
محمد أحمد الفيلابي
وليس للأمر أي علاقة بمُدافع الهلال والمنتخب القومي السوداني، ولاعب الشعب الأماراتي في سبعينات القرن الماضي، أثر قرار إيقاف النشاط الرياضي في أبريل 1976. ويا لـ(أبريل) وكوارث أبريل التي أفقدتنا الكثير، أمثال (محجوب عبد القادر الضب)، وقد ظن البعض أن لقب صديقي (عماد) الذي يلعب في ذات الخانة من الملعب يعود إليه. بيد أن الحكاية يفسرها إكمال الجملة بيني وبينه مع ضحكة لم تمت عبر عقود من الزمن..
ــ الضب يومو أسوداً مِتْل السجم آاا يُمًه.
والدعاء بسواد اليوم عادة ما يقترن بحدث مفاجئ، أو فعل غير منتظر ممن يوجه إليه الدعاء، إذ ما كان للضب أن يقفز من فم الزير ذلك النهار إلى داخل فستان الفتاة التي كانت بصدد غسل الزير لاستقبال الماء الجديد، لولا أنه تفاجأ، مثلما تفاجأت، وعقدت الدهشة لسان صديقي الذي رأى ما لم يكن يتوقعه من ردة فعلٍ كانت هي الطريقة الوحيدة للتخلص من الضب الـ(يومو أسود).
في ثقافتنا المحلية نصبغ الأيام باللونين الأبيض والأسود، مثلما نبرع في إلحاق الصفات بأطرافنا، فنقول عن اليد أنها طويلة، أو خفيفة، أو لاحقة، وعن (الكراع) أنها خضراء ولينة، أو ناشفة. وباردة وحارة، واللسان سليط وتقيل خفيف. ولو أن لسان صديقي أو لساني كان خفيفاً، لعرف الجميع بأصل حكاية اللقب.
ولكن.. لماذا نخاف من الضب، ولم يثبت قط أنه قام بإيذاء أحدهم، أو إحداهن، فالنساء أكثر مخافة وفزعاً من رؤيته، دع عنك القفز في ملابسهن، حتى أن تلك الفتاة فعلت أمام صديقي ما دعاه بعد شهور من الحادثة لأن يتقدم لخطبتها ليكفّر عن إطلاعه على ما يجوز أن يطلع عليه، وليرفع عنها الحرج، لكنه وجد أن هناك من سبقه إلى طلب يدها، فآل على نفسه أن لا تقع عينه في عينها طوال العمر.
رهاب الضب هو نوع من أنواع فوبيا الحيوانات (الزوفوبيا)، يتميز بخوف شديد غير عقلاني، وغير مبرر من الضب، غالباً ما يترافق مع أعراض مثل زيادة ضربات القلب، الذعر، التعرق، والدوار، وهو نفور ناتج عن شكله وخشونة ملمسه، وينبع هذا الخوف غالباً من الأساطير الشعبية والمعتقدات التي تربطه بالجن، حتى أن البعض يردد مقولة (الضب خصيم الرب).
هل هي الصدفة أم ماذا، إذ نشرت لي صحيفة العربي الجديد قبل ست سنوات من إندلاع الحرب (آخر الكوارث الأبريلية) مقالاً بعنوان محنة الضب بين الدين والعلم (15 أبريل 2017)، عن الحرب المستعرة وقتها حول حق الضب في الحياة. وجاء ذلك بعد مقال علمي حول دور الضب في حفظ التوازن البيئي، كتبه البروفيسور محمد عبد الله الريح المدير الأسبق لمتحف التاريخ الطبيعي، ذلك قبل أن تخمد نار الحرب المستعرة بسبب الكشف عن ممرات تهريب العقارب السودانية، ومرارة التعاطي مع مثل هذه القضايا على المستويين الرسمي والشعبي، في مقابل تحذيرات خبراء البيئة من كوارث إهدار الموارد، وانتهاكات النظم البيئية. ها هي حرب أخرى تستعر في السودان حول حق الضب في الحياة.
ذكرت يومها أنه “في الجانب الآخر، وقف خطيب في أحد مساجد العاصمة يتندر ساخراً من المقال. بَنى الخطيب هجومه على ما جاء في الأثر (ما يُروى عن الرسول) من وجوب قتل الضب. أما دفاع البروف فقد بناه على إثراء الضب الحياة الفطرية، إلى جانب دوره الكبير في مكافحة الحشرات الليلية خصوصاً.
الناس في تعاملهم مع الضب ألوان ومذاهب، فالبعض يأكله، والبعض لا يطيق مجرد رؤيته، وآخرون ينسجون حوله الحكايات والأساطير، منها ما هو صحيح وواقعي، ومنها ما هو قريب من أسطورة التنين. ومن أهل البادية من يؤمن أنّ الضب غالباً ما يكون مسكوناً بالجن، ويستشهد البعض في هذا السبيل بتقنيته الخاصة في الدفاع عن نفسه عند تعرضه للخطر، إذ يتخلى عن ذيله كنوع من التمويه ريثما يفر بعيداً. والرأي العلمي يقول إنّها ردة فعل عصبية تكون مختزنة وموجودة داخل الذيل، فتحدث ترددات عصبية كهربية تحرك الذيل قليلاً، ثم يتوقف بعد استهلاك الطاقة فيه. وهذه واحدة من عدة وسائل للحماية وفقاً لنوع الضب وبيئته.”
حرب أخرى تدور دون (إعلان) لوقف إطلاق الشائعات، حول إن كان أكله حرام أم حلال! والمعنِي بالأكل هنا ليس الضب الذي يشاركنا بيوتنا ويقتات على الحشرات التي تؤرق نومنا، بل ضب الصحراء الكبير الحجم، والذي يسمى السحلية شوكية الذيل، وهو حيوان بيّوض يعيش في الصحراء والبراري، شكله الخارجي يكاد يشبه التمساح أو الديناصور عندما ينتصب. يصل طول الضب إلى 85 سم عندما يكتمل نموه، وهو الذي يقال أن النبي قال عنه أنه “لا آكلهُ ولا أحرِّمهُ”. أما ذكر جحر الضب في الحديث الآخر “ستتبعون الكافرين حتى في ما هو قبيح ومهلك، حتى في ما لا يعقل أن يقلّد، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه”.. (ألا يحدث ذلك وأكثر منه الآن؟). وقد ذكر الجحر لشدة ضيقه ورداءته، ونتن ريحه وخباثته. بيد أنه نوع من أنواع التكيّف مع البيئة، فعلى الرغم من صعوبة المعيشة في الصحراء الحارة إلا أننا نجد الضب يتكيف بالمعيشة فيها، فنجده يستوطن السهول المنبسطة ذات التربة الصلبة حيث يحفر جحوراً متعرجة قد تمتد سطحياً إلى ثلاثة أمتار وإلى عمق مترين تحت سطح التربة. ومن الضبان ما يبدل لونه على مدار اليوم اتقاءً للحر. ويجنح الضب إلى البيات الشتوي لأنّه من الزواحف المتغيرة الحرارة.
يولع أهل البادية بهواية صيد الضبان وأكل لحومها فنجد بعضهم يبحثون عنها ويلقون المشقة عندما تتوسط الشمس في كبد السماء مستغلين معرفتهم بطباع الضب ألا وهي النسيان وعدم الهداية لمكان الجحر، حيث يضرب أهل البادية به المثل في الحيرة، فنجده لا يحفر جحره إلا عند صخرة أو شجيرة لئلا يضل طريقه، ولا يبتعد عن الجحر كثيراً، فيجد الصياد نفسه مجبراً على التحرك بسرعة حتى يصل إلى الضب قبل دخوله جحره.
ويعتبر الورل العدو التقليدي للضب، ويطلق عليه أسم مراقب الصحراء، وهوآكل للحوم، فنجده يتغذي على الثعابين والطيور والقوارض، وطبقا لشهادة البدو فإن الورل يمكنه أن يهزم عدوه الضب في ثلاث من مجموع أربع معارك من معاركهم الضارية، والتي تشبة المصادمات بين وحشين من وحوش قبل التاريخ. ويمتلك الورل أسناناً يستطيع بها تسديد عضات أكثر إيلاماً من تلك التي يحدثها الضب. ويقول البدو أن عضة الورل سامّة (مجلة بيئتنا – الهيئة العامة للبيئة – العدد 46).
إن كان (الضب.. محجوب) قد أجبر على الهجرة على أثر ذلك القرار المتهوّر، فإن ضب المنازل وضب الصحراء قد كتبت عليهما منازلة التفسير الخاطئ للأحاديث الدينية، وأهواء الصيد، حتى باتت الضبّان (الجمع) مهددة بالانقراض. وحتى (الضب المهندس) الذي تجده يسير على الحيطان ويقوم برفع رأسه وخفضه يمنة ويسرة باستمرار ،كأنه يتأكد من استقامة البناء كما يفعل مهندس الانشاءات، بات لا يقوى على ممارسة حياته الطبيعية في ظل تزايد المهددات البيئية الناجمة عن قطع الغابات وتجريف موائل الطيور آكلة اللحوم، فتهددت حياته أكثر، حتى بات حاله كما في المقولة..
ــ الضب يومو أسوداً متل السجم.
يدّعي البعض أنّ الدعوة للحفاظ على البيئة (خروج عن الملة). لكن، في حكايات التدخل المباشر للبشر في الأنظمة البيئية دروس وعبر، فما بال هؤلاء يتركون الفيل ليطعنوا في ظله؟
ونلتقي في حكاية جديدة من بيئتي