
*مؤيد الأمين*
لم تعد الأزمة في السودان مجرد حربٍ تقليدية بين أطراف متنازعة، بل تحولت إلى حالة سياسية مرضية معقدة، تتجاوز منطق الصراع إلى منطق الإدمان على الفوضى. وفي قلب هذه المعادلة تقف الحركة الإسلاموية، ليس بوصفها طرفًا عابرًا، بل كفاعلٍ رئيسي يُصرّ بعنادٍ لافت ؛ على إبقاء البلاد في حالة نزيف مفتوح، رغم كل المؤشرات التي تؤكد استحالة عودتها إلى السلطة.
السؤال الذي يتردد في أذهان السودانيين اليوم ليس: لماذا اندلعت الحرب؟ بل: لماذا تستمر؟ ولماذا يصرّ من أشعلوها على تغذيتها، رغم انكشاف مشروعهم سياسيًا وأخلاقيًا؟
الإجابة، وإن بدت قاسية، إلا أنها واضحة ! لأن الحرب أصبحت بالنسبة لهم وسيلة بقاء، لا وسيلة انتصار.
الحركة الإسلاموية، التي فقدت مشروعيتها الشعبية منذ سنوات، لم تعد تراهن على صناديق الاقتراع ولا على القبول المجتمعي، بل على إطالة أمد الأزمة إلى أقصى حد ممكن. فكل يوم إضافي في عمر الحرب هو يوم مؤجل للمحاسبة، وكل فوضى جديدة تخلق مساحة رمادية تُطمس فيها الحقائق، وتُعاد صياغة الروايات.
ورغم ما يُقال عن تصنيفات دولية وإدانات سياسية، فإن سلوك هذه الجماعة لم يتغير. بل على العكس، يبدو أن العزلة الدولية لم تُضعفها بقدر ما دفعتها لمزيد من الانغلاق والتطرف، وكأنها تعيش في فقاعة أيديولوجية لا تعترف بالواقع، ولا تستوعب أن الزمن قد تجاوزها.
الأكثر إثارة للسخرية؛ والألم في آنٍ واحد٫ هو الخطاب الذي تروج له هذه الجماعة، تحت لافتة (حرب الكرامة). أي كرامة هذه التي تُبنى على أنقاض المدن؟ وأي شرف يُستعاد عبر تشريد الملايين وتجويعهم؟
لقد تحولت المفردات إلى أدوات تضليل، وأصبحت اللغة نفسها جزءًا من المعركة. فالكلمات التي كان يُفترض أن ترفع معنويات الناس، صارت تُستخدم لتبرير مأساتهم.
ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن الإعلام التابع لهذه الجماعة سوى ماكينة لإعادة إنتاج الأكاذيب. كل جريمة تُرتكب تُنكر، أو تُنسب لغيرهم، أو في أسوأ الحالات؛ تُقدَّم كـ (ضرورة وطنية). هذه القدرة على قلب الحقائق ليست جديدة، لكنها بلغت في هذه الحرب مستوى غير مسبوق من الوقاحة السياسية.
لكن، وربما هنا تكمن المفارقة، فإن هذا الإصرار المرضي على الاستمرار لا يعكس قوة، بل يعكس مأزقًا وجوديًا. فالجماعة التي لا تملك مشروعًا للمستقبل، لا تجد أمامها سوى الهروب إلى الأمام. والحرب، في هذا السياق، ليست خيارًا استراتيجيًا بقدر ما هي حالة إنكار جماعي للواقع.
أما الشعب السوداني، فقد دفع ,ولا يزال؛ الثمن الأكبر. نزوح، فقدان، انهيار اقتصادي، وتآكل في النسيج الاجتماعي. ومع ذلك، يُطلب منه، بوقاحة لا تُصدق، أن يتحمل مسؤولية ما يحدث، أو على الأقل أن يصمت.
وهنا تتجلى واحدة من أخطر سمات هذه الأزمة ! تحويل الضحية إلى متهم.
فبدلًا من الاعتراف بالخطأ، يتم تعميم الجريمة. وبدلًا من محاسبة الفاعلين، يُلقى اللوم على المجتمع بأكمله، وكأن السودان قرر، بإجماعٍ غامض، أن يدخل في حرب ضد نفسه.
لكن الحقيقة أبسط من كل هذا التعقيد: هناك من أشعل الحرب، وهناك من يصرّ على استمرارها. وكل محاولات التمويه لن تغيّر هذه المعادلة.
في النهاية، قد لا يكون السؤال (إلى متى تستمر الحرب؟) هو الأهم، بل: (إلى متى يُسمح لمن أشعلوها أن يحددوا مصيرها؟)
فالحروب لا تنتهي فقط عندما يتعب المقاتلون، بل عندما يرفض الناس أن يكونوا وقوداً لها.
والسودان، رغم كل ما يمر به، لم يفقد بعد قدرته على الرفض.
وربما، في هذا الرفض تحديداً، يكمن الأمل الوحيد.