العقوبات الدولية واثرها في تفكيك نظام الاسلامويين في السودان

لواء شرطة (م) د. عصام الدين عباس احمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات
issamabbas61@yahoo.com
مدخل
تحولت العقوبات الدولية المفروضة على نظام الاسلامويين في السودان، ومع مرور الوقت، من مجرد أدوات ضغط خارجي ذات طابع سياسي، إلى عامل بنيوي أعاد تشكيل الدولة السودانية نفسها، اقتصادياً وسياسياً ومؤسسياً. فمنذ أوائل التسعينيات، دخل السودان في دائرة متصاعدة من العزلة المالية والمصرفية، خاصة بعد إدراجه في قائمة الدول الراعية للإرهاب وفرض حظر شامل على تعاملاته الاقتصادية. هذه العزلة أدت إلى تقييد حركة الدولة في النظام المالي العالمي، ودفعتها إلى تطوير أنماط بديلة وغير رسمية لإدارة الاقتصاد، ما أفضى إلى صعود مراكز قوى جديدة خارج الأطر المؤسسية التقليدية. وفي هذا السياق، يصبح فهم مسار العقوبات وتأثيراتها أمراً ضرورياً لتفسير كيف انتقل النظام من حالة التماسك الظاهري إلى التفكك التدريجي، وصولاً إلى لحظة الانهيار في عام 2019.
الإطار التاريخي للعقوبات الدولية على السودان ( 1989 – 2019)
شكلت العقوبات الدولية على السودان خلال فترة حكم الاسلامويين نهجا متعدد الطبقات تطور على مدى ثلاثة عقود، استجابةً لمتغيرات سياسية وأمنية داخلية وخارجية. يمكن تقسيم هذا الإطار الزمني إلى ثلاث مراحل رئيسية، بدءاً من عقوبات رد الفعل على الانقلاب، وصولاً إلى نظام عقوبات صارم بسبب أزمتي الإرهاب ودارفور.
أولا: مرحلة ما بعد الانقلاب وبداية العزلة (1989-1993)
بعد انقلاب الثلاثين من يونيو 1989، كان الرد الدولي الأولي سريعاً، خاصة من الجهات المانحة الغربية. ففي عام 1990، قامت الولايات المتحدة بتعليق جميع المساعدات غير الإنسانية. وفي نفس العام، حذا حذوها الاتحاد الأوروبي (المجموعة الأوروبية آنذاك) بتعليق المساعدات التنموية، كعقوبة على الانقلاب العسكري وقلب نظام الحكم الديمقراطي. شكلت هذه الخطوات البداية الفعلية لعزل النظام الجديد عن المحافل الدولية.
ثانيا: رعاية الإرهاب والعقوبات الشاملة (1993-2004)
شهدت هذه المرحلة تصعيداً نوعياً في شدة العقوبات واتساع نطاقها، حيث قادت الولايات المتحدة هذا التحول بشكل واضح. ففي عام 1993 أدرجت السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ما ترتب عليه حظر المساعدات الاقتصادية غير الإنسانية، وتقييد تصدير الأسلحة والمواد ذات الاستخدام المزدوج، إلى جانب معارضة حصوله على قروض من المؤسسات المالية الدولية. ثم بلغت هذه العقوبات ذروتها في عام 1997 بإصدار الأمر التنفيذي رقم 13067 في عهد بيل كلينتون، والذي فرض حظراً اقتصادياً وتجارياً شاملاً شمل تجميد الأصول الحكومية السودانية وقطع جميع المعاملات المالية والتجارية مع الولايات المتحدة، وهو ما مثّل عزلاً شبه كامل عن النظام المصرفي الأمريكي. في المقابل.
ثالثا: العقوبات المتعلقة بالازمة في اقليم دارفور (2004-2011)
مع تصاعد النزاع في إقليم دارفور وازدياد الاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، دخل نظام العقوبات مرحلة جديدة اتسمت بتدويل الضغوط عبر مجلس الأمن وتشديد الإجراءات الأمريكية. فقد أصدر المجلس القرار 1556 عام 2004، فارضاً حظراً على تسليح الفاعلين غير الحكوميين ومطالباً الحكومة بنزع سلاح الميليشيات، ثم تبعه في عام 2005 القرار 1591 الذي وسّع حظر الأسلحة ليشمل جميع أطراف النزاع، وفرض عقوبات موجهة كحظر السفر وتجميد الأصول، إلى جانب إنشاء آلية رقابية لمتابعة التنفيذ. وفي السياق ذاته، أحال القرار 1593 ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، ما شكل ضغطاً قانونياً وسياسياً غير مسبوق على النظام. توازياً مع ذلك، صعّدت الولايات المتحدة إجراءاتها، حيث أصدر جورج بوش الابن في 2006 أوامر تنفيذية وسّعت العقوبات المستهدفة، أعقبها إقرار قانون سلام دارفور والمساءلة، ثم إدراج شركات ومسؤولين سودانيين إضافيين في قوائم العقوبات عام 2007، مع تشديد القيود على التعاملات المالية بالدولار. في المقابل، التزم الاتحاد الأوروبي نهجاً أكثر توازناً، فاقتصر على عقوبات موجهة ومتوافقة مع قرارات الأمم المتحدة، مع استمرار التركيز على المساعدات الإنسانية والوساطة السياسية دون اللجوء إلى حظر اقتصادي شامل.
رابعا: ما بعد الانفصال: تخفيف جزئي واستمرار العزلة (2011-2019)
بعد انفصال جنوب السودان في 2011، بدأت تلوح في الأفق بوادر تحول في السياسة الأمريكية. ففي عام 2017، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب رفع الحظر التجاري والاقتصادي الشامل عن السودان، مع الإبقاء عليه في قائمة الدول الراعية للإرهاب. كان هذا الرفع جزئياً وخطوة مشروطة، إذ استمرت القيود المصرفية الفعلية وظاهرة “إزالة المخاطر” من قبل البنوك العالمية، خوفاً من أي التزامات سابقة أو عقوبات ثانوية مرتبطة بقائمة الإرهاب. وبالتالي، بقيت العزلة المالية والمصرفية قائمة حتى بعد رفع الحظر، لتستمر معاناة الاقتصاد السوداني وتتفاقم الأوضاع التي قادت في النهاية إلى اندلاع الثورة في ديسمبر 2018 وإسقاط النظام في أبريل 2019.
التنفيذ الفعلي للعقوبات: الغرامات الدولية كأداة ضغط
لم تقتصر العقوبات على كونها نصوصاً قانونية أو أوامر تنفيذية، بل تحولت إلى واقع ملموس فرضته بقوة آليات التنفيذ الصارمة التي طبقتها الولايات المتحدة، خاصة عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) ووزارة العدل الأمريكية. تمثلت أبرز أدوات هذا التنفيذ في ملاحقة البنوك العالمية التي خالفت العقوبات، وفرض غرامات مالية ضخمة عليها، مما خلق بيئة من “الردع الشامل” أعادت تشكيل علاقة النظام المالي العالمي بالسودان.
فقد عكست حالات الغرامات المفروضة على البنوك العالمية بسبب انتهاكها للعقوبات على السودان مستوىً عالياً من الصرامة في التنفيذ الفعلي لهذه العقوبات، حيث لم تقتصر على القيود النظرية، بل طُبّقت عبر منظومة رقابية صارمة قادتها مؤسسات أمريكية مثل وزارة الخزانة الأمريكية ووزارة العدل الأمريكية. فقد تعرضت بنوك دولية كبرى، من بينها HSBC وBNP Paribas وStandard Chartered، لغرامات بمليارات الدولارات نتيجة تعاملها مع كيانات سودانية، سواء بشكل مباشر أو عبر وسائل التفاف مثل “cover payments” . وقد شكّلت هذه العقوبات، خاصة الغرامة القياسية على BNP Paribas في 2014، تحولا كبيرا وخالة من الهلع أرسلت إشارة قوية للنظام المصرفي العالمي بأن أي تعامل مع نظام الاسلامويين في السودان قد يعرّض المؤسسات لعقوبات قاسية يهدد وجودها، وهو ما أدى إلى التزام شبه كامل من البنوك العالمية بتطبيق هذه القيود.
ترتب على ذلك تحول جذري في سلوك البنوك الدولية من إدارة المخاطر إلى تجنبها بالكامل، حيث لم تعد المسألة تتعلق بتحسين إجراءات الامتثال، بل بقطع العلاقة مع النظام في السودان نهائياً. فقد سارعت البنوك الكبرى إلى إنهاء علاقات المراسلة مع البنوك السودانية، ما أدى فعلياً إلى عزلها عن النظام المالي العالمي وتعطيل قدرتها على إجراء التحويلات. كما أصبحت أي معاملة مرتبطة بالسودان عرضة للتجميد أو الرفض الفوري، في ظل ما يمكن وصفه بـ”ذعر الامتثال”. وفي الحالات النادرة التي استمرت فيها بعض المعاملات، خاصة ذات الطابع الإنساني، فُرضت إجراءات تدقيق معقدة وتكاليف عالية، دفعت العديد من البنوك إلى إغلاق الحسابات السودانية بالكامل. وبهذا، لم تكتفِ العقوبات بتقييد النشاط المالي، بل أسهمت في خلق عزلة مصرفية شبه تامة، انعكست بعمق على الاقتصاد الرسمي وأعادت توجيه الأنشطة نحو القنوات غير الرسمية.
التأثيرات البنيوية للعقوبات: إعادة تشكيل الدولة والاقتصاد
كشفت التجربة السودانية انذاك عن مفارقة معقدة في أثر العقوبات، فبينما استهدفت إضعاف النظام، وفّرت له في الوقت نفسه فرصة لتوظيف خطاب “الاستهداف الخارجي” لتعزيز تماسك قاعدته الداخلية، دون أن تنجح في إحداث تغيير سياسي مؤثر في العقدين الاولين من عمر النظام. فقد أدت هذه العقوبات إلى عزل السودان دبلوماسياً، لكنها دفعت النظام إلى إعادة توجيه بوصلته نحو شركاء بديلين في الشرق، كما ساهمت، بصورة غير مقصودة، في تعزيز هيمنة الأجهزة الأمنية على مفاصل الاقتصاد، وتحولت الدولة تدريجياً إلى نموذج أقرب لـ“الدولة التجارية الرأسمالية” التي تسيطر فيها شبكات أمنية على قطاعات استراتيجية مثل الذهب والنفط والاتصالات. وعلى المستوى الفني، لعبت سياسات العزل التي انتهجتها البنوك الدولية، تحت ضغط عقوبات قاسية من جهات مثل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، دوراً محورياً في محاصرة النظام مصرفياً ما أدى إلى قطع شبه كامل لوصول القطاع الرسمي إلى النظام المالي العالمي. غير أن هذه العزلة لم توقف النشاط الاقتصادي، بل أعادت توجيهه نحو قنوات غير رسمية مثل نظام الحوالة، الذي كان أكثر قابلية للسيطرة من قبل الأجهزة الأمنية مقارنة بالمؤسسات الرسمية. ونتيجة لذلك، برز اقتصاد موازٍ واسع النطاق قائم على التهريب والشبكات غير النظامية، وتراجعت الثقة في الجهاز المصرفي، بينما تعززت موارد الجهات الأمنية خارج الموازنة العامة. وقد أفضت هذه التحولات مجتمعة إلى تعميق التشوهات الاقتصادية، وتفاقم الفساد، وتآكل شرعية الدولة الاقتصادية، وهي عوامل تراكمت تدريجياً حتى انفجرت في شكل غضب شعبي واسع في ديسمبر 2018.
كيف ساهمت العزلة في احداث السقوط في 2019
أدت العزلة التي واجهها نظام الاسلامويين إلى أزمة اقتصادية شبه كاملة. فقد ارتفعت أسعار الخبز والوقود، وتفشت البطالة، مما أشعل شرارة الاحتجاجات في ديسمبر 2018. لم يستطع النظام تمويل الرواتب أو الخدمات، وضعفت قدرة الحركة الإسلامية على شراء الولاءات عبر الفساد. وحتى بعد رفع العقوبات جزئياً في 2017، استمر الضرر التراكمي، وانفجر الغضب الشعبي في ثورة أطاحت بالبشير.
إفقار الدولة وتراجع قدرتها على شراء الولاءات
أدى جفاف “سوق الولاء السياسي” الناتج عن العقوبات وفقدان إيرادات النفط إلى تقلص قدرة النظام على ممارسة “الزبائنية” وشراء ولاءات قادة المليشيات والقيادات الاهلية والمجتمعية. هذه الندرة المالية دفعت مراكز القوى للتنافس بشراسة على الموارد المتبقية، مما جعل قادة اللجنة الأمنية ينظرون للبشير كعبء مالي يمنع تدفق الاستثمارات الدولية، فقرروا التضحية به لضمان استمرار مصالحهم.
تآكل الشرعية الاقتصادية وانهيار الطبقة الوسطى
تسببت العزلة الدولية الطويلة في انهيار الطبقة الوسطى وظهور “تجمع المهنيين” كقوة مقاومة فاعلة، بعد أن دُمّر القطاع الخاص الرسمي وفقد المهنيون من أطباء ومهندسين أي أمل في مستقبل مهني داخل السودان. هذا الواقع حوّل سخط هذه الفئة من مجرد مطالب معيشية إلى حراك سياسي منظم قاد الاحتجاجات بفعالية للمطالبة بتغيير جذري للنظام الذي عجز عن التعامل مع النظام المصرفي العالمي.
ازمة السيولة وانفجار التضخم
مثلت أزمة السيولة في عام 2018 القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث وصل النظام إلى طريق مسدود عجز فيه عن توفير النقد في البنوك نتيجة التضخم المنفلت. وقوف المواطنين في طوابير طويلة أمام الصرافات الآلية للحصول على أموالهم حطم هيبة الدولة تماماً وأسقط آخر ورقة توت تغطي شرعيتها الاقتصادية، مما دفع الفئات المحايدة للانخراط الكامل في الثورة بعد أن مست الأزمة جوهر حياتهم اليومية.
فشل استراتيجية “المقايضة” مع المجتمع الدولي
فشل النظام في استراتيجية “المقايضة” مع الغرب، حيث لم تنجح التنازلات الأمنية الكبرى في رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب أو إنهاء ظاهرة “إنهاء المخاطر” المصرفية. هذا الإخفاق ولد شعوراً لدى الجناح البراغماتي داخل الأجهزة العسكرية بأن البشير لم يعد يملك مفاتيح الحل الدولي، وأن رحيله أصبح ضرورة تقنية لفتح أبواب المؤسسات المالية الدولية وإسقاط الديون السيادية التي خنقت الدولة.
تنامي قوة الدولة الموازية على حساب الدولة الرسمية
أخيراً، أدى التحول نحو “اقتصاد الظل” والمليشيات إلى خلق مراكز قوى مالية مستقلة عن ميزانية الدولة الرسمية وعن سلطة البشير المباشرة، خاصة عبر تجارة الذهب والحوالات. هذه الكيانات المالية الموازية أصبحت في لحظة الحقيقة أقوى من خزينة الدولة الخاوية.
الخاتمة
تكشف تجربة السودان أن العقوبات الدولية، رغم قدرتها على إضعاف الدول وعزلها، لا تؤدي بالضرورة إلى تغيير فوري في الأنظمة السياسية، بل قد تسهم أحياناً في إعادة تشكيلها بطرق معقدة وغير متوقعة. ففي الحالة السودانية، أدت هذه العقوبات إلى إضعاف الاقتصاد الرسمي، لكنها في الوقت نفسه عززت الاقتصاد الموازي ومكنت الأجهزة الأمنية من التمدد داخله، ما أخر لحظة السقوط دون أن يمنعها. ومع تراكم الأزمات، خاصة أزمة السيولة وانهيار الطبقة الوسطى وتراجع القدرة على شراء الولاءات، وصلت الدولة إلى نقطة فقدت فيها أدوات السيطرة التقليدية، فكان سقوط النظام نتيجة منطقية لانهيار نموذجه الاقتصادي-السياسي. وعليه، فإن الدرس الأهم لا يكمن فقط في دور العقوبات، بل في كيفية تفاعلها مع البنية الداخلية للدولة، حيث يكون الانهيار في النهاية نتاجاً لتآكل الداخل بقدر ما هو نتيجة لضغط الخارج.





