات أكثر حساسية تجاه قضايا الإرهاب وتمويله، لن يتعامل بخفة مع مؤشرات كهذه، خاصة إذا اقترنت بسياق إقليمي متوتر. وهذا يضع السودان أمام خطر العزلة المتجددة، في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى الانفتاح والدعم لإعادة الإعمار والاستقرار.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب أو إعادة بناء ما دمرته، بل في حسم سؤال الدولة نفسها: هل هي دولة مؤسسات وقانون، أم فضاء مفتوح لتقاطع المليشيات والأيديولوجيات؟ وهل يمكن استعادة احتكار العنف المشروع لصالح مؤسسة عسكرية مهنية، أم أن البلاد تتجه نحو نموذج تتعدد فيه الجيوش والولاءات؟

ما حدث في الدبة ليس حادثة عابرة يمكن تجاوزها بالصمت أو التبرير، بل هو جرس إنذار يجب أن يُقرأ بجدية. فكل خطوة نحو شرعنة وجود المليشيات المؤدلجة داخل المشهد الرسمي، هي خطوة إضافية نحو تعقيد الأزمة، وإطالة أمدها، وربما تدويلها بشكل أعمق.

يقف السودان اليوم على حافة مفترق طرق حاد: إما أن يستعيد الدولة من قبضة الجماعات المتطرفة، ويعيد تعريف دور مؤسساته العسكرية والأمنية على أسس مهنية ووطنية، أو يواصل الانزلاق نحو نموذج الدول المنهارة، حيث تختلط الرايات، وتضيع المسؤوليات، وتتحول السيادة إلى شعار بلا مضمون. وفي عالم لا ينتظر المترددين، قد لا تكون هناك فرصة ثانية لتصحيح المسار.

 

Exit mobile version