
أفق جديد
شرعت عدد من الدول في خطوات احترازية غير مسبوقة لمواجهة خطر تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، حيث أُدرج نحو 500 من قيادات التنظيم الحاملة لجوازات سفر دبلوماسية على تعميم أمني دولي يقيد تحركاتهم. وفي خطوة تصعيدية، أمهلت السلطات الموريتانية أبرز قيادات التنظيم 24 ساعة لمغادرة البلاد، بينهم قيادات إسلامية.
التحركات الموريتانية ليست إلا البداية، إذ تشير مصادر دبلوماسية إلى أن دولاً أخرى ستسلك خطوات مماثلة، أبرزها الإمارات العربية المتحدة التي يملك التنظيم استثمارات كبيرة فيها، إضافة إلى دول ذات وجود محدود للتنظيم مثل إثيوبيا وكينيا وتشاد ونيجيريا. هذه الإجراءات تتزامن مع إعلان عودة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، لتستأنف نشاطها من الخارج بتنسيق كامل مع المنظمات الدولية والإقليمية.
ووفقا لمصادر دبلوماسية أفريقية وغربية تحدثت لـ”أفق جديد”، فإن عودة لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في هذا التوقيت الحساس تمثل خطوة استراتيجية كبرى في إطار محاصرة تنظيم الإخوان المسلمين وتجفيف منابع تمويله. وتشير المصادر إلى أن اللجنة ستستفيد من التنسيق الكامل مع المنظمات الدولية والإقليمية لضمان فعالية إجراءاتها، بما يشمل جمع الأدلة، ومتابعة الأنشطة المالية للتنظيم، وتوثيق شبكة علاقاته على الصعيدين المحلي والدولي. وتضيف المصادر أن تحركات الدول تجاه قيادات التنظيم، بدءاً من موريتانيا ووصولاً إلى الإمارات ودول الجوار مثل إثيوبيا وكينيا وتشاد ونيجيريا، تؤكد وجود إرادة دولية موحدة لتضييق الخناق على التنظيم، ومنعه من استغلال الثغرات القانونية أو المنافذ الاستثمارية لتمويل أنشطته. وتشدد الدبلوماسيون على أن هذه الإجراءات ليست مؤقتة، بل تمثل بداية لمرحلة متقدمة من الرقابة الدولية على الإخوان، بهدف منعهم من العودة إلى النفوذ السياسي والمالي الذي سمح لهم بالتوسع في العقدين الأخيرين.
في الأيام الماضية، احتلت عودة نشاط لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة صدارة المشهد السياسي السوداني، بعد توقف دام أكثر من خمس سنوات. وقد تم تكليف عضو مجلس السيادة السابق، محمد الفكي سليمان، برئاسة اللجنة، في خطوة اعتبرها البعض استكمالاً لمهمة وطنية أُجهضت بانقلاب 25 أكتوبر 2021، ومرتبطة بتصنيف الإخوان المسلمين في السودان كجماعة إرهابية.
تأسست اللجنة وفق قانون تفكيك نظام الإنقاذ الذي أقره مجلس السيادة ومجلس الوزراء في 28 نوفمبر 2019، ونص القانون على حل حزب المؤتمر الوطني وحذف كل واجهاته السياسية، ومصادرة ممتلكاته، وملاحقة أعضائه قانونياً، بما في ذلك حل النقابات المهنية.
ترأس اللجنة في البداية الفريق أول ياسر العطا من المكون العسكري في المجلس، بينما يمثل المكون المدني محمد الفكي سليمان وعدد من أعضاء التحالف الذي قاد ثورة ديسمبر. وبعد انقلاب أكتوبر 2021، أصدر الجنرال عبد الفتاح البرهان قراراً بـ«تجميد» أعمال اللجنة، وألغت محكمة الاستئناف قراراتها تدريجياً، ما أوقف نشاطها بالكامل.
قرار اللجنة باستئناف نشاطها جاء بعد أيام من إعلان الولايات المتحدة تصنيف الحركة الإسلامية في السودان كـ«منظمة إرهابية»، وهو ما أثار تساؤلات حول توقيت القرار، لكنه وفق مقرر اللجنة وجدي صالح، كان محسوباً بدقة، مؤكداً أن اللجنة لن يبتزها أحد في شأن التوقيت. وأوضح صالح أن تصنيف الحركة الإسلامية قبل أميركا كان خطوة شعبية وسياسية حقيقية، وأن اللجنة ستتعاون مع جميع المؤسسات الإقليمية والدولية لتفكيك البنية التنظيمية للنظام السابق واسترداد الأموال المنهوبة.
صالح شدد على أن اللجنة هي «مهمة ثورية» و«ولدت من رحم ثورة ديسمبر المجيدة»، مستندة إلى القانون والدستور، نافياً أن تكون البندقية أو الضغوط الخارجية مصدر شرعيتها، بل إرادة الشعب السوداني. وأكد أن اللجنة تجمع المعلومات عن فترة ما قبل وبعد انقلاب 25 أكتوبر وحرب 15 أبريل، وتعمل على تفكيك شبكات التمكين خلال الثلاثة عقود الماضية، مشيراً إلى امتلاكها الآليات القانونية والعملية داخل وخارج السودان لضمان تنفيذ مهمتها بنجاح.
غير ان رئيس اللجنة المكلف عضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان كان له رايا آخر وهو يقول، إن إعلان استئناف عمل اللجنة جاء متزامناً مع متغيرات دولية وإقليمية مؤثرة على المشهد السوداني، سواء في مسار الحرب أو فرص السلام، مشيراً إلى أن قرار الإدارة الأمريكية بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية – الذراع السياسية للإخوان – كجماعة إرهابية يمثل نقطة تحول مهمة في مسار مواجهة التنظيم.
وأكد الفكي في حديث نشرته عدة وسائل اعلام محلية ودولية أن هذا التطور يحفّز اللجنة على العمل بشكل أكثر تنسيقاً مع المؤسسات الدولية، لمطاردة أموال الحركة الإسلامية التي تُستخدم في تأجيج الحرب واستمرارها داخل السودان، مشدداً على أن الهدف الأساسي هو تجفيف منابع التمويل لإضعاف قدرات التنظيم العسكرية والإعلامية.
وأشار إلى أن اللجنة عملت خلال الأشهر الماضية على إعادة بناء عضويتها بعد التشتت الذي شهده أعضاؤها نتيجة الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023، حيث يعمل جزء منهم من داخل السودان رغم التعقيدات الأمنية، بينما يواصل آخرون نشاطهم من الخارج عبر قنوات تواصل آمنة. وأضاف الفكي أن اللجنة بدأت بالفعل في استعادة ملفات فساد المنظومة الإخوانية المخزنة بسرية في مواقع مختلفة، تمهيداً لبناء قضايا قانونية متماسكة ضد قيادات التنظيم.
ونوّه الفكي بأن الأموال التي نهبتها الحركة الإسلامية خلال فترة حكم عمر البشير ساهمت في تفكيك البنية الاقتصادية للدولة، وزيادة الغبن المجتمعي في عدة أقاليم، وكان لذلك أثر مباشر في اندلاع النزاعات الداخلية، مشيراً إلى أن هذه الأموال يُعاد توظيفها اليوم لتأجيج الحرب الحالية ومنع أي مسار سياسي للانتقال المدني الديمقراطي.
مسارات تمويل
وكشف الفكي أن التنظيم يعتمد على عدة مسارات لتمويل الحرب، من بينها شراء السلاح للكتائب المساندة له مثل «البراء بن مالك» و«البنيان المرصوص» و«الفرقان»، بما في ذلك طائرات مسيّرة نوعية، إلى جانب تمويل غرف إعلامية لتأجيج خطاب الكراهية واستقطاب الشباب في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. كما تُستخدم الأموال في تحفيز المسلحين وتجنيد الشباب للقتال، مؤكداً أن قطع هذه الموارد سيضعف المنظومة بشكل مباشر على المستويات العسكرية والإعلامية.
وأشار الفكي إلى أن اللجنة تعمل حالياً مع مؤسسات دولية لملاحقة أموال الحركة الإسلامية، وأن تصنيفها كجماعة إرهابية يعزز التعاون الدولي والإقليمي ويجعل جهود اللجنة أكثر فاعلية. وأضاف أن اللجنة تمتلك ملفات جديدة تتعلق بما بعد انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، ومرحلة الحرب منذ أبريل/نيسان 2023، بما في ذلك التغيرات في سجلات الشركات والواجهات الاقتصادية وتحولات التحالفات السياسية، ما أدى لإعادة تشكيل شبكات المصالح الاقتصادية، وهي الآن مرصودة بالكامل لدى اللجنة وسيتم التعامل معها في إطار قانوني محكم.
وأبرز الفكي ملف تهريب الذهب بوصفه المورد الأهم الذي تعتمد عليه التحالفات المرتبطة بالحركة الإسلامية لتمويل الحرب، مؤكداً أنه في صدارة أولويات اللجنة خلال المرحلة المقبلة. ولفت إلى أن اللجنة ستبدأ مرحلة جديدة بروح عمل متجددة، وأعضاء أكثر نشاطاً، مع طاقة كبيرة لكشف شبكات الفساد والتمويل، بهدف فضح خطط التنظيم الإخواني في إبقاء السودان في حالة حرب وعدم استقرار، والعمل على تفكيك هذه المنظومة عبر أدوات قانونية ومؤسسية.
خطوة حاسمة
من جهته، يرى الأمين العام للجنة التفكيك، الطيب عثمان يوسف، أن قرار إعادة استئناف عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال العامة يمثل خطوة حاسمة في هذا التوقيت، ليس فقط لاستعادة موارد الدولة، بل أيضاً في ضوء التطورات الدولية المرتبطة بتصنيف الحركة الإسلامية في السودان كتنظيم إرهابي. وأكد يوسف أن هذا التصنيف يغيّر طبيعة التعامل مع ملف التمكين، وينقله من كونه قضية فساد داخلي إلى جزء من منظومة أوسع تتعلق بتمويل الإرهاب والأنشطة غير المشروعة العابرة للحدود.
وأشار إلى أن التجربة أثبتت أن منظومة التمكين التي أنشأتها الحركة الإسلامية لم تكن مجرد مشروع سياسي، بل بنية مالية واقتصادية معقدة تقوم على السيطرة على مفاصل الاقتصاد، وتوظيف شركات وواجهات مدنية ومنظمات ظاهرها قانوني وباطنها خدمة لأجندة تنظيمية مغلقة. هذه البنية لم تتفكك بالكامل بعد انقلابهم مع البرهان على الحكومة المدنية، بل أعادت تشكيل نفسها واستمرت في إدارة موارد ضخمة خارج الأطر الرسمية.
وأضاف يوسف لـ” أفق جديد” أن اللجنة، بوصفها الجهة الوطنية الأكثر امتلاكاً للأدوات المعرفية والعملية للتعامل مع الملف، راكمت قاعدة بيانات شاملة تتضمن قوائم دقيقة بأسماء كوادر التنظيم ومواقع سيطرتهم في مؤسسات الدولة، والشركات المرتبطة بشبكات التمكين، والمنصات الإعلامية التي تطيل أمد الحرب، والسجلات التفصيلية للواجهات التجارية والمنظمات والجمعيات المستخدمة كغطاء للأنشطة المالية غير القانونية، بالإضافة إلى المعلومات عن الأفراد المرتبطين بإدارة هذه الشبكات داخل السودان وخارجه. كما تشمل قاعدة البيانات خرائط حركة الأموال والتحويلات، والاستثمارات الخارجية والشراكات الخفية، ووثائق تثبت أنماط السيطرة على قطاعات حيوية مثل البنوك والموارد الطبيعية والتجارة.
وتتيح هذه المعطيات للجنة قدرة فريدة على دعم إنفاذ قرار التصنيف، من خلال تحويل المعلومات إلى أدوات قانونية قابلة للاستخدام على المستويين الوطني والدولي، عبر عدة مسارات رئيسية:
تتبع الأصول المالية المرتبطة بالحركة الإسلامية وكشف مواقعها داخل السودان وخارجه، بما يتيح اتخاذ إجراءات التجميد والمصادرة وفق الأطر القانونية.
تحديد الملكية الحقيقية للشركات والكيانات والمنصات الإعلامية التي تعمل كواجهات، وربطها تنظيمياً ومالياً بالبنية القيادية للحركة لتعزيز قوة الأدلة القانونية.
تحليل أنماط التحويلات المالية ورصد القنوات المستخدمة لإعادة تدوير الأموال أو توجيهها لأنشطة تؤدي إلى إطالة أمد الحرب أو زعزعة الاستقرار.
تزويد الجهات العدلية والرقابية والشركاء الدوليين المحتملين بملفات موثقة تسهم في تصنيف الكيانات والأفراد المتورطين ضمن شبكات تمويل الإرهاب وفق المعايير القانونية الدولية.
منع إعادة إنتاج هذه الشبكات في اقتصاد ما بعد الحرب عبر تفكيك البنية المؤسسية التي مكنتها من العمل، وتعزيز الشفافية والرقابة على الأنشطة الاقتصادية.
وختم الطيب يوسف بالتأكيد على أن المرحلة الراهنة تفرض واقعاً جديداً، إذ لم يعد المال المتأتي من شبكات التمكين مجرد فساد داخلي، بل أصبح محل تدقيق ومساءلة ضمن منظومة دولية لمكافحة تمويل الإرهاب. وأوضح أن اللجنة، من خلال قرار استئناف نشاطها، تؤكد أن دورها لا يقتصر على استرداد الأموال المنهوبة، بل يمتد إلى تجفيف منابع التمويل التي أسهمت في إدامة الصراع، ووضع الأسس لاقتصاد وطني خالٍ من التشوهات البنيوية التي خلفها نظام الإخوان. كما جددت اللجنة التزامها بالعمل وفق سيادة القانون، مستندة إلى المعلومات والخبرات التراكمية لتحقيق هدف استراتيجي واضح: تفكيك سيطرة الإخوان على مؤسسات الدولة، تفكيك البنية المالية للحركة الإسلامية، محاسبة المتورطين، واستعادة حقوق الشعب السوداني، والمساهمة في بناء دولة قائمة على العدالة والاستقرار.
محاصرة دولية
وفي سياق متصل، بدأت تحركات دولية وإقليمية لتفكيك بنية تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، وفق ما نشر القيادي في الحركة الشعبية شمال، عمار نجم الدين، على صفحته في فيسبوك. وأوضح أن الساعات الأولى من صباح 17 مارس 2026 شهدت تنفيذ حزمة إجراءات منسقة على ثلاثة مستويات متزامنة: الغطاء الدبلوماسي، المنظومة المالية، والأذرع التنظيمية، ما أدى إلى تفكيك فعلي للبنية الموازية التي كانت تدير النشاط السياسي والعسكري خارج الأطر الرسمية.
أولاً: سقوط الغطاء السيادي وملاحقة الجوازات الدبلوماسية
في هذا الإطار، تم إصدار تعميم بيانات يشمل نحو 500 جواز دبلوماسي صادرة بصورة غير قانونية لصالح قيادات الحركة الإسلامية وكتيبة «البراء بن مالك» والتشكيلات الموازية، مع تطبيقه على المطارات الدولية والمنافذ الحدودية لدول الجوار الإقليمي، بينها كينيا، أوغندا، رواندا، إثيوبيا، جنوب السودان، تشاد، مصر، السعودية، الإمارات، والبحرين.
وكانت كينيا أول دولة نفذت القرار ميدانياً، حيث أصدرت Directorate of Immigration and Citizen Services توجيهات عاجلة لتشديد فحص الجوازات الدبلوماسية بالتنسيق مع National Intelligence Service (NIS) لتعقب الأسماء المدرجة ومنع تنقلاتها بعد إدراجها ضمن نطاق الملاحقة الدولية.
ثانياً: نفاذ التصنيف وضبط الأطر القانونية الدولية
في نفس اليوم، بحسب عمار دخلت حيز التنفيذ الإجراءات المرتبطة بتحديثات وزارة الخارجية الأمريكية، بما يشمل توسيع نطاق التصنيف على الكيانات والأفراد المرتبطين بالحركة الإسلامية وكتيبة «البراء بن مالك». وشملت الإجراءات تفعيل القيود المالية والتنظيمية على القيادات الرئيسية، وعلى رأسهم علي أحمد كرتي، حيث تم تحديث القيود لتشمل حظراً مالياً شاملاً، تجميد الأصول، وتعطيل أي تعاملات مالية مرتبطة به داخل النظام المصرفي الدولي.
ثالثاً: تجفيف المنظومة المالية واستهداف البنوك المرتبطة
بالتوازي، تم تنفيذ إجراءات مالية مباشرة داخل النظام المصرفي الدولي، حيث أصدرت بنوك كبرى مثل HSBC و BNP Paribas تعاميم داخلية بتاريخ 17 مارس 2026 لتجميد أي أصول أو تحويلات مرتبطة بالأسماء المدرجة في قوائم OFAC المحدثة.
وشملت الإجراءات وضع بنك الخليج Alkhaleej Bank Co Ltd تحت مراقبة صارمة وتجميد حساباته التشغيلية في مراكز مالية رئيسية، مع ملاحقة الشخصيات المرتبطة به، أبرزهم مصطفى إبراهيم عبد النبي محمد، لارتباطه بتسهيل المعاملات المالية وتوفير غطاء مصرفي للأنشطة الخارجية. كما طالت الإجراءات كيانات إضافية مثل Zadna International و Defense Industries System ضمن إطار تفكيك البنية المالية المرتبطة بالتنظيم.
رابعاً: شلل الحركة المالية الإقليمية
أدت الإجراءات التنفيذية إلى تعطيل مباشر في حركة التحويلات العابرة للحدود المرتبطة بالشبكات المستهدفة، حيث تم تشديد الفحص المسبق على العمليات المالية في المراكز المصرفية الإقليمية، مما قلص قدرة هذه الشبكات على تحريك الأموال أو إعادة تدويرها. وتشير المعطيات التنفيذية ليوم 17 مارس إلى انتقال الإجراءات من مرحلة الإدراج والتصنيف إلى التنفيذ المباشر على الأرض، حيث سُحب الغطاء الدبلوماسي، وتقييدت الحركة المالية، وتعطلت الشبكات المرتبطة بها بشكل متزامن.
وما أشار إليه القيادي في الحركة الشعبية شمال، عمار نجم الدين، أكده دبلوماسي أفريقي رفيع تحدثت إليه مجلة أفق جديد، قائلاً إن الإجراءات التي ستتخذها الدول ضد تنظيم الإخوان المسلمين في السودان لن تقتصر على حدود وطنية، بل ستستهدف شبكات التمويل والأذرع التنظيمية والسياسية للتنظيم عبر الإقليم. وأوضح الدبلوماسي أن التنظيم يُعد من أخطر التنظيمات في الإقليم، وربما على مستوى العالم، بما يفرض تضافر الجهود الدولية والإقليمية لتجفيف مصادر تمويله، ووقف قدرته على النفوذ والتحرك بحرية.
وأشار إلى أن هناك مساعي لإنشاء غرفة إقليمية للتنسيق المشترك تعمل بالتعاون مع المنظمات السودانية المعنية، بهدف توظيف قرار تصنيف الولايات المتحدة الأمريكية للحركة الإسلامية كجماعة إرهابية، والاستفادة من هذا القرار لتوسيع نطاق الإجراءات القانونية والمالية ضد القيادات المرتبطة بالحركة. وأضاف أن الفرصة الحالية مواتية بشكل غير مسبوق لبدء العمل بهذا الإطار، خصوصاً بعد نجاح تنفيذ سلسلة إجراءات على الأرض في مارس 2026، والتي شملت سحب الغطاء الدبلوماسي وتجميد الأصول المالية، وتعطيل القنوات التي كانت تعتمد عليها الحركة في تمويل أنشطتها.
وعن التنسيق مع لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، التي أعلنت استئناف نشاطها رسمياً، أوضح الدبلوماسي أن اللجنة تمتلك كمية ضخمة من المعلومات التفصيلية حول التنظيم وعلاقاته المالية، والاستثمارات الداخلية والخارجية، والشبكات التي استخدمها لضمان سيطرته على الاقتصاد والسياسة والإعلام. وأضاف أن هذه المعلومات تمثل أداة استراتيجية يمكن الاستفادة منها في استهداف البنية المالية للتنظيم، وقطع أوصال التمويل التي تغذي أنشطته السياسية والعسكرية.
اتصالات مرتقبة
وأكد الدبلوماسي أن اتصالات مرتقبة بين الدول المعنية وقيادات اللجنة سيتم ترتيبها قريباً، وأن هذا التنسيق يعتبر أحد الأعمدة الأساسية لإغلاق الثغرات التي كان التنظيم يستغلها دولياً وإقليمياً. وأوضح أن هذه الخطوة لم تبدأ بعد، لكنها تمثل أولوية قصوى في مسار محاصرة التنظيم، مشدداً على أن الجمع بين الإجراءات الدولية، والمراقبة المالية، والتنسيق مع لجنة التفكيك سيحدث أثراً مضاعفاً في الحد من قدرة الإخوان على التحكم بالموارد واستغلال الأوضاع السياسية والاقتصادية في السودان.
وأضاف أن التنسيق الإقليمي يهدف إلى توحيد الجهود وتبادل المعلومات بين الدول والمنظمات المعنية بمكافحة الإرهاب والتمويل غير المشروع، بما يعزز من قدرة الأجهزة الرقابية والقضائية على تطبيق قرارات التصنيف، وتجميد الأموال، وملاحقة القيادات التنفيذية للتنظيم، وخلق بيئة قانونية واقتصادية تمنع إعادة إنتاج هذه الشبكات في المستقبل.
وختم الدبلوماسي بالتأكيد على أن نجاح هذه الخطوات يعتمد على تعاون شامل بين الحكومات الإقليمية والدولية ولجنة التفكيك، مع الحفاظ على سرية المعلومات واستراتيجية العمل، بما يضمن أن أي تحرك للتنظيم سيواجه عقبات قانونية ومالية مباشرة تمنعه من إعادة بناء بنية تمكين جديدة.
أسئلة بلا إجابات:
وفيما لم ترد الخارجية المورتانية على أسئلة “أفق جديد” بشأن قرار السلطات بابعاد مجموعات من السودانيين وما اذا كان القرار على صلة بمجهودات مكافحة الإرهاب أثارت القرارات قلقاً واضحاً داخل تنظيم الإخوان في السودان، حيث بدا القيادي بالمؤتمر الوطني المحلول، د. إبراهيم الصديق، متأثراً بالسرعة والمفاجأة التي جاءت بها الإجراءات، وسارع إلى اتهام دولة الإمارات العربية المتحدة بأنها وراء القرار، معتبراً أن هناك ضغوطاً خارجية تمارس على السلطات المورتانية للتضييق على السودانيين العاملين في قطاع التعدين الأهلي..
وفي الوقت نفسه، لم يشر د. إبراهيم إلى أي صلة مباشرة للإسلاميين الذين يمثلهم بالقرارات الخاصة بالترحيل، إلا أن مصادر موريتانية كشفت أن المبعدين ينتمون إلى الإطار الإسلامي أو لهم علاقة بالاستثمارات التابعة للحركة الإسلامية، مشيرة إلى أن قرارات الإبعاد شملت أبرز قيادات التنظيم.
وقال د. إبراهيم الصديق في تدوينة على حسابه على فيسبوك إن ردود الفعل تصاعدت خلال الأيام الماضية على قرار السلطات الموريتانية بمنع الأجانب من ممارسة التنقيب الأهلي عن المعادن، وبدء ترحيل بعض المخالفين، في حين غادرت مجموعات أخرى طوعاً.
وأشار د. الصديق إلى أن لجنة إنقاذ التعدين الأهلي في موريتانيا كانت قد طالبت سابقاً بحظر التنقيب على الأجانب، مؤكداً أن هناك عدة عوامل وراء القرار، منها المنافسة الداخلية بين العاملين في قطاع التعدين الأهلي، إلى جانب دخول شركات روسية إلى هذا المجال، مما زاد من حدة المنافسة على الموارد.
ولفت إلى أن السودان يأتي في مقدمة الدول المنقبة في موريتانيا، يليه كل من مالي والسنغال والهند، موضحاً أن القرار الأخير جاء بشكل مفاجئ، حيث حددت السلطات مهلة ساعة لإنهاء الأعمال، رغم أن أغلب العاملين يحملون إقامات سارية المفعول، وأن هناك أكثر من 130 طاحونة و7 مصانع مملوكة للسودانيين تعمل في هذا القطاع.
وأكد د. الصديق أن هناك اتصالات ومتابعات بين لجان المنقبين السودانيين قد تؤدي إلى التوصل إلى حلول ومعالجات تحفظ مصالح العاملين في التعدين الأهلي، مع الحفاظ على حقوق المستثمرين والعمالة السودانية في هذا المجال الحيوي، مشيرا الى ان بعض المعدنيين اتهموا دولة الامارات بانها خلف القرار..:
مواجهة حاسمة
في المحصلة، تؤكد التطورات الأخيرة أن السودان يشهد مرحلة حاسمة في مواجهة منظومة الإخوان المسلمين واستعادة الدولة لسيطرتها على مواردها الحيوية. استئناف عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، بالتوازي مع الإجراءات الدولية والإقليمية ضد التنظيم، يشكل خطوة عملية واستراتيجية لتجفيف مصادر التمويل وضبط النشاطات غير القانونية داخلياً وخارجياً، مع تعزيز القدرة على متابعة القيادات والشبكات المرتبطة بالحركة على المستويين المالي والتنظيمي.
التحركات الأخيرة، بدءاً من تجميد الأصول المالية والمراقبة المصرفية، وصولاً إلى سحب الغطاء الدبلوماسي وملاحقة القيادات المرتبطة بالتنظيم، تظهر أن التنسيق بين الجهات الوطنية والدولية أصبح عنصراً أساسياً في فعالية هذه الإجراءات. وتوفر المعلومات والبيانات المتاحة لدى لجنة التفكيك قاعدة قوية لتحويل هذه الإجراءات إلى أدوات قانونية ملموسة، تمكن من تطبيق القرارات على الأرض بشكل يضمن السيطرة على الموارد واستدامة النتائج.
كما تعكس هذه المرحلة أن جهود محاصرة التنظيم لا تقتصر على جانب واحد، بل تشمل مكافحة التمويل، تفكيك البنية التنظيمية، وإحكام الرقابة على المؤسسات الاقتصادية والسياسية التي كانت تُستغل لصالحه. وهذا يعزز قدرة السودان على إعادة ترتيب أولوياته الوطنية، وتأمين قطاعاته الاقتصادية، وحماية مصالح المواطنين والمستثمرين، بما يفتح المجال أمام مؤسسات الدولة لممارسة عملها بحرية وفعالية ضمن إطار القانون.
بالتوازي، تشير هذه التحركات إلى أن السودان أمام فرصة لإرساء قواعد عمل واضحة وشفافة، وتطوير منظومة قانونية وإدارية قادرة على منع إعادة إنتاج شبكات التمكين السابقة، الأمر الذي يضع الأساس لإستعادة الاستقرار السياسي، وضمان إدارة موارد الدولة بشكل يحقق التنمية الشاملة ويعزز سيادة القانون.