
الهادي الشواف
الميليشيات والانقلابات العسكرية كعقبات أمام بناء دولة مستقرة:
منذ استقلال السودان عام 1956م، شهدت البلاد سلسلة من الانقلابات العسكرية التي أطاحت بالحكومات المدنية وأعادت إنتاج الحكم العسكري في أشكال مختلفة، فمن دكتاتوريات عبود ونميري والبشير وليست انتهاء بالبرهان، يظل شبح الوصول للسلطة عبر بندقية الجيش احدى السمات التي شكلت ملامح الحكم في البلاد، وفي المقابل فأن المعالجات الشكلية لمسألة الحرب في السودان ظلت ترسل رسائل خاطئة بأن البندقية مدخل فعال لتقاسم السلطة والثروة، هذا الإرث التاريخي يجعل احتمالية العودة إلى الانقلابات قائمة، طالمة ما زالت هناك قوى سياسية تصر على تأسيس خلايا لها داخل القوات النظامية، وكذلك تظل ظاهرة تناسل المليشيات والمجموعات المسلحة تطل بعنقها بين الفينة والاخرى، طالمة لم يتم اجاد حل جذري لمسألة الحرب في السودان.
فالسودان بعد ما أنهكته الانقلابات العسكرية وتنازعته الميليشيات المسلحة، يقف اليوم أمام امتحان وجودي فإما أن ينجح في إنهاء الحرب الراهنة ويضع حداً لدور الميليشيات والانقلابات العسكرية، ويفتح طريق الأمل صوب سلام مستدام ودولة مدنية حديثة، أو يعود إلى دوامة الصراع المسلح التي اعقدت لعقود طويلة، إن وجود الميليشيات والمجموعات المسلحة خارج إطار الدولة يمثل التحدي الأكبر أمام أي مشروع لبناء دولة مستقرة، ويثير أسئلة جوهرية حول مستقبل السودان بعد نهاية هذه الحرب، والشاهد هو إن مستقبل هذه الميليشيات والمجموعات المسلحة بعد نهاية الحرب سيحدد ملامح سودان المستقبل، بين خيار التفكيك والدمج أو خطر إعادة الانقلابات والتمرد، فيما يبقى الرهان الأكبر على إرادة السودانيين في صياغة عقد اجتماعي جديد يضع حداً لدائرة العنف الجهنمية.
احتمالية العودة إلى الحرب والانقلابات العسكرية:
غياب الاستقرار السياسي والأمني يضاعف هذه الاحتمالية، إذ أن أي فراغ في السلطة أو فشل في التوافق الوطني قد يفتح الباب أمام الجيش أو الميليشيات للتدخل مجدداً، كما أن البيئة الأمنية الهشة، وانتشار السلاح، وغياب سلطة الدولة المركزية، كلها عوامل تجعل أي اتفاق سياسي هشاً وقابلاً للانهيار في لحظة واحدة، وقبل هذا وذاك وجود تشكيلات حزبية داخل المؤسسات الاجهزة الامنية هو النواة الاولى للانقلابات العسكرية.
وجود الميليشيات ودورها في عدم الاستقرار:
أن ظاهرة الميليشيات المسلحة في السودان ليست جديدة، لكنها تفاقمت بشكل غير مسبوق خلال الحرب الأخيرة، فقوات الدعم السريع تمثل النموذج الأبرز حيث تحولت إلى قوة موازية للجيش وتتوق عليه كم حيث العدد، وكذلك هناك ميليشيات أخرى نشأت وتكونت في ظروف متباينة، منها حركات دارفور المختلفة بالاضافة إلى الحركة الشعبية شمال، وهي مجموعات مسلحة افرزتها قضايا متعلقة بغياب التنمية المتوازنة والتقسيم العادل للسطة والثروة، ومعالجة قضايا اجتماعية وثقافية أخرى ظلت مكان خلاف منذ استقلال السودان، وكل هذه الملشيات والمجموعات المسلحة ذات تكوين قبلي وجهوي.
وهناك ظاهرة تمليش أكثر خطورة وهي المكونات العسكرية التي يتم تأسيسها من قبل تنظيمات سياسية ذات بعد ايدلوجي، بهدف المحافظة على السلطة مثل تشكيلات ما يسمى بحركة الاخوان المسلمين وغيرها، وايضًا هناك مجموعات وتشكيلات مسلحة تتم تأسيسها من قبل الجيش والاجهزة الامنية الأخرى كقوات مساندة لها، مثل الدفاع الشعبي وهيئة العمليات والدعم السريع قبل الحرب وغيرها، جميع هذه المجموعات والتشكيلات تعمل تحت قيادة منفصلة ولديها استقلالية نسبية، ومعظمها لها علاقات عابرة للحدود، فبعض الميليشيات تتلقى دعماً من أطراف إقليمية، ما يعزز دورها في تقويض الاستقرار الداخلي ويحولها إلى أدوات لصراع نفوذ إقليمي، فوجود كل هذه القوى المسلحة خارج إطار الدولة يجعل أي عملية سلام هشة، إذ يمكن أن تنهار بمجرد رفض طرف مسلح الالتزام بالاتفاق، وهذا ما يفسر صعوبة الوصول إلى سلام مستدام في السودان، حيث تتعدد مراكز القوة وتتنازع الشرعية.
تقويض عملية السلام المستدام:
فعملية السلام المستدام في السودان يتطلب أكثر من مجرد وقف إطلاق للنار؛ إنه يحتاج إلى معالجة جذرية لوجود الميليشيات والمجموعات المسلحة، فطالما بقيت هذه القوى خارج سيطرة الدولة، فإنها ستظل قادرة على تقويض أي اتفاق سياسي أو عسكري، إن الميليشيات لا تمثل فقط تهديداً أمنياً، بل هي أيضاً عامل سياسي واقتصادي، إذ أنها تسيطر على موارد ومناطق، وتفرض سلطتها على السكان، ما يجعلها جزءاً من المعادلة السياسية والعسكرية، لذلك، فإن أي عملية سلام لا يمكن أن تنجح دون إدماج هذه القوى في مشروع وطني شامل، أو تفكيكها بشكل منظم ومدروس.
مستقبل الميليشيات والمجموعات المسلحة بعد نهاية الحرب:
السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو ما مصير هذه الميليشيات بعد نهاية الحرب؟ هناك عدة سيناريوهات محتملة، منها دمج الميليشيات في القوات النظامية الرسمية وهو أحد الخيارات المطروحة، لكن ذلك يتطلب إصلاحاً عميقاً وضمانات بعدم إعادة إنتاج الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية، وكذلك التسريح وإعادة الإدماج: برامج “DDR” (التسريح، نزع السلاح، وإعادة الإدماج) يمكن أن توفر مساراً لإعادة المقاتلين إلى الحياة المدنية، لكنها تحتاج إلى موارد ضخمة وإرادة سياسية قوية، وايضًا تحول بعض الميليشيات إلى أحزاب أو حركات سياسية، وهو خيار محفوف بالمخاطر إذا لم يضبط قانونياً ويدمج في العملية الديمقراطية.
في كل الاحوال إذا لم تعالج جذور الأزمة السودانية بشكل شامل، وتفكك مصادر العنف وتجفف منابع اعادة انتاج العنف، وأهمها تفكيك كل الخلايا المكونات الحزبية داخل الاجهزة الامنية، وتفكيك المليشيات والمجموعات العكسرية المسلحة بطريقة علمية وحاسمة، ستظل دوامة الانقلابات العسكرية مستمرة، والميليشيات والمجموعات المسلحة قد تعود إلى حمل السلاح وتفجر جولات جديدة من الحرب، ما يعيد السودان إلى نقطة الصفر.
نحو رؤية مستقبلية:
إن معالجة قضية الانقلابات العسكرية والميليشيات المسلحة في السودان تتطلب رؤية مستقبلية شاملة، تقوم على ثلاثة محاور أساسية، أولًا: إصلاح المؤسسة العسكرية وتحويل الجيش إلى مؤسسة وطنية مهنية بعيدة عن السياسة والاقتصاد، وبناء جيش قوي قادرة على استيعاب المقاتلين السابقين ضمن إطار منضبط، ثانيًا إطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية الشاملة وتعيد بناء الثقة بين المكونات المختلفة، بما يضمن مشاركة عادلة للجميع في الدولة، ضمن دولة مدنية ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية دون تميز، وثاثلًا: برامج تنموية عادلة توفر فرص عمل وخدمات للمقاتلين السابقين والمجتمعات المتضررة، وتعيد توزيع الثروة بشكل يقلل من دوافع حمل السلاح.
خاتمة:
إن مستقبل هذه البلاد يجب أن لا يحسم في ساحات القتال ولا يصاغ بالرصاص، ويجب أن يترك المجال للبندقية تحدد ملامح الحكم وتوزع خارطة الثروة، بل يكون الرهان الأول على قدرة السودانيين على صياغة عقد اجتماعي جديد يضع حداً لهيمنة السلاح، ويعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة والقانون، فإما أن يكون السودان نموذجاً لإرادة الشعوب في تجاوز جراحها، أو أن يغدو مثالاً مأساوياً على كيف يلتهم الانقسام أحلام الأمم، والرهان الأكبر يبقى على وعي السودانيين بأن السلام ليس مجرد هدنة، بل هو مشروع حياة، وأن الدولة المدنية ليست خياراً ثانوياً، بل هي شرط البقاء ذاته، وإما أن يكسر السودانيين قيود الحرب والظلام وينتصروا بالسلام والحرية ويكتبوا فجرهم بمداد من نور أو يظلوا أسيرين لدوامة السلاح وظلام القهر.