
أفق جديد
شهدت ولاية الخرطوم، وعلى وجه الخصوص مدينة أم درمان، أزمة خدمية مركبة تمثلت في انقطاع واسع لإمدادات المياه، بالتزامن مع قطوعات مستمرة في التيار الكهربائي، وذلك في توقيت بالغ الحساسية تزامن مع أيام عيد الفطر المبارك، ما ضاعف من معاناة المواطنين وألقى بظلاله على مظاهر الفرح والاحتفال.
طوال فترة الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل 2023، تفاقمت أزمة الحصول على المياه بشكل حاد، مما أثر على آلاف المواطنين، خاصة في المناطق التي يقطنها عدد كبير من المواطنين. ويعزى ذلك إلى انقطاع التيار الكهربائي، ونقص الوقود، إلى جانب تعطل الآبار الجوفية، ما أدى إلى تدهور حاد في خدمات الإمداد المائي.
يرتبط انقطاع المياه بشكل مباشر بعدم استقرار التيار الكهربائي، إذ تعتمد محطات الضخ والمعالجة على الكهرباء لتشغيلها. ومع تكرار الانقطاعات الكهربائية لساعات طويلة، توقفت العديد من محطات المياه عن العمل، ما أدى إلى شح حاد في الإمدادات، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.
خلال أيام العيد، التي تشهد عادة زيادة في استهلاك المياه لأغراض الطهي والنظافة والزيارات الاجتماعية، وجد المواطنون أنفسهم أمام وضع صعب. فقد اضطر كثيرون إلى البحث عن مصادر بديلة للمياه، مثل الآبار أو شراء المياه من عربات الكارو التي تجرها الدواب والتناكر بأسعار مرتفعة.
يقول المواطن أحمد عيسى، من سكان حي الثورة بأم درمان في حديثه لـ”أفق جديد”: “قضينا أول أيام العيد بدون ماء، اضطررنا لشراء جركانات بأسعار مضاعفة. حتى الأطفال لم يشعروا بفرحة العيد في ظل هذا الوضع”.
أمام محمد الحسن، وهو سائق كارو لجلب المياه فيقول لـ”أفق جديد”: “الطلب على المياه زاد بشكل غير مسبوق، لكن حتى نحن نواجه صعوبة في التعبئة بسبب توقف المحطات. الأسعار ارتفعت بسبب قلة المعروض وزيادة الطلب”.
من جهتها تقول المواطنة سعاد عبد الله، من حي بيت المال، لـ”أفق جديد”: “الكهرباء تقطع لساعات طويلة، وعندما تعود تكون ضعيفة. لا نستطيع تشغيل المضخات المنزلية، وبالتالي حتى إن توفرت المياه في الخطوط لا تصلنا”.
ويحذر مختصون من أن استمرار انقطاع المياه قد يؤدي إلى تدهور الأوضاع الصحية، خاصة مع صعوبة الحفاظ على النظافة الشخصية ونظافة المنازل، ما قد يزيد من احتمالات انتشار الأمراض، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن.
وطالب المواطنون الجهات المختصة بالتدخل السريع لمعالجة الأزمة عبر توفير مصادر طاقة بديلة لمحطات المياه، ووضع جدول واضح ومستقر لبرمجة قطوعات الكهرباء، ودعم توزيع المياه عبر تناكر حكومية بأسعار رمزية، والإسراع في صيانة الأعطال الفنية في الشبكات.
أفادت هيئة مياه ولاية الخرطوم بأن تراجع إمدادات المياه في عدد من المناطق يعود إلى اضطرابات في التيار الكهربائي، شملت الانقطاعات وتذبذب مستويات الجهد.
وأوضح المدير العام للهيئة، المهندس محمد أحمد عوض، في بيان صحفي، أن هذه التقلبات أثّرت سلبًا على تشغيل محطات المياه، مما أدى إلى انخفاض كميات الإنتاج خلال الأيام الماضية.
وأضاف أن والي الخرطوم، أحمد عثمان حمزة، أجرى زيارة تفقدية إلى محطة مياه المنارة، للوقوف على سير العمل والاطمئنان على استقرار الإمداد خلال عطلة عيد الفطر.
وأشار البيان إلى أن الهيئة شرعت في تشغيل المحطات والآبار باستخدام المولدات الكهربائية ومنظومات الطاقة الشمسية، بهدف ضمان استمرارية الخدمة، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تتم بإشراف مباشر من الوالي.
وأكدت الهيئة أن عودة الإمداد إلى مستوياته الطبيعية ستتم بشكل تدريجي عقب استقرار التيار الكهربائي، مقدّمة اعتذارها للمواطنين المتأثرين بنقص المياه.
مع استمرار أمد الحرب وتفاقم آثارها، تتزايد الاحتياجات الإنسانية يومًا بعد يوم. وقد أصبح نحو نصف سكان البلاد بحاجة ماسة إلى المساعدة، في ظل عجزهم عن الحصول على المأوى، أو مياه الشرب النظيفة، أو حتى الرعاية الصحية الأساسية. كما تتفشى الأمراض بوتيرة متسارعة، في وقت تعاني فيه الموارد من ندرة شديدة، وتظل المساعدات الإنسانية الدولية محدودة ولا تلبي حجم الاحتياج المتزايد.
تأتي هذه الأزمة في وقت كان يُفترض أن تنعم فيه الأسر بأجواء العيد، لكنها تحولت إلى اختبار قاسٍ لقدرة المواطنين على التكيف مع الظروف الصعبة. وبينما تتزايد المطالب بالحلول العاجلة، يبقى الأمل معقودًا على تحرك سريع يعيد الاستقرار للخدمات الأساسية ويخفف من معاناة السكان.