تفكيك نظام الإنقاذ من الخارج… بين ضرورات المساءلة وتحديات التنفيذ

إبراهيم هباني
عادة، حين تعود ملفات قديمة إلى الواجهة، يكون السبب أن الظروف تغيّرت لا أن الأدوات تحسّنت. هذا ما ينطبق على عودة لجنة تفكيك نظام الإنقاذ – أو ما بات يُعرف عملياً بتفكيك نظام الإخوان في السودان – ولكن هذه المرة من خارج البلاد، وفي توقيت متزامن مع قرار واشنطن تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً.
فهل نحن أمام محاولة أكثر جدية، أم إعادة إنتاج لتجربة لم تكتمل؟
ما يجري ليس تفصيلاً. قرار الولايات المتحدة لم يكن مجرد توصيف سياسي، بل خطوة تستهدف بنية كاملة: شبكات مالية، واجهات اقتصادية، وامتدادات تنظيمية ظلّت حاضرة في مفاصل الدولة والاقتصاد. وفي هذا السياق، تبدو عودة لجنة التفكيك – بصيغتها الجديدة – جزءاً من أدوات الضغط الدولي لتجفيف منابع التمويل وإعادة تشكيل البيئة السياسية.
الميزة النظرية للعمل من الخارج واضحة: تحرّر من الضغوط المحلية، قدرة على التحرك عبر القنوات الدولية، وإمكانية الوصول إلى مسارات تتبع الأموال. لكن الواقع أكثر تعقيداً. لجنة بلا سلطة تنفيذ داخل السودان تظل محدودة التأثير، أقرب إلى جهة رصد وتوثيق منها إلى أداة تفكيك فعلي.
التجربة السابقة تقدّم درساً لا يمكن تجاهله. لم تتعثر لجنة إزالة التمكين فقط بسبب مقاومة خصومها، بل أيضاً بسبب أخطائها:
قرارات ضعيفة من حيث التأسيس القانوني، انتقائية في الاستهداف، وغياب الشفافية في عرض الأدلة.
هذه العوامل مجتمعة جعلت كثيراً من قراراتها عرضة للطعن والإلغاء، وأفقدتها جزءاً مهماً من مشروعيتها.
المشكلة في جوهرها ليست سياسية فحسب، بل قانونية بالدرجة الأولى. اللجنة السابقة قامت على قانون استثنائي، لا على منظومة عدالة انتقالية متكاملة. والفرق جوهري:
القوانين الاستثنائية قد تحقق نتائج سريعة، لكنها تبقى هشة وقابلة للانهيار، بينما مسارات العدالة الانتقالية، رغم بطئها، توفر أساساً أكثر صلابة واستدامة.
إذا أُريد لعودة لجنة تفكيك نظام الإخوان أن تكون مختلفة، فالمطلوب ليس إعادة إنتاج النموذج القديم، بل إعادة تصميمه:
تحويلها إلى مفوضية مستقلة ذات ولاية قانونية واضحة، ربط قراراتها مباشرة بالسلطة القضائية، العمل عبر آليات دولية لتتبع الأموال والأصول، والأهم نشر الأدلة للرأي العام لتعزيز الشفافية والمصداقية.
كما أن الفصل بين التفكيك والخصومة السياسية يظل شرطاً أساسياً. التجربة السابقة اختلط فيها المساران، ما أضعف الهدف الرئيسي وحوّل بعض الإجراءات إلى مادة للجدل السياسي بدلاً من أن تكون مساراً للعدالة.
في النهاية، تفكيك نظام الإنقاذ – أو تفكيك بنية الإخوان في السودان – ليس مجرد عملية قانونية، بل جزء من صراع أوسع على الدولة نفسها. الضغوط الدولية قد تُربك الشبكات، لكنها لا تُنهي النفوذ داخل المؤسسات ما لم تتوفر أدوات تنفيذ حقيقية وإرادة داخلية.
عودة اللجنة اليوم تعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه الإسلاميين في السودان، لكنها لا تعني بالضرورة أن النتائج ستكون مختلفة. الفارق هذه المرة لن تصنعه النوايا، بل القدرة على تحويل التفكيك من شعار سياسي إلى مسار قانوني مؤسسي قابل للاستمرار.





