
الفكرة القائلة بأن المليشيات الإسلامية ستصبح أكثر تجذّرًا داخل القوات المسلحة السودانية من المرجح أن تثير مزيدًا من القلق داخل السودان وخارجه، لا أن تطمئنه.
…..
بقلم: ويلي فوتري
أفاد الفريق أول ياسر العطا، عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة السودانية، يوم السبت بأن هناك ترتيبات جارية لإعادة هيكلة آليات تنظيم ودمج القوات المساندة داخل القوات المسلحة، وذلك وفقًا لما أوردته منصة “سودان هورايزن”. ومن المرجح أن العطا كان يعتقد أن هذا الإعلان سيطمئن الشعب السوداني والمجتمع الدولي، وربما يشير إلى تنظيم أكثر انضباطًا. غير أن فكرة ترسيخ المليشيات الإسلامية بشكل أعمق داخل القوات المسلحة من المرجح أن تثير القلق داخل السودان وخارجه. ويزيد من تعقيد المشهد أن إعلان العطا جاء مباشرة بعد قيام وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية هذا الأسبوع.
إن دمج العطا لمليشيات إسلامية ذات التزام أيديولوجي داخل القوات المسلحة يعزز التيارات المتشددة التي تفضل استمرار الحكم العسكري، وقد تعارض أي تقاسم للسلطة أو إصلاح في القطاع الأمني. ووفقًا لتقرير لرويترز، فإن عودة الفصائل الإسلامية بدأت قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، خلال فترة كانت فيها عملية الانتقال نحو الحكم المدني تنحرف عن مسارها. وكانت هذه الفصائل قد رسخت جذورها بعمق في أجهزة الحكم والجيش خلال ثلاثة عقود من حكم البشير. وعندما نفذ قائد القوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان انقلابًا بعد عامين من الإطاحة بالبشير في 2019، فقد اعتمد بشكل كبير على دعم هذه الفصائل. وبالفعل تُنسب إلى المليشيات الإسلامية مساهمة في مساعدة البرهان والقوات المسلحة على استعادة الخرطوم.
وعلّق كاميرون هدسون، الزميل البارز في برنامج أفريقيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، قائلاً: “إن مجرد دمج المقاتلين الإسلاميين في الجيش لا يمكن أن يكون الحل الكامل. نعم، يجب تفكيك هذه المليشيات، لكن القوات المسلحة متهمة أصلًا بوجود اختراق إسلامي. وإذا كانت تريد تبديد هذه المخاوف، فإن إضافة مزيد من الإسلاميين لن تحقق ذلك. هذا هو الوقت المناسب لاستخلاص الدروس وطلب المشورة من دول واجهت تحديات مماثلة، إذا كانت هناك نية حقيقية لقطع الصلة بالماضي وفتح طريق جديد نحو السلام الداخلي.”
إن التحالف التكتيكي للبرهان مع القوى الإسلامية، بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين، يمثل مصدر قلق للمجتمع الدولي والوسطاء، وعلى رأسهم الولايات المتحدة. فالبرهان يعتمد على هذه المليشيات والشبكات لتوفير المقاتلين وتدريب المتطوعين والوصول إلى الموارد الاقتصادية، بينما ترى هذه القوى الإسلامية في البرهان والحرب فرصة للعودة إلى السلطة بعد سقوط البشير.
ومع ذلك، هناك تحليلات متزايدة تشير إلى أن البرهان نفسه ربما كان منخرطًا خلف الكواليس في مسألة تصنيف الإخوان المسلمين. إذ يجد نفسه في موقف متزايد الصعوبة، في ظل ضغوط دولية بسبب اتهامات بارتكاب القوات المسلحة انتهاكات، ويعتقد بعض المعلقين أنه ربما عقد صفقة غير معلنة للحصول على ضمانات، سواء لمغادرة السودان بأمان إذا لزم الأمر، أو لتجنيب نفسه وجيشه إدراجهم في جولات أخرى من العقوبات. وفي المقابل، تحقق الولايات المتحدة هدفها في التصنيف في وقت تحتاج فيه إلى التعامل بحزم مع وكلاء إيران، بينما يحصل البرهان على الضمانات التي يسعى إليها. وكما قال أحد محللي الشؤون الأفريقية: “إن الدوافع والتوقيت لمثل هذه الصفقة كانا مناسبين للطرفين.” وفي نهاية المطاف، بدأت تظهر تصدعات في العلاقة بين البرهان والمليشيات الإسلامية التي يعتمد عليها.
ويرى مسؤولون أمريكيون وتحليلات سياسية أن الحركة الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين في السودان تمثل تهديدًا أمنيًا ومصدر قلق في مجال مكافحة الإرهاب، مشيرين إلى دورها في إطالة أمد الحرب وتعزيز التطرف. وقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على شخصيات ومليشيات إسلامية سودانية (على سبيل المثال في عام 2025) بسبب عرقلتها للسلام وتعاونها مع الحرس الثوري الإيراني. كما صرّح ممثل لوزارة الخارجية الأمريكية أن واشنطن تعمل على الحد من “التأثير الإسلامي السلبي في حكومة السودان”، وربط ذلك بهجمات على المسيحيين وتراجع أوسع في الحريات الدينية منذ اندلاع الحرب في 2023.
كما وصف مبعوثون أمريكيون علنًا أن “القلق الأساسي” لديهم تجاه القوات المسلحة السودانية يتمثل في علاقاتها مع الإسلاميين المتشددين وإمدادات السلاح من إيران، مع الإقرار ببعض الخطوات التي اتخذتها القوات المسلحة للابتعاد عن أكثر العناصر تشددًا. وفي الوقت نفسه، دفع الكونغرس الأمريكي بمشروع “قانون تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية لعام 2025″، والذي يتناول صراحة هياكل الجماعة، بما في ذلك في السودان، مما يعكس الأهمية السياسية التي توليها واشنطن لهذا الملف.
في ظل كل هذا القلق الدولي، يبدو من غير المفهوم كيف يمكن للفريق أول ياسر العطا أن يعتقد أن المزيد من دمج المليشيات الإسلامية داخل القوات المسلحة قد يطمئن المجتمع الدولي، الذي يخشى أصلًا من النفوذ القوي للإخوان المسلمين في السودان ويرى أن تأثيرهم على البرهان يمثل عقبة رئيسية أمام جهود السلام.
أو ربما يكون العطا ببساطة يبعث برسالة طمأنة إلى التيار الإسلامي داخل السودان بأن مكانهم في رؤية القوات المسلحة لمستقبل البلاد آمن، وفي الوقت نفسه يبعث بإشارة إلى العالم بأن نظام البرهان ماضٍ في طريقه الخاص، حتى لو كان ذلك على حساب فرص تحقيق السلام.
…..
ويلي فوتري
هو مؤسس منظمة حقوق الإنسان بلا حدود (بلجيكا). شغل سابقاً منصب القائم بأعمال البعثة في وزارة التربية الوطنية البلجيكية والبرلمان البلجيكي، وهو مدير منظمة حقوق الإنسان بلا حدود، وهي منظمة غير حكومية مقرها بروكسل أسسها عام 2001. وهو أحد مؤسسي لجنة راؤول فالنبرغ (بلجيكا).