(ضعف المعلومات الاستخبارية يضاعف الكلفة الاخلاقية ) المسيّرات .. سلاح رخيص يحصد ارواحاً بريئة

أفق جديد

منذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، ظل الصراع يتخذ أشكالًا تقليدية في بداياته، تقوم على السيطرة الميدانية المباشرة والاشتباك داخل المدن. لكن مع مرور الوقت، وتحديدًا خلال عامي 2025 و2026، شهدت الحرب تحولًا نوعيًا تمثل في صعود دور الطائرات المسيّرة كأداة رئيسية في إدارة المعارك. لم يعد الطرفان بحاجة دائمة إلى الاحتكاك المباشر؛ إذ بات بالإمكان تنفيذ ضربات دقيقة من مسافات بعيدة، ما غيّر طبيعة المواجهة وأعاد تشكيل ميزان القوة.

هذا التحول لم يكن مجرد تطور تقني، بل انعكس على الاستراتيجية العامة للحرب، حيث أصبح التحكم في السماء، ولو جزئيًا، عاملًا حاسمًا في ترجيح كفة أي طرف.

تكتيك جديد

تعتمد المسيّرات في السودان على مزيج من المهام، تبدأ بالاستطلاع وتنتهي بالهجوم. فهي تُستخدم أولًا لرصد تحركات الخصم داخل المدن وفي الصحاري الممتدة ، ثم تُوظّف لاحقًا لتنفيذ ضربات سريعة ضد أهداف محددة، مثل مخازن السلاح أو التجمعات العسكرية.

هذا التكتيك منح الأطراف المتحاربة مرونة كبيرة، خصوصًا في بيئة جغرافية معقدة يصعب فيها استخدام الأسلحة الثقيلة دون خسائر جانبية واسعة. كما سمح بتقليل الاعتماد على القوات البرية، التي تواجه تحديات كبيرة في الحركة بسبب القتال في مساحات جغرافية مكشوفة.

تفوق نسبي

تشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات المسلحة السودانية تمتلك تفوقًا نسبيًا في نوعية المسيّرات، حيث يُعتقد أنها تستخدم نماذج أكثر تطورًا من حيث المدى والدقة. في المقابل، تعتمد قوات الدعم السريع على عدد أكبر من المسيّرات الصغيرة، التي تُستخدم بكثافة في الهجمات الخاطفة.

هذا التباين خلق نوعًا من التوازن غير المستقر: جودة مقابل كثافة. فبينما تستطيع المسيّرات المتطورة تنفيذ ضربات استراتيجية، تملك المسيّرات الصغيرة قدرة على الإرباك المستمر واستنزاف الخصم.

أرقام مقلقة

تكشف البيانات المتاحة عن تصاعد مقلق في استخدام المسيّرات. ففي النصف الأول من عام 2025 وحده، تم توثيق نحو 400 هجوم جوي ومسيّر، وهو رقم يعكس تسارع الاعتماد على هذا السلاح. ومع استمرار التصعيد خلال 2026، يُقدّر أن إجمالي الهجمات قد تجاوز ما بين 700 إلى 1000 حادثة موثقة.

أما من حيث الخسائر البشرية، فتشير التقديرات إلى أن ما بين 900 و1000 شخص لقوا حتفهم خلال آخر ثلاثة أشهر فقط نتيجة ضربات المسيّرات، في ظل غياب إحصاءات دقيقة وشاملة. هذه الأرقام، رغم تحفظها، تعكس حجم التأثير الإنساني المتزايد.

تصاعد كبير

وقالت د. منى عبد الفتاح في مقال نشرته في “اندبندنت عربية ” إن الطائرات المسيّرة شكّلت منذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023 تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، إذ نقلته من مواجهة تقليدية إلى حرب تكنولوجية منخفضة الكلفة وعالية التأثير، وجعلت من المجال الجوي ساحة حاسمة لا تقل ضراوة عن الأرض.

 

وأضافت عبد الفتاح، المختصة في العلوم السياسية والاستراتيجية، أن الجيش السوداني استطاع عبر توظيف مسيّرات متقدمة، على رأسها مهاجر-6، تحقيق ميزة عملياتية واضحة مكّنته من تنفيذ ضربات دقيقة وتعويض محدودية انتشاره البري، في حين اعتمدت قوات الدعم السريع على مسيّرات خفيفة ومرنة كأداة استنزاف نفسي ولوجيستي تستهدف توسيع نطاق التهديد خارج مناطق الاشتباك المباشر.

 

وأشارت إلى أن بيانات  بيانات مواقع وأحداث الصراع المسلح تعكس هذا التباين، إذ تُظهر تفوقاً كمياً ونوعياً للجيش في استخدام المسيّرات مقابل استخدام محدود وأكثر تشتتاً من جانب الدعم السريع، بما يعكس اختلافاً في العقيدة القتالية بين الطرفين.

 

ولفتت إلى أن هذا التحول ارتبط بدعم خارجي، إذ زوّدت إيران الجيش بمسيّرات  متطورة وذخائر موجهة، بينما منحته تركيا طائرات بيرقدار TB2  قدراته الهجومية، الأمر الذي أسهم في إعادة تشكيل موازين القوى الميدانية.

 

ورأت أن التصاعد الكبير في استخدام الطائرات المسيّرة خلال عام 2025، وما صاحبه من ارتفاع في عدد الهجمات والضحايا، يؤكد أن هذا السلاح بات عنصراً مركزياً في إدارة الصراع، وأداة حاسمة في رسم مساراته المستقبلية.

محدودية الأثر

ويتفق الخبير الأمني صلاح الدين مرزوق مع عبد الفتاح في أن الطائرات المسيّرة منحت الجيش السوداني تفوقاً خلال الفترة الأخيرة، ومكّنته من الحد من تحركات الدعم السريع في مساحات واسعة ومهاجمة المدن، لكنه بحسب مرزوق تفوق غير مجدٍ، لأنه يحد من التحركات ولا يؤسس لنصر قريب.

ويوسّع الخبير الأمني صلاح الدين مرزوق قراءته لهذا التفوق، معتبراً أنه تفوق تكتيكي محدود الأثر الاستراتيجي، إذ يمنح الجيش قدرة على تعطيل تحركات الخصم وإرباك خطوط إمداده، لكنه لا يغيّر جوهر المعادلة الميدانية المعقدة التي تقوم على السيطرة البرية طويلة الأمد. ويرى أن الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة قد يغري صانع القرار العسكري بالاكتفاء بنتائج سريعة ومؤقتة، من دون الاستثمار الكافي في بناء تفوق بري مستدام قادر على حسم المعركة.

 

ويشير مرزوق في حديثه لـ” افق جديد”  إلى أن هذا النمط من القتال، القائم على الضربات الدقيقة عن بُعد، يظل رهيناً بجودة المعلومات الاستخبارية، وهي الحلقة الأضعف في أداء الجيش خلال الفترة الأخيرة، على حد تقديره. فالمسيّرات، مهما بلغت دقتها التقنية، تتحول إلى أداة عمياء إذا استندت إلى بيانات غير دقيقة أو متقادمة، وهو ما يفسّر – بحسب رأيه – تكرار حوادث الاستهداف الخاطئ التي طاولت منشآت مدنية وقوافل إنسانية، مستشهدا بحادثة مستشفى الضعين  التي راح ضحيتها مالايقل عن 63 مدنيا بينهم 13 طفل، بالإضافة الى تقارير سابقة عن قصف قافلة برنامج الغذاء العالمي..

عبء سياسي

ويضيف أن هذه الأخطاء لا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد لتقويض الشرعية الأخلاقية والسياسية للجيش في الداخل والخارج، خصوصاً في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بتوثيق الانتهاكات. كما أنها تمنح خصومه مادة دعائية فعالة، وتضعف من قدرته على كسب التعاطف الإقليمي والدولي.

 

ويحذر مرزوق من أن استمرار هذا النمط قد يفتح الباب أمام ضغوط وعقوبات دولية محتملة، لا سيما إذا ما ثبتت مسؤولية الجيش عن استهداف مرافق محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، مثل المستشفيات أو قوافل الإغاثة التابعة لجهات كـبرنامج الغذاء العالمي. ويرى أن مثل هذه السيناريوهات قد لا تضر بالجيش وحده، بل تمتد لتُحرج حلفاءه الإقليميين الذين يمدّونه بالتكنولوجيا العسكرية، وتضعهم تحت مجهر المساءلة الدولية.

وفي المحصلة، يخلص مرزوق إلى أن الطائرات المسيّرة، على رغم فعاليتها العملياتية، لا يمكن أن تكون بديلاً عن رؤية عسكرية شاملة، وأن الإفراط في الاعتماد عليها من دون إصلاح منظومة الاستخبارات وتكاملها مع العمليات البرية قد يحوّل هذا التفوق إلى عبء سياسي واستراتيجي أكثر منه رصيداً للحسم.

 

مدن منكوبة

كانت المدن الكبرى الأكثر تضررًا من هذا النمط الجديد من القتال. ففي العديد،  من المدن تحولت الأحياء السكنية إلى مسرح لضربات مفاجئة، بينما شهدت  أخرى سلسلة من الهجمات التي استهدفت مرافق حيوية، بما في ذلك مستشفيات ومراكز إيواء.

هذا الواقع خلق حالة من الرعب الدائم بين المدنيين، الذين لم يعد بإمكانهم التنبؤ بمصدر الخطر أو توقيته. فالمسيّرات، بخلاف الطائرات التقليدية، لا تُسمع غالبًا إلا في اللحظات الأخيرة، ما يجعل احتمالات النجاة محدودة.

تُعد الكلفة الإنسانية لحرب المسيّرات من أخطر تداعياتها. فالضربات التي يُفترض أن تكون دقيقة، غالبًا ما تصيب أهدافًا مدنية، إما بسبب أخطاء في تحديد المواقع أو نتيجة لاستخدام معلومات استخباراتية غير دقيقة. وقد أدى ذلك إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا بين المدنيين، بينهم نساء وأطفال.

كما ساهمت هذه الهجمات في تدمير البنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء، ما فاقم من معاناة السكان في مناطق تعاني أصلًا من هشاشة الخدمات.

سلاح رخيص

من أبرز أسباب انتشار المسيّرات في النزاع السوداني هو انخفاض تكلفتها مقارنة بالأسلحة التقليدية. فبإمكان جماعات مسلحة، بل وحتى وحدات صغيرة، امتلاك هذا النوع من السلاح واستخدامه بفعالية. كما أن سهولة تهريب المكونات أو تصنيعها محليًا جعلت من الصعب السيطرة على انتشارها.

هذا العامل ساهم في “شعبوية الحرب”، حيث لم يعد التفوق العسكري حكرًا على الجيوش النظامية، بل أصبح في متناول أطراف غير تقليدية.

حرب نفسية

لا تقتصر تأثيرات المسيّرات على الجانب العسكري أو الإنساني، بل تمتد إلى البعد النفسي. فوجود طائرات صغيرة تحلق في السماء بشكل دائم يخلق حالة من التوتر المستمر بين السكان، ويؤثر على حياتهم اليومية.

كما تُستخدم هذه المسيّرات أحيانًا كأداة للترهيب، من خلال التحليق المنخفض أو تنفيذ ضربات استعراضية، بهدف كسر معنويات الخصم وإضعاف حاضنته الشعبية

أفق الصراع

في ظل هذا التحول، يبدو أن الحرب في السودان تتجه نحو مزيد من التعقيد. فالمسيّرات لا تُسهم فقط في إطالة أمد الصراع، بل تجعل من الصعب الوصول إلى حسم عسكري واضح. كما أن انتشار هذا السلاح يزيد من احتمالات انتقاله إلى أطراف أخرى، ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق النزاع.

وفي غياب تسوية سياسية، يُتوقع أن يستمر الاعتماد على المسيّرات، بل وأن يتطور استخدامها ليشمل تقنيات أكثر تقدمًا، مثل الذكاء الاصطناعي وأنظمة التوجيه الذاتي

خلاصة المشهد

حرب المسيّرات في السودان ليست مجرد فصل جديد في صراع قائم، بل هي تعبير عن تحول أعمق في طبيعة الحروب المعاصرة. فبينما تتراجع المواجهات المباشرة، يتقدم القتال عن بُعد، حاملاً معه مخاطر أكبر على المدنيين وتعقيدات إضافية أمام أي حل سياسي.

وفي هذا المشهد، تبدو السماء السودانية مفتوحة على احتمالات أكثر خطورة، حيث لم تعد الطائرات مجرد وسيلة دعم، بل أصبحت سلاحًا حاسمًا يعيد رسم ملامح الحرب نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى