
أفق جديد
لم يعد العيد في السودان كما كان في السابق؛ لم تعد أصوات التكبيرات وحدها قادرة على بث السرور والفرح في القلوب، ولا ملابس الأطفال الجديدة وألعابهم كافية لرسم الابتسامة على وجوه أنهكها الانتظار. في هذا العام، جاء العيد مثقلاً بوجع الحرب، ومرارة الفقد، وقسوة الظروف المعيشية التي دفعت ملايين السودانيين إلى حافة اليأس والخوف.
في الأحياء والقرى والبلدات التي كانت تعج بالحياة، خفتت الحركة، وأغلقت العديد من الأسواق أبوابها بسبب القصف العشوائي، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر، وأصبح تأمين وجبة يومية تحديًا، فكيف بالاستعداد لعيد كان يُعرف يوماً بمواسم الكرم والتكافل؟
الأطفال، الذين كانوا ينتظرون العيد بلهفة، باتوا أكثر وعيًا بواقعهم القاسي. كثير منهم حُرموا من أبسط مظاهر الفرح؛ لا ملابس جديدة، ولا ألعاب، ولا حتى زيارات عائلية، بعدما فرّقت الحرب بين الأقارب، وشتتت الأسر بين ولايات الداخل ودول الجوار.
أما الأسر النازحة، فالعيد بالنسبة لها ليس سوى يوم إضافي في رحلة المعاناة. في مراكز الإيواء، حيث تفتقر الحياة لأبسط مقوماتها، تحاول الأمهات خلق أجواء رمزية للعيد، بإمكانات شبه معدومة، فقط لتخفيف وقع الألم على صغارهن.
تقول آمنة الفكي (45) عامًا وهي أم لخمسة أطفال: إن الحرب أجبرتهم على مغادرة منازلهم، لتبدأ رحلة نزوح قاسية استنزفت كل ما يملكون من مدخرات. وتضيف في حديثها لـ”أفق جديد: “هذا العام جاء ثقيلاً على أطفالها، الذين استقبلوا المناسبات بلا كسوة جديدة، في مشهد يعكس عمق المعاناة التي تعيشها آلاف الأسر”.
ولم تعد معاناة آمنة حالة فردية، بل أصبحت نموذجًا متكررًا في مناطق النزاع، حيث تواجه الأسر أوضاعًا إنسانية صعبة مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وانقطاع مصادر الدخل. فمع استمرار الحرب، يجد الكثيرون أنفسهم عاجزين عن تلبية أبسط احتياجاتهم اليومية، مثل الغذاء والملبس والرعاية الصحية.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن الأطفال هم الأكثر تضررًا من هذه الأوضاع، إذ يحرمون من حقوق أساسية، من بينها التعليم والحياة الكريمة. كما تتزايد الضغوط النفسية عليهم نتيجة فقدان الاستقرار والشعور بالأمان، ما ينعكس سلبًا على نموهم ومستقبلهم.
في ظل هذه الظروف، تطالب منظمات إنسانية بضرورة تكثيف الدعم للأسر المتضررة، خاصة مع اقتراب المناسبات التي كانت تمثل في السابق مصدر فرح للأطفال. وتؤكد أن توفير الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الملابس، لم يعد رفاهية، بل ضرورة إنسانية عاجلة.
ورغم قسوة الواقع، تتمسك آمنة الفكي ببصيص أمل، وأعربت عن رغبتها في أن تنتهي الحرب قريبًا، ليتمكن أطفالها من العودة إلى حياة طبيعية، يستحقونها مثل باقي أطفال العالم.
وفي ظل هذا الواقع، تتصاعد مشاعر الحزن على من فقدوا أحباءهم. مقاعد فارغة على موائد العيد، وبيوت يلفها الصمت بعد أن غابت عنها ضحكات طالما ملأت المكان دفئاً وحياة. الفقد أصبح جزءًا من المشهد اليومي، يرافق الناس حتى في لحظات كان يفترض أن تكون مخصصة للفرح.
يقول المواطن عبد الله الطريفي إن طقوس العيد هذا العام لم تعد كما كانت، بعدما فرضت ظروف الحرب واقعًا مختلفًا على تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك المناسبات الدينية والاجتماعية التي اعتاد الناس الاحتفاء بها بطرق خاصة.
وأضاف الطريفي في حديثه لـ”أفق جديد”: أن مظاهر الفرح التي كانت تملأ الشوارع والأسواق تراجعت بشكل ملحوظ، حيث غابت الزينة وتقلصت الزيارات العائلية، في ظل الأوضاع الأمنية الصعبة وتحديات التنقل. كما أشار إلى أن كثيرًا من الأسر باتت تكتفي بالاحتفال داخل نطاق ضيق، حفاظًا على السلامة، مع التركيز على الجوانب الروحية للعيد بدلًا من المظاهر الخارجية.
وفي السياق ذاته، أكد عدد من المواطنين أن الأوضاع الاقتصادية الناتجة عن الحرب ألقت بظلالها على الاستعدادات للعيد، إذ ارتفعت أسعار السلع الأساسية وتراجعت القدرة الشرائية، ما اضطر كثيرين إلى تقليص نفقاتهم والاكتفاء بالحد الأدنى من مستلزمات العيد.
ورغم هذه الظروف، يحرص البعض على التمسك بما تبقى من طقوس العيد، ولو بشكل بسيط، مثل أداء صلاة العيد وتبادل التهاني عبر وسائل الاتصال، في محاولة للحفاظ على روح المناسبة وإدخال شيء من البهجة على النفوس.
من جهتهم، يرى مختصون اجتماعيون أن التغير في طقوس العيد يعكس قدرة المجتمعات على التكيف مع الأزمات، مؤكدين أن الحفاظ على الروابط الاجتماعية بوسائل بديلة يبقى عنصرًا أساسيًا في تعزيز الصمود خلال فترات النزاع.
ويختتم الطريفي حديثه بالتأكيد على أن العيد، رغم كل ما يحيط به من تحديات، يظل مناسبة للأمل والتضامن، داعيًا إلى استثمار هذه اللحظات في تعزيز قيم التكافل والتراحم بين الناس.
ورغم كل ذلك، لا تزال هناك محاولات خجولة للتمسك بالأمل. مبادرات شبابية لتوزيع الطعام، وجهود مجتمعية لدعم الأسر الأكثر احتياجاً، ومساعٍ فردية لإحياء روح التكافل التي طالما ميّزت المجتمع السوداني.
العيد هذا العام ليس عيدًا بالمعنى التقليدي، بل هو اختبار قاسٍ لقدرة الناس على الصمود. وبين الجوع والحزن والشتات، يبقى السؤال معلقاً: متى يعود للسودانيين عيدهم الحقيقي؟
إلى أن تأتي الإجابة، يظل الأمل، رغم هشاشته، آخر ما يتمسك به الناس في مواجهة واقع لا يشبه الأعياد.
وتتزايد الدعوات الأممية والدولية لوقف الحرب في السودان، تفاديًا لانزلاق البلاد إلى كارثة إنسانية أعمق، مع استمرار معاناة الملايين من نقص الغذاء والخدمات الأساسية نتيجة استمرار القتال.