
أُعدّت هذه الدراسة من قِبل توماش بارانسكي، وأرتور أوبلوسكي، وماكيج ويجغول من جامعة وارسو (المركز البولندي لعلم آثار البحر الأبيض المتوسط)
—
خلاصة
تسلّط هذه الدراسة الضوء على معطيات تاريخية حديثة تشير إلى وجود حاكم فعلي لمدينة دنقلا، عاصمة مملكة المقرة المسيحية، خلال مرحلة مفصلية شهدت تحولات دينية وثقافية عميقة مع دخول الإسلام إلى السودان. ويستند البحث إلى وثيقة عربية جرى اكتشافها داخل أحد مساكن النخبة في دنقلا القديمة، تتضمن أمرًا ملكيًا يتعلق بتبادل منسوجات وماشية، وتحمل اسم الملك قشقاش، الذي ظل لوقت طويل يُنظر إليه بوصفه شخصية أقرب إلى الأسطورة.
ومن خلال اعتماد منهج علمي يجمع بين التحليل النقدي وتقنيات التأريخ بالكربون المشع، إلى جانب المقارنة بالمصادر التاريخية المكتوبة، يقدّم البحث قراءة معمقة لطبيعة الحكم في دنقلا، ويكشف عن أنماط التفاعل الاجتماعي وملامح التعريب خلال فترة سلطنة الفونج. كما يستند إلى مجموعة من المصادر المقارنة، من بينها وثائق قصر إبريم، وكتاب “الطبقات” لمحمد النور بن ضيف الله، فضلًا عن روايات رحالة أوروبيين مثل كرامب وبونسيه في مطلع القرن الثامن عشر.
وتُبرز نتائج الدراسة تناقضًا واضحًا مع الصورة التي رسمها الرحالة ليو أفريكانوس، الذي صوّر ملك النوبة باعتباره في حالة حرب دائمة، إذ تكشف الوثيقة المكتشفة أن الحاكم كان منخرطًا بشكل مباشر في إدارة شؤون الحكم والسياسة الداخلية، بما في ذلك تفاصيل الحياة اليومية. ويقدّم هذا الاكتشاف منظورًا جديدًا لفهم التاريخ الاجتماعي والسياسي لمدينة دنقلا، مؤكدًا دورها كمركز حيوي عند نقطة التقاء النفوذ بين مصر العثمانية وسلطنة سنار في فترة ما قبل الاستعمار.
وفي هذا السياق، تشكّل الوثيقة المكتشفة في دنقلا القديمة محورًا رئيسيًا للتحليل، إذ تمثل قطعة أثرية نادرة مكتوبة باللغة العربية، يُشار إليها بـ”أمر الملك”، نسبة إلى الجهة التي أصدرتها، وهو الملك قشقاش. وتفتح هذه الوثيقة نافذة فريدة لفهم طبيعة الحكم الملكي في السودان خلال واحدة من أكثر الفترات التاريخية غموضًا وقلة في التوثيق، وهي المرحلة الممتدة بين تراجع الممالك النوبية في أواخر العصور الوسطى خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر.
وقد اتسمت هذه المرحلة بتحولات عميقة، في مقدمتها تسارع عمليات التعريب والأسلمة، وهو ما تؤكده دراسات متعددة تناولت التحولات الاجتماعية والثقافية في تلك الحقبة. وفي هذا الإطار، لا تكتفي الوثيقة بتأكيد وجود قشقاش كحاكم حقيقي، بل تكشف أيضًا عن طبيعة نظام الحكم القائم، حيث لم تكن السلطة تعتمد فقط على القوة العسكرية أو الجباية، بل على شبكات العلاقات، وتبادل المنافع، وإدارة الولاءات داخل المجتمع.
وبذلك، يعيد هذا الاكتشاف رسم ملامح السلطة في السودان قبل الاستعمار، مقدّمًا صورة أكثر واقعية للحكم، تتجاوز السرديات التقليدية، وتُظهر كيف كانت تُدار الدولة عبر تفاصيل الحياة اليومية، لا عبر الحروب وحدها.
من الناحية الزمنية، تتجنب هذه الدراسة استخدام التصنيفات التقليدية مثل “الفترات المسيحية” و”الإسلامية”، انطلاقًا من أن التحول الديني في وادي النيل لم يكن حدثًا فجائيًا، بل مسارًا تدريجيًا امتد عبر قرون، شهدت خلاله المنطقة تداخلاً وتفاعلاً بين المعتقدات الوافدة والتقاليد المحلية. وفي هذا الإطار، يُعتمد مصطلح “مملكة دنقلا” للفترة الممتدة بين القرنين الرابع عشر والثامن عشر الميلاديين بوصفه توصيفًا محليًا أكثر دقة من الناحية الأثرية، كما يشير إلى ذلك أوبلوسكي، رغم أن هذا الامتداد الزمني يتجاوز حدود هذه الدراسة التي تركز بشكل أساسي على القرنين السادس عشر والسابع عشر.
وخلال هذه المرحلة الانتقالية التي سبقت التوسع الاستعماري في القرن التاسع عشر، اتسم الوضع السياسي بدرجة عالية من التشرذم وعدم الاستقرار. ولهذا، تستخدم الدراسة أيضًا مصطلحات راسخة في الأدبيات التاريخية مثل “ما بعد العصور الوسطى” و”ما قبل الاستعمار”، كما وردت لدى كابتينز وسبولدينغ (1982) وإدواردز (2004: 256–287)، للإشارة إلى الفترة الممتدة من القرن السادس عشر حتى أوائل القرن التاسع عشر، مع الإقرار بحدود هذه التسميات. ويتقاطع هذا الإطار الزمني مع ما يُعرف بفترة الفونج (1504–1821)، وهي المرحلة التي برزت فيها سلطنة سنار كقوة سياسية رئيسية في وادي النيل الأوسط، حيث نشأت نتيجة تحالفات محلية، كما يوضح أوفاهي وسبولدينغ (1974: 66–68)، وفرضت نفوذها على أجزاء واسعة من السودان النيلي. وفي المقابل، بقيت المناطق الواقعة شمال الشلال الثالث تحت التأثير العثماني المصري، كما يورد لومير (2013: 135–153).
أما دنقلا القديمة، التي كانت عاصمة مملكة المقرة المسيحية، فقد فقدت دورها السياسي المركزي بحلول منتصف القرن الرابع عشر، وفق ما يذكره كواك (Cuoq 1986: 91–102) وسينوبوس (2020). وتدخل بعد ذلك في فترة يصفها آدامز (1977) بـ”العصور المظلمة” في التاريخ السوداني نظرًا لندرة المصادر. وتشير النقوش إلى أن الملك بيبر كان من آخر الحكام المسيحيين، وقد وثّق زيارته لموقع بانغانارتي، مستخدمًا لقب “الملك الصغير”، وهو ما يتقاطع دلاليًا مع ألقاب حكام الفترات اللاحقة كما يوضح لايتار (Łajtar 2020: 134–136). في المقابل، يورد المقريزي، كما نقل عنه فانتيني (1975: 704)، اسم حاكم مسلم يُدعى ناصر في أواخر القرن الرابع عشر، ما يعكس التحول التدريجي في البنية الدينية والسياسية، وهو ما يناقشه أيضًا أوبلوسكي في أعماله الحديثة.
ورغم محدودية المعلومات حول بدايات فترة الفونج، تشير رواية ديفيد روبيني، كما نقلها فانتيني (1975: 752) وفيرسكين (2023: 38–39)، إلى امتداد نفوذ عمارة دونقاس شمالًا حتى دنقلا. ويبدو أن المنطقة كانت تُدار من قبل نخب محلية ذات جذور نوبية، لكنها شهدت تعريبًا تدريجيًا، مع احتفاظها بقدر من الاستقلال تحت مظلة الفونج، كما يوضح بروس (1806: 480). وفي أواخر القرن السابع عشر، لاحظ الرحالة بونسيه (2010: 34، 61) أن الحكم في دنقلا كان وراثيًا، مع خضوعه لسلطة سنار في مسائل مثل الجزية، بينما يشير بوركهارت (1819: 133) إلى محاولات حكام دنقلا بسط نفوذهم على المناطق المجاورة.
وفي سياق وصف هذه المرحلة، يورد ليو أفريكانوس، المعروف أيضًا بالحسن بن محمد الوزان، أن “ملك النوبة كان دائمًا في حالة حرب”، كما نقل راموسيو (1550: 87) وفانتيني (1975: 772). غير أن دقة هذا الوصف تظل محل شك، خاصة أن دراسات لاحقة مثل ستارتشيفسكا (2014) وموبلي (2018: 20) تشير إلى أنه على الأرجح لم يزر النوبة بنفسه، وأن وصفه قد يعكس تصورًا عامًا أو حنينًا إلى ماضي الممالك النوبية أكثر من كونه وصفًا دقيقًا للواقع.
في ضوء ذلك، تهدف هذه الدراسة إلى إعادة النظر في صورة الحاكم النوبي بعيدًا عن الطابع العسكري الذي طغى على بعض الروايات، من خلال إبراز أدواره في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية. وتُظهر الوثيقة المكتشفة حديثًا—والمعروفة بـ”أمر الملك”—انخراط الملك في تنظيم التبادلات التجارية والعلاقات المحلية، ما يتيح فهمًا أعمق لطبيعة الحكم خلال فترة اتسمت بتسارع التعريب والأسلمة. كما تؤكد الدراسة أهمية الاعتماد على المصادر المحلية، مثل الوثائق الأثرية والنصوص السودانية، في إعادة بناء التاريخ الاجتماعي والسياسي، بدلًا من الاقتصار على الروايات الخارجية. وفي جوهرها، تقدم هذه المقاربة صورة أكثر واقعية لملك نوبي في فترة ما قبل الاستعمار، ليس بوصفه قائدًا للحروب، بل كفاعل يومي يدير شبكة معقدة من المصالح والعلاقات داخل مجتمعه.
رؤى جديدة حول فترة مملكة دنقلا (من القرن الرابع عشر إلى القرن الثامن عشر)
يقع الموقع الأثري لمدينة دنقلا القديمة في شمال السودان عند الإحداثيات 18°13’26” شمالًا و30°44’35” شرقًا، على الضفة الشرقية لنهر النيل، بالقرب من ملتقى وادي هوار، الذي شكّل تاريخيًا ممرًا حيويًا يربط المنطقة بدارفور وأقاليم أفريقيا جنوب الصحراء. وتتمركز القلعة فوق نتوء صخري، حيث مثّلت القلب النابض للمدينة. وكانت دنقلا في الأصل عاصمة مملكة المقرة المسيحية، قبل أن تتراجع تدريجيًا لتتحول إلى تجمع عمراني محدود داخل نطاق القلعة ومحيطها المباشر، وفق ما يورده غودليفسكي (Godlewski 2013: 135–141) وأوبلوسكي (Obłuski، قريبًا). ومع ذلك، حافظت دنقلا على أهميتها كمحطة رئيسية على طرق التجارة الرابطة بين القاهرة وسنار ودارفور حتى القرن الثامن عشر، كما يشير والز (Welsby 1978: 7–10).
وقد كانت دنقلا القديمة معروفة لدى الرحالة الأوروبيين منذ بدايات القرن السابع عشر على أقل تقدير، كما يوضح زوراوسكي (Żurawski 2001: 75–141)، غير أن الاهتمام الأثري المنهجي بالموقع لم يبدأ إلا في ستينيات القرن العشرين عبر البعثة البولندية. ومنذ ذلك الحين، حظيت المرحلة المسيحية من تاريخ المدينة بدراسة واسعة، بينما لم يُمنح تراثها الإسلامي نفس القدر من الاهتمام إلا في السنوات الأخيرة، مع تبني مقاربات أكثر شمولًا. ويُعد مشروع “أمة: التحول الحضري لمجتمع عاصمة أفريقية من العصور الوسطى”، الذي انطلق عام 2018، نقطة تحول في دراسة تاريخ دنقلا، حيث استُخدمت تقنيات متقدمة مثل المسح المغناطيسي والرادار المخترق للأرض لدراسة القلعة ومحيطها، كما ورد لدى أوبلوسكي وآخرين (Obłuski et al. 2022).
وقد ركزت الحفريات الحديثة على تتبع تطور المشهد الحضري خلال فترة مملكة دنقلا، إلى جانب دراسة تأثير التنوع الاجتماعي والعرقي على الأنماط المعمارية. ومن بين القضايا المحورية التي تناولتها هذه الأبحاث مسألة أسلمة النوبة وانعكاساتها على العمارة والثقافة المادية. وأسفرت الأعمال الميدانية بين عامي 2018 و2023 عن نتائج مهمة ساهمت في إثراء النقاش العلمي حول هذه التحولات، كما أوضح أوبلوسكي ودزيرزبيكا (Obłuski & Dzierzbicka 2021؛ 2025). وشملت هذه الدراسات تحليل العمارة السكنية ومواد البناء، فضلًا عن أنماط الإنتاج الحرفي المختلفة، كما في أعمال أوبلوسكي ودزيرزبيكا (2022)، وويزغول وديبتولا (Wyżgoł & Deptuła 2023)، وأوبلوسكي (قريبًا). ورغم أن هذه النتائج تكشف عن استمرارية وتغير في الثقافة المادية، فإن الأدلة النصية، مثل الوثائق الورقية والكتابات على الشظايا الفخارية، تظل من أبرز المؤشرات على انتشار الإسلام، إلى جانب الشواهد المعمارية مثل المساجد والمقابر المخروطية المرتبطة برجال الدين المسلمين.
وفيما يتعلق بالمصادر المكتوبة، فقد تم توثيق نحو اثنتي عشرة وثيقة ورقية وشظايا فخارية في تقارير التنقيب قبل انطلاق مشروع “أمة”، كما يشير فانثيغيم (Vanthieghem 2015؛ 2018)، وقد أُرّخت هذه المواد مبدئيًا إلى القرن السابع عشر اعتمادًا على السياق الأثري. غير أن الحفريات الأحدث كشفت عن أكثر من ثلاثين نصًا عربيًا جديدًا، تتنوع بين رسائل ونصوص قانونية وإدارية وتمائم، وجميعها تعود إلى فترة ما قبل الاستعمار، كما يذكر بارانسكي (Barański، قريبًا).
وقد عُثر على معظم هذه الوثائق داخل منزل كبير يعود إلى فترة الفونج، يُعرف بالمبنى A.1، ويقع في قلب قلعة دنقلا القديمة، كما يوضح ويزغول (Wyżgoł 2025). ومن بين أبرز هذه الاكتشافات مجموعة متماسكة من سبع وثائق، من بينها “أمر الملك”، التي اكتُشفت في الغرفة U128. وبعد هذا العرض العام للمصادر الأدبية والوثائقية المرتبطة بالموضوع، تنتقل الدراسة إلى تحليل السياق الأثري لهذه المخطوطات، قبل أن تقدم قراءة نقدية مفصلة لنص “أمر الملك”، وصولًا إلى مناقشة شاملة للنتائج واستخلاص الاستنتاجات النهائية.
المواد والأساليب
تعتمد هذه الدراسة على طيف واسع من المصادر التي تشمل النصوص الأدبية، والسجلات الوثائقية، واللقى الأثرية، وذلك بهدف إعادة بناء الديناميكيات التاريخية للتفاعلات الاجتماعية ومسارات التحول الثقافي في مدينة دنقلا القديمة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. ويستند هذا العمل إلى منهج متعدد التخصصات يجمع بين مقاربات علم الآثار التاريخي، كما طرحها إدواردز (Edwards 2004b)، والتحليل اللغوي، لا سيما دراسة الأدلة الوثائقية وفق تقاليد علم البرديات كما يوضح باغنال (Bagnall 2009).
ويمتد هذا النهج الكلاسيكي، الذي طُبق في الأصل على نصوص العصور القديمة، ليشمل فترات تاريخية أحدث، خاصة في سياق دراسة الوثائق العربية في مصر، كما يشير سيبستاين (Sijpesteijn 2009)، وهو ما يمنح هذا الإطار المنهجي مرونة تسمح بتطبيقه على الحالة السودانية. وفي هذا السياق، تُجري الدراسة تحليلًا دقيقًا للنصوص المكتشفة، مع التركيز على الأفراد الواردين فيها، وأدوارهم الاجتماعية، والعلاقات التي تربط بينهم، بوصفها مدخلًا لفهم أوسع للبنى التاريخية التي عكستها هذه الوثائق.
ومع ذلك، تُقر الدراسة بوجود تحديات منهجية حقيقية تواجه تحليل المصادر الوثائقية في السياق الأفريقي، خاصة ما يتعلق بندرة المواد وتجزؤها وصعوبة تأويلها، وهي إشكالات ناقشها كل من هانويك (Hunwick 2005: 238) وموبلي (Mobley 2018). وانطلاقًا من ذلك، تسعى هذه الدراسة إلى تجاوز هذه التحديات عبر قراءة تكاملية تجمع بين النصوص والسياق الأثري، بهدف تقديم تصور جديد وأكثر عمقًا للتجارب اليومية لسكان النوبة في فترة ما قبل الاستعمار، وإبراز الشبكات المعقدة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في تشكيل مجتمعهم.
المصادر الأدبية
على الرغم من أن الإنتاج الأدبي في شرق السودان لم يشهد ازدهارًا ملحوظًا إلا خلال القرن التاسع عشر وما تلاه، فإن عددًا من المصادر المبكرة يقدّم إشارات مهمة تسهم في فهم التاريخين السياسي والاجتماعي لمدينة دنقلا القديمة خلال فترة ما قبل الاستعمار. ويُعد المرجع الأساسي في هذه الدراسة كتاب “الطبقات في خصوصية الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان” لمؤلفه محمد النور بن ضيف الله (توفي 1224هـ/1809–1810م)، والذي سنشير إليه اختصارًا باسم الطبقات. وقد قام يوسف فضل حسن بإعداد تحقيق علمي لهذا العمل (ود ضيف الله 1971)، بينما ترجم هارولد ألفريد ماكمايكل أجزاءً منه إلى اللغة الإنجليزية (MacMichael 1922: 217–323).
ويمثل الطبقات في جوهره معجمًا للسير الذاتية يضم شخصيات دينية بارزة من دعاة ومتصوفة كان لهم تأثير واسع في السودان النيلي، وقد جُمعت مادته اعتمادًا على الروايات الشفهية في أواخر فترة الفونج، كما يوضح أوفاهي (O’Fahey 1994: 23–24). ويركز المؤلف بشكل خاص على القادة الكاريزميين في منطقة ملتقى النيل، مع تضمينه أيضًا شخصيات مؤثرة من شمال السودان، وهو ما أشار إليه هيلسون (Hillson 1923) ومكهوغ (McHugh 1989: 209–210). وتشكل السير المرتبطة بشخصيات نشطت في دنقلا القديمة محورًا رئيسيًا في هذه الدراسة، رغم أن هذه التراجم غالبًا ما تتضمن عناصر ذات طابع قدسي، مثل الكرامات، ما يجعل تأريخها الدقيق أمرًا صعبًا. ومع ذلك، فإن بعض الإشارات الزمنية الواردة في النص تتيح إمكانية التأريخ غير المباشر للأحداث والأشخاص.
إلى جانب المصادر المحلية، توفر كتابات الرحالة الأوروبيين مادة مهمة لإثراء هذا الإطار التاريخي، ومن أبرزهم جاك شارل بونسيه (Poncet 2010) وثيودور كرامب، كما وردت أعماله ضمن دراسات سبولدينغ (Spaulding 1974). كما تُعد روايات الرحالة العثماني أوليا جلبي مصدرًا ذا قيمة خاصة، إذ زار مناطق النوبة في سبعينيات القرن السابع عشر، ويُرجّح أنه وصل إلى دنقلا القديمة حوالي عام 1672، وفق ما أورده دانكوف وآخرون (Dankoff et al. 2018: 5–9). ورغم أن بعض أجزاء رواياته تتسم بطابع سردي تخييلي، فإن وصفه للمقابر الإسلامية والأولياء المدفونين في محيط دنقلا يتوافق مع معطيات تاريخية أخرى، كما يؤكد بروكوش (Prokosch 1994: 153–154).
وبذلك، تتيح هذه المصادر الأدبية، على تنوعها بين المحلي والخارجي، رؤية مركبة تسهم في إعادة بناء ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في دنقلا خلال فترة ما قبل الاستعمار، رغم ما يحيط بها من تحديات تتعلق بطبيعة المادة التاريخية نفسها.
المصادر الوثائقية
تشير الأدلة إلى أن النصوص الوثائقية العربية كانت متداولة في النوبة منذ العصور الوسطى، سواء أُنتجت محليًا أو وصلت من خارج المنطقة، كما يوضح لايتار وأوتشالا (Łajtar & Ochała 2020: 798). وتُعد مدينة قصر إبريم من أبرز المواقع التي كشفت عن أكبر مجموعة من هذه الوثائق، حيث أسفرت الحفريات عن كمٍّ كبير من النصوص التي تناولها آدامز (Adams 1996: 213–252) ثم آدامز وآدامز (Adams & Adams 2010: 241–255)، كما نُشرت مؤخرًا مجموعة من الوثائق العربية التي تعود إلى العصور الوسطى في هذا الموقع، مع بقاء نصوص أخرى قيد النشر (Khan 2024).
ولم تقتصر أهمية قصر إبريم على الفترة الوسيطة، بل كشفت أيضًا عن وثائق تعود إلى مرحلة ما بعد العصور الوسطى، تتمثل في نصوص قانونية وإدارية تتعلق بوحدة عسكرية عثمانية وأفرادها، الذين انخرطوا في إدارة الأراضي والأنشطة التجارية، كما بيّن هيندز وساكوت (Hinds & Sakkout 1986) وهيندز وميناج (Hinds & Ménage 1991). وتغطي هذه النصوص الفترة الممتدة بين القرنين السادس عشر والثامن عشر، وتمتاز بخصائص لغوية فريدة، . كما ظهرت مصادر وثائقية عربية، وإن كانت أقل عددًا، في مواقع أخرى بالنوبة السفلى مثل جبلة عدا (Mileham 1964: 7–14) وكولبنارتي (Adams & Adams 1998: 87–91؛ Anderson 2016: 4–5).
أما في مناطق سلطنة الفونج، فقد عُثر على عدد من الوثائق الرسمية المعروفة بـ”الحُجج”، والتي يعود معظمها إلى القرن الثامن عشر، ولا يُعرف وجود وثائق أقدم منها. وتشير بعض هذه النصوص إلى نسخ متأخرة من وثائق أصلية صادرة عن سلاطين سنار أو عن سلطات إقليمية تابعة لهم، كما جمعها ودرسها سبولدينغ وأبو سليم (Spaulding & Abu Salim 1989). وتضم هذه المجموعة 67 نصًا عربيًا، تختلف في طبيعتها عن وثائق قصر إبريم، إذ كانت موجهة للاستخدام الرسمي، ويغلب عليها طابع منح الأراضي التي احتفظت بها العائلات السودانية كإثبات لحقوق الملكية. وتعكس هذه الوثائق صراعًا بين الأنماط التقليدية للعدالة الملكية والتوسع المتزايد في تطبيق الشريعة الإسلامية، في سياق ما وصفه سبولدينغ بـ”العصر البطولي” (Spaulding 2007). كما تحتوي على مصطلحات محلية بارزة، مثل لقب “أرباب” الذي يشير إلى طبقة النبلاء، وهو مصطلح وُجد أيضًا في إحدى الوثائق المكتشفة في دنقلا القديمة (Baranski 2025)، إضافة إلى مفردات محلية تتعلق بالزراعة وتقييم الضرائب (Spaulding & Abu Salim 1989: 391–395).
وفي سياق لاحق، تكشف وثائق القرن التاسع عشر من جزيرة إيكو—المعروفة عربيًا باسم جزيرة أبو رانات وبالنوبي أبرانرتي—في منطقة الشايقية، عن استمرار حضور المصطلحات المحلية التي وصفها سبولدينغ بحذر بأنها “أفريقية” (Spaulding 1990؛ 1993). وقد ظل العديد من هذه المصطلحات متداولًا حتى اليوم، رغم تراجع استخدامها بعد منتصف القرن التاسع عشر. ويلاحظ أن كتّاب تلك الوثائق لجؤوا إلى إضافة الحركات لضبط نطق الكلمات المحلية، بهدف تسهيل فهمها على الأجيال اللاحقة (Spaulding 1990: 286–288). ويبدو أن كتّاب دنقلا قد استخدموا هذه التقنية في وقت مبكر لتوثيق المفردات غير العربية، كما يشير بارانسكي (Baranski، قريبًا).
وتكشف هذه المعطيات مجتمعة عن مشهد لغوي معقد في السودان خلال أواخر فترة ما قبل الاستعمار، حيث تداخلت عناصر من ثقافات متعددة داخل الوثائق العربية. ففي النوبة السفلى، برز التأثير العثماني بشكل واضح، خاصة في المصطلحات المرتبطة بالإدارة والعسكر والتجارة، بينما حافظت وثائق الفونج على مفردات محلية ذات صلة بالزراعة والألقاب التقليدية. أما في دنقلا، فيبدو أن الكُتّاب تأثروا بكلا التيارين، ما أوجد بيئة لغوية مركبة تعكس تفاعل التأثيرات العثمانية والفنجية معًا. ويستلزم فهم هذا التنوع دراسة أوسع للمشهد اللغوي في السودان، بما في ذلك اللهجة العربية السودانية، كما ناقش ذلك الكاي (Kaye 1976) وقاسم (Qasim 2002).
وفي ضوء هذا الإطار، تكتسب وثيقة “أمر الملك” أهمية خاصة، ليس فقط كمصدر تاريخي، بل أيضًا كنموذج يعكس هذا التداخل اللغوي والثقافي، وهو ما يقود إلى تحليل سياقها الأثري لفهم أعمق لدلالاتها التاريخية.
السياق الأثري لأمر الملك – فرادة بيت المك
تشير الروايات المحلية إلى أن بقايا المبنى المعروف بـ(A.1)، والتي لا تزال واضحة للعيان داخل قلعة دنقلا القديمة، تُنسب إلى ما يُعرف بـ”بيت المك”، وهو ما يُرجّح أنه كان مقرًا لأحد كبار النخب أو أعلى طبقات المجتمع في دنقلا خلال فترة ما قبل الاستعمار، وهو ما تدعمه نتائج الدراسات الميدانية الحديثة (Wyżgoł 2025). ويتميّز هذا المبنى بحجمه الكبير مقارنةً ببقية الوحدات السكنية المكتشفة داخل القلعة، إذ يفوقها اتساعًا وتعقيدًا من حيث التخطيط (الشكل 3).
ورغم أن “بيت المك” يضم عناصر معمارية مألوفة في المساكن النوبية، مثل المدخل وغرفة المعيشة ومساحات التخزين الضيقة، إلا أن تنظيمه الداخلي يعكس مستوى أعلى من التعقيد والتخطيط. وفي المقابل، كانت مساكن النخبة في مناطق أخرى من النوبة خلال فترة ما بعد العصور الوسطى تتخذ طابعًا دفاعيًا، خاصة في منطقة الشلال الثالث، حيث عُرفت المباني المحصنة محليًا باسم “صعبوكورفا”، كما أشار آدامز (Adams 1994) ودرزويكي (Drzewiecki 2016). غير أن المبنى (A.1) يفتقر إلى هذه السمات الدفاعية، باستثناء تحصين بسيط عند المدخل، وهو ما يُفسَّر بوقوعه داخل نطاق القلعة المحاطة بسور دفاعي، مما جعله في مأمن من التهديدات الخارجية (Deptuła & Wyżgoł 2021: 23–33).
وتعكس مجموعة اللقى الأثرية التي عُثر عليها في الرواسب السكنية داخل “بيت المك” طبيعة هذا المبنى كمقر للنخبة. فقد أظهرت دراسة المنسوجات وجود أقمشة من الكتان والقطن والحرير، كانت تُستخدم في صناعة ملابس مخيطة، وهي مواد ارتبطت بالطبقات الثرية، كما أوضح ووزنياك (Wozniak 2020). وتنسجم هذه المعطيات مع ما أورده سبولدينغ (Spaulding 2007: 50) بشأن قوانين الترف التي كانت سارية في سلطنة الفونج، والتي قصرت استخدام هذه المواد على الطبقة الأرستقراطية. كما تشير روايات الرحالة ثيودور كرامب، كما نقلها سبولدينغ (Spaulding 1974: 224، 230–233)، ويوهان لودفيغ بوركهارت (Burckhardt 1819: 141)، إلى أن بعض المنسوجات المصبوغة باللون الأزرق والمزخرفة بنقوش مربعة كانت حكرًا على النخب النوبية.
إلى جانب ذلك، عُثر على مجموعة من القطع التي تعزز هذا الطابع النخبوي، مثل أحذية جلدية، ومقبض خنجر مصنوع من العاج أو قرن وحيد القرن، وخاتم ذهبي، وهي جميعها مؤشرات واضحة على الثراء والمكانة الاجتماعية الرفيعة. كما كشفت الحفريات في الغرفة U128 عن كرات رصاص وقرن حيواني يُرجّح أنه استُخدم كقارورة بارود، ما يشير إلى وجود أدوات مرتبطة بالأسلحة النارية، والتي كانت تُعد بدورها رمزًا للمكانة الاجتماعية في تلك الفترة (Wyżgoł 2025: 212–215).
ومن اللافت أن هذه اللقى، بما في ذلك الوثائق الورقية مثل “أمر الملك”، عُثر عليها في سياق ثانوي، حيث أُلقيت ضمن أكوام نفايات داخل أجزاء مهجورة من المبنى، في حين يُحتمل أن أجزاء أخرى منه ظلت مأهولة أو مستخدمة في الوقت نفسه. ويعكس هذا التباين في الاستخدام نمطًا معقدًا من إعادة توظيف الفضاءات داخل المبنى، ويوفر في الوقت ذاته سياقًا أثريًا مهمًا لفهم طبيعة الوثائق المكتشفة ودلالاتها ضمن الحياة اليومية للنخبة في دنقلا .
الوثائق الورقية في بيت المك
أسفرت أعمال التنقيب الأثري في المبنى (A.1) خلال الفترة ما بين 2019 و2021 عن اكتشاف ثلاثٍ وعشرين وثيقة ورقية، تكشف في مجملها عن مشهد وثائقي متنوع يعكس جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية والثقافية في دنقلا القديمة. وعلى الرغم من أن ثماني وثائق منها لم يُمكن تحديد هويتها بسبب حفظها في هيئة شظايا ممزقة، فقد أمكن تصنيف الوثائق الخمس عشرة المتبقية إلى أنماط مختلفة، شملت رسائل خاصة، وتمائم ذات طابع سحري، ونصًا قانونيًا، وقائمة إدارية.
ويُلاحظ أن خمسًا من هذه الوثائق ترتبط بالممارسات السحرية، وهو ما يتماشى مع طبيعة غالبية المواد الكتابية المكتشفة في دونغولا القديمة، سواء على الورق أو على الشظايا الفخارية، كما تشير إليه دراسات ديبتولا وبارانسكي (Deptuła & Barański، قريباً). غير أن العنصر الأكثر لفتًا للانتباه في هذه المجموعة يتمثل في وجود ثماني رسائل خاصة، وهو نوع نادر من الوثائق لا يظهر في أي موضع آخر داخل الموقع سوى في “بيت المك”، وفق ما يذكره بارانسكي (Barański، قريباً)، ما يضفي على هذه المجموعة قيمة استثنائية لفهم الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية للنخبة.
ومن بين هذه الوثائق تبرز وثيقة “أمر الملك” (رقم الجرد 1990)، التي عُثر عليها في الغرفة (U128)، وهي مساحة سكنية تبلغ أبعادها نحو 5×4 أمتار، بمدخل يقع في الزاوية الشمالية الشرقية. وقد كشفت الحفريات داخل هذه الغرفة عن سبع وثائق موزعة بشكل غير منتظم ضمن طبقة من النفايات (انظر الشكل 3؛ الجدول 1). ورغم أن هذه المجموعة تُعد الأكثر تماسكًا داخل المبنى (A.1)، إلا أنها لا ترقى إلى مستوى “الأرشيف” بالمعنى الدقيق المعتمد في علم البرديات، كما يوضّح فاندورب (Vandorpe 2009: 216–218).
وقد انتهى المطاف بسبع وثائق عربية من الغرفة (U128)، من بينها “أمر الملك”، ضمن تراكمات نفايات تشكلت فوق عدة طبقات من الأرضيات الترابية، ما يشير إلى أن هذا الفضاء خضع لإعادة استخدام متكررة قبل أن يتحول إلى مكب للنفايات. وفي السياق ذاته، تم العثور على ثماني عملات فضية فوق الأرضية الرئيسية، تبيّن أنها عملات مصرية سُكّت خلال عهد السلطان العثماني مراد الرابع (1623–1640)، وربما خلال عهد خليفته إبراهيم (1640–1648)، بحسب تحليل دجيرزبيكا (Dzierzbicka 2025: 366). وتشير هذه المعطيات إلى أن هذه العملات لم تصل إلى دنقلا القديمة قبل الربع الثاني من القرن السابع عشر، مع احتمال بقائها في التداول أو التخزين لفترة قبل التخلص منها.
وتكتسب هذه العملات أهمية خاصة من الناحية الزمنية، إذ توفر حدًا أدنى زمنيًا (terminus post quem) لإيداع الوثائق، بمعنى أن هذه الأخيرة لا يمكن أن تكون قد أُودعت قبل تاريخ سكّ العملات. ومع ذلك، لا يُستبعد أن تكون الوثائق نفسها قد كُتبت في فترة أسبق.
وتعزز نتائج التأريخ بالكربون المشع هذا الإطار الزمني؛ إذ أُخذت عينة (S992) من بقايا عضوية ضمن كومة النفايات في الغرفة (U128)، وأظهرت نتائج التحليل عمرًا قدره 185 ± 30 سنة قبل الحاضر (Poz-126204). وبعد المعايرة، تم تحديد نطاق زمني مرجح يتراوح بين 1735 و1778 ميلاديًا بنسبة احتمال 68.3%. أما عند توسيع نطاق الثقة إلى 95.4%، فقد أظهرت النتائج احتمالين: 1670–1686 ميلاديًا بنسبة 5.4%، و1726–1800 ميلاديًا بنسبة 90.0%، مع ترجيح واضح لفترة القرن الثامن عشر، كما يوضح دجيرزبيكا (Dzierzbicka 2025: 357).
وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار نهاية القرن الثامن عشر حدًا أقصى زمنيًا (terminus ante quem) لإيداع هذه الوثائق داخل كومة النفايات في الغرفة (U128). وهكذا، يشير مجمل الدليل الأثري إلى أن عملية إيداع الوثائق تمت في فترة تمتد بين النصف الأول من القرن السابع عشر وأواخر القرن الثامن عشر، دون إمكانية تحديد تاريخ أدق اعتمادًا على المعطيات الأثرية المتاحة حاليًا.
طبعة أمر الملك
تُعد الوثيقة العربية الورقية المسجلة تحت رقم (Dongola inv. 1990) من القطع المميزة المكتشفة في “بيت المك”، حيث يبلغ طولها نحو 10.5 سم وعرضها 9.5 سم، وفق ما هو موضح في (الجدول 1، رقم 2؛ الشكلين 4 و5). وتعكس هذه الأبعاد طبيعة الوثيقة كقطعة مكتوبة صغيرة نسبيًا، ربما كانت جزءًا من مراسلة أو أمر إداري موجّه.
وعلى الرغم من أن السياق الأثري الذي عُثر فيه على الوثيقة—والمتمثل في طبقات النفايات داخل الغرفة (U128)—يشير إلى تاريخ إيداع متأخر نسبيًا، فإن التحليل الداخلي لمحتواها، إلى جانب المقارنات النصية مع وثائق مماثلة من نفس البيئة الثقافية والتاريخية، يرجّح أن زمن كتابتها يعود إلى فترة أقدم. وبحسب هذه المؤشرات، يُحتمل أن تكون الوثيقة قد كُتبت في أواخر القرن السادس عشر أو بدايات القرن السابع عشر
نص “أمر الملك” (Dongola inv. 1990) وترجمته
يمثل هذا النص إحدى الوثائق العربية النادرة المكتشفة في “بيت المك” بدنقلا القديمة، وقد كُتب على وجهي الورقة (الجانب أ والجانب ب)، ويعكس طبيعة المراسلات الإدارية ذات الطابع التنفيذي المباشر في سياق المجتمع النوبي خلال فترة ما قبل الاستعمار، كما يظهر من أسلوبه ومضمونه.
في الجانب (أ)، يَرِدُ النص في صياغة أمرٍ صادر عن شخصية حاكمة تُدعى “الملك قشقش”، موجّه إلى شخص يُدعى خضر بن شهب، حيث يطالبه باتخاذ إجراء فوري حال وصول شخص يُعرف بـ“محمد العرب”. يتضمن الأمر تعليمات محددة تقضي بأخذ ثلاثة “أردويات” (وهي وحدة أو مادة لم تُحسم دلالتها بشكل قاطع في الدراسات الحالية)، مقابل تسليم نعجة وصغارها، على أن يتم ذلك من خلال عبد الجابر، الذي يبدو أنه وسيط أو طرف في العملية. كما يؤكد النص على ضرورة تنفيذ الأمر دون تأخير، بصيغة حازمة تعكس طبيعة السلطة الإدارية، ويُختتم بعبارة تشير إلى كاتب الرسالة، وهو “حمد”، متبوعة بتحية ختامية.
أما الجانب (ب)، فيُكمل التعليمات الواردة في الوجه الأول، حيث يُطلب من خضر أن يسلّم لعبد الجابر مواد إضافية، يُحتمل أنها ثلاث قطع من القماش القطني أو أغطية رأس، إلى جانب تنفيذ عملية “جمع” النعجة وصغارها لصالح السيد المعني. ويُلاحظ أن هذا الجزء يعيد التأكيد على تفاصيل التبادل، مما يوحي بطبيعة تنظيمية دقيقة لضمان تنفيذ العملية كما هو محدد.
وتكشف هذه الوثيقة، في مجملها، عن نمط من التبادل الاقتصادي والإداري يجمع بين السلع الحيوانية (كالماشية) والمواد المصنعة (كالمنسوجات)، ضمن إطار من الأوامر المباشرة الصادرة عن سلطة مركزية. كما تعكس استخدام اللغة العربية في المعاملات الرسمية، مع احتمال وجود تأثيرات محلية في المصطلحات والأسلوب، وهو ما يتوافق مع ما أشارت إليه الدراسات حول الوثائق العربية في النوبة، خاصة ما يتعلق بتداخل العناصر اللغوية والإدارية في تلك الفترة (Deptuła & Barański، قريباً؛ Barański، قريباً).
ومن حيث الأهمية، لا تقتصر هذه الوثيقة على مضمونها الإداري فحسب، بل تُعد شاهدًا حيًا على طبيعة العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وآليات السلطة والتواصل الكتابي داخل مجتمع دنقلا القديمة، في سياق زمني يُرجّح أنه يعود إلى أواخر القرن السادس عشر أو أوائل القرن السابع عشر، استنادًا إلى التحليل المقارن والسياق الأثري العام للمجموعة المكتشفة.
تعليق على “أمر الملك”
تُظهر الوثيقة خصائص مادية ولغوية تعكس بيئتها التاريخية وظروف إنتاجها. فقد كُتبت على ورقة غير منتظمة الشكل، وهو ما يتضح من غياب خطوط القطع الواضحة، ورغم احتفاظها بحالة جيدة إجمالًا، إلا أنها تحمل بعض التشوهات الطفيفة في الجزء الأوسط. ويتكون تصميمها من كتلة نصية واحدة على كل جانب، كما تخلو من العلامات المائية، وهي سمات تُشير عادةً إلى أن الورق من إنتاج أوروبي. ومع ذلك، فمن المرجح أن هذه المادة قد وصلت إلى دنقلا عبر مصر، التي شكّلت خلال فترة الفونج مصدرًا رئيسيًا لمواد الكتابة في وادي النيل، وربما كانت مستوردة أصلًا من إيطاليا أو فرنسا (Wales 2011).
ومن الناحية اللغوية، يكشف النص عن مستوى غير مكتمل من الإتقان للعربية الفصحى لدى الناسخ، مع بقاء النص قابلًا للقراءة والفهم. ومن أبرز الظواهر استخدام ضمائر الملكية دون تمييز واضح بين المفرد والجمع أو بين المذكر والمؤنث، كما يظهر في الأسطر (أ.4–6) و(ب.3). كما أن علامات الإعجام (النقاط) حاضرة في معظم الحالات، رغم وجود مواضع يصعب فيها التمييز. ويلاحظ كذلك ضغط شديد في بداية السطر (أ.3)، حيث يبدو حرف الألف قريبًا من اللام، وهو ما قد يعكس تأثيرًا للهجة العامية في صياغة الفعل، باستخدام “ياخد/يأخذ” بدلًا من الصيغة الكلاسيكية “خُذ”، كما أشار كاي (Kaye 1976: 48).
كما تظهر علامة غامضة في السطر (أ.2) تشبه حرف “تاء”، ويبدو أنها مرتبطة بالاسم الشخصي السابق أكثر من الجملة اللاحقة. وفي السطر (أ.8)، فإن قراءة عبارة “كاتبه” (kātibu-hu) ليست مباشرة، لكنها تبقى التفسير الأرجح عند مقارنتها بوثائق مشابهة من قصر إبريم (Hinds & Ménage 1991: 15). ويُلاحظ كذلك غياب الهمزة، وهو أمر شائع في مثل هذه النصوص الوثائقية، كما في كتابة “ياجيك” بدل “يجيئك” في السطر (أ.2). أما من حيث الضبط، فإن النص يخلو من علامات التشكيل التي غالبًا ما تُستخدم لشرح المصطلحات المحلية في وثائق دنقلا، وهي ظاهرة مشابهة لما سُجل في وثائق جزيرة إيكو (Spaulding 1990: 286–288)، وقد يُعزى هذا الغياب إلى كون النص مسودة أولية كان يُفترض تنقيحها لاحقًا.
أما من حيث البنية والمضمون، فيتضح أن النص على وجهي الورقة يُشكّل تعليمات متكاملة ضمن أمر إداري واحد. إذ يُفترض أن يتولى خضر تنفيذ توجيهات الملك قشقاش، التي نُقلت عبر كاتبه حمد، والمتعلقة بإجراء عملية تبادل مع شخص يُدعى محمد العرب. وتشير التعليمات إلى أن الأخير سيحضر ثلاث وحدات من سلعة تُعرف باسم “ردويت”، مقابل تسليمه نعجة وصغارها. وفي مرحلة لاحقة، يُطلب من خضر استلام هذه الماشية من عبد الجابر، ما يدل على وجود سلسلة من الوسطاء ضمن عملية التبادل.
ويُلاحظ إدراج عبارات تحفيزية تؤكد ضرورة التنفيذ السريع، ربما بسبب طبيعة المعاملة أو أهميتها، وذلك قبل توقيع الكاتب والتحية الختامية المعتادة “السلام”. أما النص في الجانب الخلفي، فيبدو كإضافة لاحقة أو توضيح مكمل، حيث يُطلب من خضر تسليم عبد الجابر ثلاث وحدات من سلعة أخرى، يُرجح أنها منسوجات قطنية (mandūf / manādif) أو أغطية رأس (الرأس)، أو ربما أغطية رأس قطنية، رغم وجود جزء ناقص في النص. وتُستكمل هذه العملية الثانية في إطار تبادل مرتبط بالماشية المذكورة سابقًا، والتي يبدو أنها كانت موجهة في النهاية إلى المالك الجديد، محمد العرب.
وبذلك، تقدم هذه الوثيقة نموذجًا غنيًا للتفاعلات الاقتصادية والإدارية في دنقلا القديمة، وتعكس تداخل العناصر اللغوية المحلية مع العربية المكتوبة، إلى جانب إبراز شبكات التبادل والعلاقات الاجتماعية في سياق سلطنة الفونج، كما تؤكده المقارنات مع وثائق قصر إبريم وجزيرة إيكو (Hinds & Ménage 1991؛ Spaulding 1990؛ Kaye 1976؛ Wales 2011).
الملك قشقاش (السطر أ.1)
يُرجّح أن شخصية “الملك قشقاش” الواردة في نص “أمر الملك” معروفة من خلال كتاب الطبقات، حيث يظهر اسمه في سياقين سيريين، وإن بصيغة مختلفة قليلًا هي “كشكاش”. ولا يُعد هذا الاختلاف في التهجئة أمرًا مستغربًا، إذ إن التبادل بين الأصوات المتقاربة ظاهرة مألوفة في العربية العامية السودانية، كما أوضح كاي (Kaye 1976: 25). ويعزز هذا الطرح ما أشار إليه محرر الطبقات، من أن الاسم كان يُنطق في الأصل بحركتين قصيرتين /a/، بينما أصبح في النطق الحديث أقرب إلى “كوشكوش”، وفق ما ذكره ود ضيف الله (Wad Dayfallah 1971: 182، حاشية 20).
وتؤكد الملاحظات الميدانية المعاصرة أن الصيغة الأخيرة (كوشكوش) لا تزال شائعة بين سكان القرى المجاورة لمنطقة دنقلا القديمة، ما يعكس استمرارية التقاليد الشفوية وتأثيرها في تطور النطق. ومع ذلك، ولأغراض منهجية، يُفضَّل الالتزام بالصورة الصوتية الأقرب إلى النص الوثائقي، أي “قشقاش”، مع الإشارة إلى “كشكاش” عند مناقشة ما ورد في الطبقات. ويستند هذا الاختيار إلى ضرورة التمييز بين ما حفظته المصادر المكتوبة وما قد يكون طرأ عليه من تحولات لاحقة بفعل التغيرات اللغوية والثقافية، كما يشير بارانسكي (Barański، قريباً). ورغم أن الاسمين يُرجَّح أنهما يشيران إلى شخصية تاريخية واحدة، إلا أنه لا يمكن استبعاد احتمال تكرار الاسم بين أكثر من حاكم.
وبحسب روايات الطبقات، كان “كشكاش” الجد الأكبر للشيخ الهلالي، وهو من نسل محمد بن عيسى سوار الذهب، أحد أبرز الشخصيات الدينية في دنقلا القديمة والسودان عمومًا (MacMichael 1922: 246؛ Wad Dayfallah 1971: 182–183). وقد تزوّج سوار الذهب من ابنة الملك الحسن بن كشكاش، وأنجبت له الشيخ الهلالي، ما يربط بين السلطة السياسية والنفوذ الديني في هذه السلسلة النَسَبية.
ورغم حضور اسمي الحسن وكشكاش في هذه الروايات، فإنهما لا يحتلان موقع البطولة في السرد، إذ تبرز شخصية الأميرة—التي لم يُذكر اسمها—كدور محوري في ضمان انتقال السلطة إلى ابنها الهلالي رغم صغر سنه بعد وفاة والده. وقد رُويت هذه الحادثة في موضعين داخل الطبقات: مرة ضمن سيرة الشيخ الهلالي، ومرة أخرى في سيرة الشيخ عوضة بن عمر شكّال القارح (MacMichael 1922: 231–232؛ Wad Dayfallah 1971: 272–277).
خضر بن شهدت / شهب (ت؟) (السطور أ.1-2، ب.1)
تشير السطور (أ.1-2، ب.1) من الوثيقة إلى شخصية خضر بن شهدت أو شهب وبالرغم من شيوع هذا الاسم إلا أن القرائن ترجح كونه الرجل ذا النفوذ الذي ذكره محمد النور بن ضيف الله في كتابه الطبقات (1971: 274) كأحد أعيان دنقلا في تلك الحقبة حيث وُصف بأنه رجل غني وكان بطلاً لواقعة تظهر كرامات الشيخ عوده بن عمر شكال القارح إذ تروي القصة أن الشيخ حث خضر على التبرع بمئة قرش للفقراء مقابل وعده بطول العمر ليصل لمئة عام لكن خضر وبمشورة من ابنه أو أخيه لم يتبرع سوى بأحد عشر قرشاً ليتوفى بعد أحد عشر عاماً فقط كما ورد في المصدر التاريخي المذكور. وتبرز في متن الرسالة إشكالية لغوية في تحديد اسم الأب للمرسل إليه وما إذا كانت التاء في نهاية الاسم زائدة أو ناتجة عن خطأ كتابي لم يُصحح في المستند الأصلي علماً بأن الأسماء العربية مثل شهادة أو شهاب قد تظهر في الرسم الناقص (scripto defectiva) وهو افتراض معقول لتفسير الخطأ الكتابي وإلا فقد يكون أصل الاسم مستمداً من لغات محلية غير العربية كانت سائدة في المنطقة آنذاك.
ʾRDWYĀT (السطر A.3)
يظل تحديد مصطلح “ʾRDWYĀT” الوارد في السطر (A.3) غير مؤكد، إلا أن التفسير الأرجح يشير لكونه نوعاً من المنسوجات، بالنظر لدور القماش كعملة تبادلية وسلعة رئيسية في سودان ما قبل الاستعمار كما ذكر كابتينز وسبولدينغ (1982: 37) ووزنياك (2020: 750). ويرجح أصل الكلمة عربياً من “رِدَاء” وجمعها “أردية” بمعنى الثوب المنسدل وفقاً لكازيميرسكي (1860: 850-851) وقاسم (2002: 447-448). وقد استخدم أرشيف قصر إبريم مصطلح “الحموية” للإشارة لطول قياسي من القماش يعمل كعملة (هيندز وساكوت 1986: 104)، وهو ما قد يتوافق اشتقاقياً مع الأقمشة القطنية المطبوعة المستوردة من حماة السورية للسودان (والز 1979: 224)، حيث لعب المصطلح في أمر الملك دوراً هيكلياً ومعاملاتياً مماثلاً رغم اختلاف المعنى الدقيق.
ويبرز تفسير اشتقاقي آخر يعتبر “ʾRDWYĀT” صيغة جمع عربية للمصطلح النوبي الدنقلاوي “أردا” بمعنى “السدى” في النسيج، وهو ما قد يشير لتحول دلالي عن المصطلح العربي “عَرض” للإشارة للسدى بدلاً من “الطول” (تول) كما أشار تشارلز أرمبرستر (1965: 18). ويمثل ذلك نمطاً من التبادل اللغوي حيث استُوعبت الكلمة العربية في النوبية ثم عادت للاستخدام العربي المحلي بشكل معدل. ولم يظهر هذا المصطلح الغريب إلا مرة أخرى في مجموعة وثائق دنقلا ضمن المذكرة القانونية رقم 2205 الموجودة بذات الغرفة U128، وهي نص محفوظ بشكل سيئ يذكر أربعة “ʾRDWYĀT” ويبدو أنها تُثبت بيع أرض بناءً على عبارتها الافتتاحية “تذكرة مباركة” المعتادة في وثائق الموقع (فانثيغيم 2015: 235).
عبد الجابر (السطرين أ.5 وب.1)
رغم أن علامات الإعجام في السطرين (أ.5 وب.1) قد تفتح الباب لقراءات مثل “ياير”، إلا أن سياق الوثيقة يرجح اسم “جابر” كونه الأكثر شيوعاً، ورغم أن التسمية الصحيحة تقتضي “عبد الجبار”، إلا أن اسم “عبد الجابر” يبدو منطقياً بالنظر لشهرة عشيرة “أولاد جابر” في السودان. ولا يتوسع “كتاب الطبقات” لود ضيف الله (1971: 130) في سيرة جابر نفسه بقدر اهتمامه بنسله ذوي النفوذ الذين دعوا للدين بين الشايقية، وصولاً لجدته التي أسست جيلاً من رجال الدين، حيث يعود نسب جابر شبه الأسطوري لخمسة أجيال وصولاً لغلام الله، أحد أوائل معلمي الإسلام في دنقلا بعد تفكك مكوريا وفقاً لهولت (1967: 145–147).
أما السطر (ب.2) فيمثل تحدياً تفسيرياً بسبب بهتان النص، حيث يشير لسلعة سبقتها كمية “ثلاثة من”، وهي تختلف عن “ʾRDWYĀT” الواردة في الوجه الآخر. ورغم تحسين النص بالأشعة تحت الحمراء (الشكل 6)، لا يزال المعنى الدقيق غير مؤكد، وإن كان المصطلح يتألف غالباً من كلمتين مرتبطتين بالإضافة أو بحرف العطف، حيث تبدو الكلمة الأخيرة بوضوح “الرأس”. ويشير والز (1978: 185) إلى أن صيغة الجمع “رؤوس” كانت تُستخدم جماعياً في التجارة للإشارة إلى المستعبدين والماشية كسلع تجارية، وهو ما قد يفسر طبيعة المادة المذكورة في هذا الجزء المتضرر من الوثيقة الملكية.
تمثل الكلمة الأولى في السطر (B.2) إشكالية تفسيرية بسبب عدم وضوحها، حيث قد تُقرأ كشكل محرف من مصطلح “المذكور” لربط العناصر بالبضائع الواردة في الجانب (أ)، إلا أن هذا التفسير يواجه عقبات نحوية وباليوجرافية، خاصة في رسم حرف “الكاف” الذي لا يجد تبريراً في سياق الوثيقة. ومن المرجح أن الكلمة تشير لسلعة أخرى مثل “مندوف” أو جمعها “مناديف” بمعنى القماش القطني الفاخر، وهو مصطلح وثقه ود ضيف الله في “الطبقات” (1971: 186) وأكده كازيميرسكي (1860: 1228) وقاسم (2002: 1126) في المعاجم الكلاسيكية واللهجية، وإن كان استخدام أداة التعريف هنا يبدو شاذًا.
ويبقى التساؤل قائماً حول ما إذا كان الأمر الملكي يشير لنوع محدد من أغطية الرأس القطنية “مندوف الرأس”، وهو مصطلح غير معهود في سياقات أخرى، أو أنه يشير لثلاث قطع من القماش ورأس من الماشية أو الرقيق “مندوف والرأس” عبر استخدام حرف العطف، حيث يحمل مصطلح “الرأس” معنى مجازياً راسخاً كسلعة تجارية كما سلف ذكره. إن هذا الغموض في النص يعكس تعقيدات العملات السلعية والتبادل التجاري في دنقلا، حيث تتداخل مسميات المنسوجات مع وحدات القياس والقيمة في نظام اقتصادي يعتمد على المقايضة والمنسوجات الفاخرة كأدوات للسياسة والمكانة.
تاريخ الوثيقة وسياقها الأثري
على الرغم من خلو “أمر الملك” من تاريخ صريح، إلا أن القرائن الخارجية تتيح تقديراً زمنياً دقيقاً؛ فوفقاً لما أورده ود ضيف الله في “الطبقات” (1971: 347)، صاهر الملك الحسن بن كشكاش الزعيم الديني محمد بن عيسى سوار الذهب، الذي نشط في دنقلا القديمة حتى منتصف القرن السابع عشر وحصل على “منحة جاه” من سلطان الفنج بادي بن رباط (1645-1680). ويشير ذكر أوليا جلبي لقبر سوار الذهب خلال رحلته عام 1670 (بروكوش 1992: 153-154؛ دانكوف وآخرون 2018: 8-9) إلى أن الملك قشقاش، والد الحسن، قد تولى السلطة في أوائل إلى منتصف القرن السابع عشر، وربما امتد حكمه من النصف الثاني للقرن السادس عشر. أما التخلص من الوثيقة في الغرفة U128 فقد حدث لاحقاً بين منتصف القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر وفقاً لتأريخ الكربون المشع واللقى النقدية، وهو ما يطرح تساؤلات حول ممارسات الحفظ أو إعادة التدوير الورقي في تلك الفترة (بول 2018: 351، 354).
وتعزز المكتشفات في المبنى A.1، الملقب بـ “بيت الملك”، فرضية ارتباطه بالنخبة؛ حيث ضمت المجموعة وثائق ورقية (بارانسكي، قريباً) ومنسوجات فاخرة من الحرير والكتان المصبوغ باللون الأزرق، وهي لقى نادرة في الموقع (ووزنياك 2020؛ قريباً). ويتسق هذا مع تفسير مصطلحات “ʾRDWYĀT” و”مندوف الرأس” كمنسوجات ذات قيمة. كما أن العثور على رصاصات بنادق وقرن بارود يدعم المكانة الرفيعة للسكان، إذ كانت الأسلحة النارية في نوبة ما قبل الاستعمار رموزاً للمكانة أكثر من كونها أدوات حربية (ويزغول 2025: 212-215؛ أوبلوسكي ودزيرزبيكا 2025: 376). وبما أن الأسلحة والمنسوجات كانت هدايا حصرية يوزعها الحكام وتجار سنار وإثيوبيا على النخب (سبولدينغ 2007: 68)، فإن تضافر الأدلة الوثائقية مع السياق المعماري لـ “منزل ميك” يؤكد التقاليد المحلية التي تربط هذا الصرح بالأسرة المالكة في دنقلا قبل الاستعمار.
أمر الملك: السياسة المصغرة فوق التجارة
يُرجح أن تكون المذكرة المكتوبة، باعتبارها “رداً” (جواب كما في السطر أ.7)، جزءاً من مراسلات أوسع بين الملك قشقاش ومرؤوسه الخضر تتعلق بشؤون البلاط، إلا أن السيناريو الأكثر تماسكاً لتفسير المعاملات الموصوفة هو تمثيلها لإجراءات “سياسة مصغرة” تهدف لتعزيز الروابط الاجتماعية بدلاً من الربح التجاري الصرف. فمن المحتمل أن التبادل بين قشقاش ومحمد العرب تضمن هدايا من المنسوجات (ردويات) للحاكم، لم تكن تهدف لربح فوري مقابل الماشية القليلة التي تلقاها محمد العرب، بل للحصول على مزايا أوسع مثل دخول السوق المحلية أو تصاريح السفر، وهي امتيازات ينشدها التجار الوافدون عادةً وفقاً لسبولدينغ (1984: 38). ويتسق هذا مع ما دونه “كرامب” في رحلاته عبر موشو ودنقلا، حيث تلقى رفاقه أغناماً وطعاماً مقابل سلع فاخرة أو خدمات طبية في البلاط (سبولدينغ 1974: 225، 372).
نظرياً، قد يعكس الأمر دور الملك القضائي كوسيط، خاصة إذا لم يحصل ممثله الخضر على مقابل مادي مباشر، إلا أن سلسلة التبادلات غير المتكافئة تجسد بوضوح تقليد “تبادل الهدايا” (سبولدينغ 1984: 36-37). وتتجاوز مساهمة الملك القيمة المادية للماشية المأخوذة من عبد الجابر لتصل لُبعد رمزي، خاصة إذا صح تأويل المصطلح الممحو بـ “مندوف الرأس”؛ إذ يشير كرامب إلى أن أغطية الرأس القطنية كانت حكراً على الحاكم وكبار النبلاء في النوبة (سبولدينغ 1974: 224). وهكذا، فإن الروابط بين قشقاش ومحمد العرب وعبد الجابر تجسد منطق الترابط المتبادل الذي شكل العلاقات الاجتماعية والسياسية في دنقلا ما قبل الاستعمار، حيث تُمنح المكانة والامتيازات جنباً إلى جنب مع السلع المادية.
ملك النوبة يعمل – ولكن مع من؟
تظل هوية محمد العرب وعبد الجابر، المذكورين في “أمر الملك” كطرفين مسلمين، مجهولة في سياقها الفردي، لكنها تكشف عن نسيج اجتماعي معقد؛ فمحمد العرب قد يكون وكيلاً تجارياً بخلفية بدوية، ينتمي لفئة “التجار العرب” (عرب קǝlābā) الذين وصفهم الراهب الإثيوبي تاكلا ألفا عام 1596 خلال إقامته في دنقلا (دزيرزبيكا وإيلاجينا 2025). هؤلاء التجار المتجولون عاشوا حياة أقل استقراراً مقارنة بـ “المسلمين” و”النوبيين” المستقرين في المدينة، وربما مثل محمد العرب عشيرة قدمت سلعاً للملك قشقاش كولاء أو ضريبة أو تجارة، وهي سيناريوهات أكدها دي بريفيدان في رسالته من السودان عام 1699 (كروفورد 1951: 294). في المقابل، يظهر عبد الجابر كطرف ذي توجه محلي أعمق، حيث تشير معرفة الملك الدقيقة بممتلكاته من الماشية إلى كونه من النخبة المحلية القادرة على صيانة علاقات تجارية وثيقة مع البلاط.
أما الخضر، فقد برز كممثل للملك في إدارة هذه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، مضطلعاً بدور يشبه “موظف الجمارك الملكي” الذي ذكره كرامب كمسؤول عن تحصيل الرسوم نيابة عن ملك دنقلا (سبولدينغ 1974: 241). ويعكس هذا التفويض نطاق مسؤوليات الملك الواسع وحاجته لمرؤوسين موثوقين، حيث تشير المراسلات بين قشقاش وخضر إلى حركة سفر دائمة لأحدهما أو كليهما، ناتجة عن أبعاد جغرافية أو اجتماعية. كما يستبطن “أمر الملك” أن الخضر كان إما ملماً بالقراءة والكتابة أو يمتلك القدرة على توظيف كاتب، تماماً كما اعتمد الملك قشقاش على كاتبه حمد، مما يسلط الضوء على درجة من البيروقراطية والتدوين في إدارة شؤون مملكة دنقلا في تلك الحقبة الانتقالية.
التعريب ومحو الأمية في دنقلا ما قبل الاستعمار
رغم أن لغة “أمر الملك” تحاكي العربية الفصحى، إلا أنها تتسم بسمات غير قياسية كالتصريف العامي والاضطراب في الضمائر، لا سيما استخدام المذكر بدل المؤنث، وهو نمط رُصد أيضاً في محفوظات قصر إبريم العثمانية (هيندز وسكوت 1986: 5). ويبدو أن اللهجات الشفوية أثرت على كاتب الملك في بيئة لم تكن العربية فيها لغة أماً بعد، كما يلاحظ غياب البسملة (ديم 2008: 854)، وهو ما يُفسر بكون الوثيقة مذكرة دفع غير رسمية وليست خطاباً بروتوكولياً، بدليل شكل الورق غير المنتظم. وتؤكد الوثيقة أن العربية غدت اللغة الأساسية للتدوين في دنقلا مطلع القرن السادس عشر، مع استمرار اللغات النوبية (سلف الأنداندية الحديثة) كأداة للتواصل الشفهي اليومي حتى بعد توقف تدوين النوبية القديمة في القرن الخامس عشر (إدواردز 2004أ: 260؛ جاكوبي 2008؛ فان جيرفن أوي 2021: 13-18).
ومع ندرة توثيق مستويات الأمية، يُرجح أن القراءة والكتابة كانت محصورة في فئات ضيقة من النخبة وعامة الشعب، على غرار وضع سلطنة الفونج (سبولدينغ 2007: 43–44). وبالنسبة لشخصيات مثل حمد والخضر، مثلت العربية وسيلة للترقي الاجتماعي، بينما تركزت مهارات الكتابة العليا لدى النخبة الدينية والعلماء المسلمين الذين استمدوا نفوذهم من امتلاك “أداة المعرفة الغامضة” (مك هيو 1994: 65-66). وقد مارس هؤلاء ضغطاً كبيراً على النبلاء والعامة، كما لاحظ كرامب في منطقة “الدبة” (كروفورد 1951: 217؛ سبولدينغ 1974: 254). ويشكل “أمر الملك” استثناءً لافتاً في هذا السياق، إذ يمثل وثيقة إدارية سلطوية لا ترتبط مباشرة بأنشطة رجال الدين، مما يكشف عن حراك مؤسسي مستقل داخل بلاط دنقلا في مرحلة ما قبل الاستعمار.
الاستنتاجات
حتى وقت قريب، ظل الملك قشقاش شخصية شبه أسطورية تستند حصراً لذكر غير مباشر في “كتاب الطبقات”، إلا أن الوثيقة التي تناولها هذا البحث ترجح كونه المصدر الفعلي للأمر الملكي، مما يجعله -باعتباره والد الملك حسن- أقدم ملك معروف لدنقلا في فترة ما بعد العصور الوسطى (القرنين 16 و17). ويقدم “أمر الملك” دليلاً مادياً قوياً على الوجود التاريخي لهذين الحاكمين، كما يعزز الربط الأثري بين المبنى (A.1) والتقاليد الشفوية التي تعتبره مقراً ملكياً، وهو ما تدعمه اللقى الفاخرة المستخرجة من “بيت ميك”.
وتكشف الوثيقة عن ممارسات “السياسة المصغرة” المعقدة لحاشية قشقاش في إدارة توزيع السلع والمكانة ضمن نظام الرعاية الملكية (كابتينز وسبولدينغ 1982: 33-34). وتعكس رغبة الملك في الإشراف المباشر على الأنشطة التجارية لضمان مصالحه ومصالح مرؤوسيه، على نحو يتسق مع روايات بونسيه وكرامب عن “ملك دنقلا”. وباعتباره وثيقة محلية نادرة، يقدم هذا الأمر منظوراً داخلياً يكمل السرديات التاريخية الأجنبية حول العلاقات الاجتماعية في نوبة ما قبل الاستعمار.
وتتيح المصادر الوثائقية المكتشفة في دنقلا القديمة فرصة فريدة لاستكشاف التحولات اللغوية والتفاعلات الثقافية التي سبقت الغزو التركي المصري عام 1820، حيث تشكل المصطلحات -رغم صعوبة فك رموز بعضها- مدخلاً لفهم التقاليد المتنوعة التي أثرت في السودان، بما في ذلك إرث مصر العثمانية وسلطنة الفونج. إن اكتشاف “وسام الملك” (أو أمره) يجسد الدور الحيوي للبحث الأثري في إضاءة التاريخ الأفريقي الحديث نسبيًا؛ ففي سياق تندر فيه المصادر المكتوبة، يمثل هذا البحث حالة استثنائية لنقل شخصية تاريخية من حيز الأدبيات الدينية والتقاليد الشفوية إلى إطار تاريخي موثق بأدلة مادية ملموسة.
شكر وتقدير
حظي هذا البحث بدعم مالي من مؤسسة العلوم البولندية (FNP) عبر برنامج START لعام 2023، كما ساهم برنامج مبادرة التميز بجامعة وارسو (IDUB) في دعم نشر النتائج. ويندرج العمل ضمن مشروع “UMMA” المعني بالتحول الحضري للعواصم الأفريقية، والذي نفذه المركز البولندي لآثار البحر الأبيض المتوسط بجامعة وارسو (2018-2024) بقيادة أرتور أوبلوسكي، وبتمويل من منحة بداية مجلس البحوث الأوروبي (ERC) تحت برنامج Horizon 2020 (اتفاقية رقم 759926). كما يتوجه المؤلفون بالشكر للمراجعين على ملاحظاتهم القيمة التي أثرت الورقة البحثية.
وعن المساهمين في هذا العمل، يبرز توماش بارانسكي كباحث مساعد بالمركز البولندي ومتخصص في الدراسات العربية والنقشية، حيث يركز مشروعه للدكتوراه على دور رجال الدين المسلمين في دنقلا قبل الاستعمار. ويشارك أرتور أوبلوسكي بصفته مديراً للمركز والباحث الرئيسي لمشروع UMMA ورئيس البعثة البولندية لدنقلا، وهو عالم نوبي متخصص في الفترات الانتقالية ورئيس الجمعية الدولية للدراسات النوبية. كما يساهم ماسيج ويزغول، المحاضر بالمركز، بخبرته الأثرية في السودان ومصر، حيث يركز في أبحاثه على آليات الهوية والأسر وعلم الآثار الجيولوجي في منطقة وادي النيل الأوسط.
مراجع
آدامز، وايومنغ 1977.النوبة: ممر إلى أفريقيالندن: ألين لين.
آدامز، وايومنغ 1994. “منازل القلاع في أواخر العصور الوسطى في النوبة”.علم آثار النيل الأوسط6: 11–46.
آدامز، وايومنغ 1996.قصر إبريم: أواخر العصور الوسطىلندن: جمعية استكشاف مصر.
آدامز، وايومنغ، وآدامز، نورث كارولاينا 1998.كولوبنارتي 2: البقايا الأثريةلندن: جمعية البحوث الأثرية السودانية.
آدامز، وايومنغ، وآدامز، إن كيه 2010.قصر إبريم: فترة العصور الوسطى المبكرةلندن: جمعية استكشاف مصر.
أندرسون، الابن 2016. “ضمان عدم التغيير: التمائم الإسلامية من كولوبنارتي، السودان”.دراسات المتحف البريطاني في مصر القديمة والسودان23: 7–19.
أرمبروستر، تش. هـ. 1965.اللغة الدونغولية النوبية: معجمكامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج.
باغنال، آر إس (محرر) 2009.دليل أكسفورد لعلم البردياتأكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد.
بارانسكي، ت.، 2025.ربط النبلاء الأفارقة ورجال الدين المسلمين والمسافرين الأوروبيين في رسالة عربية من دنقلا القديمة (السودان). ملصق تم تقديمه في الاجتماع السنوي السابع والعشرين لجمعية علماء الآثار الأفارقة (SAfA 2025)، فارو، الغارف، البرتغال.كروسريف.
بارانسكي، ت.، قيد النشر. “وثائق ورقية عربية من دنقلا القديمة: نظرة عامة”. فيمملكة دنقلا: منظورات أثرية حول التحول الاجتماعي لمدينة أفريقية ما قبل الاستعمار، حرره أ. أوبلوسكي. تورنهاوت: بريبولز.
بارانسكي، ت.، قيد النشر. “التأثيرات النوبية على أسماء الأشخاص كما يتضح من الوثائق العربية من دنقلا القديمة”. فيأصوات نوبية 3، تم تحريره بواسطة A. Łajtar، G. Ochała، و J. van der Vliet (=مجلة ملاحق علم البرديات القانونية). لوفين: بيترز.
بروس، ج. 1806.رحلات لاكتشاف منبع النيللندن: ألكسندر موراي.
بوركهارت، جيه إل 1819.رحلات في النوبةلندن: جون موراي.
كوك، ج. 1986.أسلمة النوبي كريتيان: القرن السابع عشر إلى القرن السادس عشر.باريس: ليبر. المستشرق ب. جوثنر.
كروفورد، OGS 1951.مملكة الفطر في سنارغلوستر: جون بيلوز.
Dankoff, R., Tezcan, N., and Sheridan, MD 2018.استكشافات العثمانيين لنهر النيل: خريطة “اللؤلؤة التي لا مثيل لها” لإيفليا جلبي، ورواياته عن النيل والقرن الأفريقي في كتاب الرحلات.لندن: مكتبة جينكو.كروسريف.
ديبتولا، أ.، وبارانسكي، ت. (قريبًا). “سحر نوبيكا: دراسة الشظايا السحرية المسيحية والإسلامية من دنقلا القديمة”. فيمملكة دنقلا: منظورات أثرية حول التحول الاجتماعي لمدينة أفريقية ما قبل الاستعمار، حرره أ. أوبلوسكي. تورنهاوت: بريبولز.
ديبتولا، أ. وويزغول، م. 2021، “الجدار المحيطي”. فيدنقلا القديمة: التنمية، التراث، علم الآثار. العمل الميداني في 2018-2019. المجلد الأول: الحفريات، حرره أ. أوبلوسكي، و د. دزيرزبيكا، 23-33. لوفين: بيترز.كروسريف.
ديم، و. 2008. “الحروف العربية في العصور ما قبل الحديثة: دراسة استقصائية مع ببليوغرافيات مختارة مع تعليقات.” فيرسائل وثائقية من الشرق الأوسط: الأدلة باللغات اليونانية والقبطية والعربية الجنوبية والبهلوية والعربية (القرن الأول – الخامس عشر الميلادي)، حرره أ. كابلوني، وإي إم جروب، 843-883. برن، برلين، بروكسل: بيتر لانج.
Drzewiecki, M. 2016.الممالك العظيمة وحصونها: دور المواقع المحصنة في سقوط مروي وصعود الممالك في العصور الوسطى في النوبة العلياوارسو: معهد ثقافات البحر الأبيض المتوسط والشرق التابع للأكاديمية البولندية للعلوم.
دزيرزبيكا، د. 2025. “التصنيف الزمني والتسلسل الزمني”. فيدنقلا القديمة: التنمية، التراث، علم الآثار. العمل الميداني في الفترة 2019-2021، حرره أ. أوبلوسكي ود. دزيرزبيكا، 351-367. لوفين: بيترز.
دزيرزبيكا، د.، وإيلاجينا، د. 2025. “لقد أقمت في دنقلا، بين النوبيين والمسلمين، بمفردي.” رواية الراهب الإثيوبي تاكلا ألفا في سياقها من القرن السادس عشر.أزانيا: البحوث الأثرية في أفريقيا60 (2): 259–284.كروسريف.شبكة العلوم.
إدواردز، دي إن 2004 أ.الماضي النوبي: علم آثار السودانلندن: روتليدج.كروسريف.
إدواردز، دي إن 2004ب. “إمكانات علم الآثار التاريخي في السودان”.أزانيا: البحوث الأثرية في أفريقيا39 (1): 13–33.كروسريف.
الزين، انتصار س. 2004.علم الآثار الإسلامية في السودانأكسفورد، إنجلترا: دار النشر أركيوبريس.
جودليفسكي، دبليو. 2013.دونغولا: تونغول القديمة: دليل أثريوارسو: المركز البولندي لعلم الآثار المتوسطية، جامعة وارسو.
هيلسون، س. 1923. “طبقات وديف الله. دراسات في حياة العلماء والأولياء”.مذكرات وسجلات السودان6 (2): 191–230.شبكة العلوم.
هيندز، م.، وميناج، ف.ل. 1991.قصر إبريم في العصر العثماني: اللغة التركية والعربية الإضافية
هيندز، م.، وساكوت، ح. 1986.وثائق عربية من العصر العثماني من قصر إبريملندن: جمعية استكشاف مصر.
هولت، بي إم 1967. “أبناء جابر وأقاربهم: عشيرة من الشخصيات الدينية السودانية البارزة”.نشرة كلية الدراسات الشرقية والأفريقية، جامعة لندن30 (1): 142–157.
هونويك، ج. 2005. «المصادر العربية لتاريخ أفريقيا». فيكتابة التاريخ الأفريقي، حرره جيه إي فيليبس، 216-53. روتشستر، نيوجيرسي: بويديل وبروير.
جاكوبي، أ. 2008. “النوبي”. فيموسوعة اللغة العربية وعلم اللسانيات، المجلد 3، حرره ك. فيرستيغ، 435-39. ليدن: بريل.
كابتينز، ل. وسبولدينغ، ج. 1982. “التجارة ما قبل الاستعمارية بين الدول في شرق السودان، حوالي 1700 – حوالي 1900”.التاريخ الاقتصادي الأفريقي، 11: 29–62.كروسريف.شبكة العلوم.
كاي، AS 1976.اللهجة التشادية والسودانية العربية في ضوء علم اللهجات العربية المقارنلاهاي، باريس: موتون.كروسريف.
كازيميرسكي، أ. 1860.قاموس عربي-فرنسيباريس: ميزونوف.
خان، ج. 2024.وثائق عربية من النوبة في العصور الوسطىكامبريدج، المملكة المتحدة: دار نشر أوبن بوك.كروسريف.
لوميير، ر. 2013.المجتمعات الإسلامية في أفريقيا: دراسة تاريخية أنثروبولوجيةبلومنجتون: مطبعة جامعة إنديانا.كروسريف.
Łajtar, A. 2020.مركز حج مسيحي متأخر في النوبة: دليل من نقوش جدارية في الكنيسة العليا في بانجانارتيلوفين: بيترز.كروسريف.
Łajtar, A., and Ochała, G. 2020. “استخدام اللغة ومحو الأمية في النوبة في أواخر العصور القديمة والعصور الوسطى.” فيدليل أكسفورد عن النوبة القديمة، حرره جي. إمبرلينج وبي بي ويليامز، 787-805. نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد.
ماكمايكل، HA 1922.تاريخ العرب في السودان، المجلد الثانيكامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج.
ماكهيو، ن. 1994.رجال الدين في النيل الأزرق: نشأة مجتمع عربي إسلامي في السودان النيلي، 1500-1850إيفانستون، إلينوي: مطبعة جامعة نورث وسترن.
ميليت، ن.ب. 1964. “التقرير الأولي لبعثة جبل عدا، 1963-1964”.مجلة المركز الأمريكي للبحوث في مصر3: 7–14.كروسريف.
موبلي، تش. 2018. “المصادر والأساليب الوثائقية لتاريخ أفريقيا ما قبل الاستعمار”. فيموسوعة أكسفورد البحثية لتاريخ أفريقيامطبعة جامعة أكسفورد.كروسريف.
أوبلوسكي، أ. (محرر) قيد النشر أ.مملكة دنقلا: منظورات أثرية حول التحول الاجتماعي لمدينة أفريقية ما قبل الاستعمارتورنهاوت: بريبولز.
أوبلوسكي، أ.، قيد النشرمملكة دنقلا. التحول الاجتماعي والديني لعاصمة أفريقية ما قبل الاستعمارتورنهاوت: بريبولز.
أوبلوسكي، أ. ودزيرزبيكا، د. (محرران). 2021.دنقلا القديمة: التنمية، التراث، علم الآثار. العمل الميداني في 2018-2019. المجلد 1. الحفرياتلوفين: بيترز.كروسريف.
أوبلوسكي، أ. ودزيرزبيكا، د. (محرران). 2022.دنقلا القديمة: التنمية، التراث، علم الآثار. العمل الميداني في 2018-2019. المجلد 2. دراسات الموادلوفين: بيترز.كروسريف.
أوبلوسكي، أ. ودزيرزبيكا، د. (محرران). 2025.دنقلا القديمة: التنمية، التراث، علم الآثار. العمل الميداني في الفترة 2019-2021لوفين: بيترز.
أوبلوسكي، أ.، هيربيش ت.، وريندزيفيتش ر. 2022. “إلقاء الضوء على العصور المظلمة السودانية: البحث الجيوفيزيائي في دنقلا القديمة، وهي مدينة دولة من فترة الفونج (القرون 16-19)”.التنقيب الأثري29 (2): 259–73.كروسريف.ببمد.شبكة العلوم.
أوفاهي، آر إس (محرر) 1994.الأدب العربي في أفريقيا، المجلد الأول: كتابات شرق السودان الأفريقي حتى حوالي عام 1900. (=Handbuch der Orientalistik I.13,1ليدن: بريل.
أوفاهي، آر إس وسبولدينغ، جيه. 1974.ممالك السودانلندن: ميثوين وشركاه
بول، ج. 2018. “الممارسات الأرشيفية في العالم الإسلامي قبل عام 1500”. فيالمخطوطات والمحفوظات: وجهات نظر مقارنة حول حفظ السجلات، حرره أ. باوسي، تش. بروكمان، م. فريدريش، وس. كينيتز، 339-360. برلين، بوسطن: دي جرويتر.
بونسيه، جيه.-ش. 2010.علاقة رحلتي إلى إثيوبيا، 1698–1701: طبيب فرنسي من محكمة جوندار من لويس الرابع عشر، التاريخ الحقيقي للحبشة، حرره إيريك بوا وخوسيه ماري بيل. بيزانسون: الفانوس السحري.
بروكوش، إي. 1994.Ins Land der Geheimnisvollen Func: des Türkischen Weltenbummlers، Evliyya جلبي، Reise durch Oberägyptten und den Sud…n nebst der Osmanischen Provinz Habes in den Jahren 1672/73غراتس: ستيريا.
قاسم، عون الشريف، 2002.قموس الحاجة العامة في السودان. الطبيعة 3, الطبيعة مزيدة ومناقشة. الخرطوم: الدار السودانية للكتب.
راموسيو، بريطانيا العظمى 1550.المجلد الأول من الإبحار والسفر الذي يحتوي على وصف لأفريقيا، وبلدة بريت إياني، مع رحلات متنوعة، من مار روسو إلى كاليكوت وداخل جزيرة مولوتشي، حمامة ناسكونو لو سبيتيير والملاحة تضفي على العالمالبندقية: لوكانتونيو جيونتي.
سينوبوس، ر. 2020. “أمير في أسوان، سيادة في دنقلا: تنافس السلطة وديناميكيات الأسرة في منطقة نوبيان دو كنز الدولة أبو عبد الله محمد (1317–1331).”العصور الوسطى79 (79): 137–60.كروسريف.
سيجبيستين، بي إم 2009. “البرديات العربية ومصر الإسلامية”. فيدليل أكسفورد لعلم البرديات، حرره آر إس باغنال، 451-472. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد.
سبولدينغ، ج. 1974.رحلات ثيودورو كرامب السودانية. نيويورك: منشورات هامباتا.
سبولدينغ، ج. 1984. “إدارة الصرف في سنار، حوالي عام 1700”. فيالتجارة والتجار في السودان، حرره لو مانجر، 25-48. بيرغن: جامعة بيرغن.
سبولدينغ، ج. 1990. “لغة شايقي القديمة من منظور تاريخي”.التاريخ في أفريقيا17: 283–292.كروسريف.
سبولدينغ، ج. 1993. “ميلاد كتاب الرسائل الخاص الأفريقي، جزيرة إيكو 1862-1901”.مجلة التاريخ الأفريقي34 (1): 115–141.كروسريف.شبكة العلوم.
سبولدينغ، ج. 2007.العصر البطولي في سنارترينتون، نيوجيرسي، أسمرة: دار نشر البحر الأحمر.
سبولدينغ، ج.، وأبو سليم، م. إ. 1989.وثائق عامة من سينار، إيست لانسينغ، ميشيغان: مطبعة جامعة ولاية ميشيغان.
Starczewska، KK 2014. “ليو الأفريقي”. فيالعلاقات المسيحية الإسلامية: تاريخ ببليوغرافي، المجلد 6. أوروبا الغربية (1500-1600)، حرره د. توماس وج. تشيسورث، 439-449. ليدن: بريل.
تريمينغهام، جيه إس 1965.الإسلام في السودانلندن: فرانك كاس وشركاه.
فاندورب، ك. 2009. “الأرشيفات والملفات”. فيدليل أكسفورد لعلم البرديات، حرره آر إس باغنال، 216-255. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد.
فان جيرفن أوي VWJ 2021.قواعد نحوية مرجعية للغة النوبية القديمةلوفين: بيترز.كروسريف.
Vanthieghem, N. 2015. “وثائق العرب Trouvés في دنقلا.” فيدونغولا 2012-2014: العمل الميداني، والحفظ، وإدارة الموقع، تم تحريره بواسطة W. Godlewski و D. Dzierzbicka، 235–238. وارسو: مطبعة جامعة وارسو.
Vanthieghem, N. 2018. “النصوص العربية وجدت في دنقلا في 2013-2016.” فيدونغولا 2015-2016: العمل الميداني، والحفظ، وإدارة الموقع، حرره دبليو. جودليفسكي، ودي. دزيرزبيكا، وإيه. لايتار، 237-240. وارسو: مطبعة جامعة وارسو.
فانتيني، ج. 1975.مصادر شرقية تتعلق بالنوبة: جمع وترجمة. هايدلبرغ ووارسو: الأكاديمية البولندية للعلوم وأكاديمية هايدلبرغ دير فيسينشافتن.
فيرسكين، أ. 2023.مذكرات مسيح يهودي أسود. رحلة ديفيد روبيني في القرن السادس عشر عبر أفريقيا والشرق الأوسط وأوروباستانفورد: مطبعة جامعة ستانفورد.كروسريف.
ود ضيف الله، محمد النور. 1971.كتاب الطبقات في خصوصية الأولياء والصالحين والعالماء والشعراء في السودانحرره يوسف فضل حسن. الخرطوم: مطبعة جامعة الخرطوم.
والز، ت. 1978.التجارة بين مصر وبلاد السودان، 1700-1820. القاهرة: المعهد الفرنسي للآثار الشرقية.
والز، ت. 1979. “التجارة في السودان في القرن السادس عشر”.حوليات علم الإسلام15 (1): 211–234.كروسريف.
والز، ت. 2011. “تجارة الورق في مصر والسودان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وإعادة تصديرها إلى بلاد السودان”. فيتجارة الكتب عبر الصحراء الكبرى: ثقافة المخطوطات، ومعرفة القراءة والكتابة باللغة العربية، والتاريخ الفكري في أفريقيا الإسلامية، حرره جي. كراتلي وجي. ليدون، 73-107. ليدن: بريل.
ووزنياك، م. 2020. “المواد النسيجية من دنقلا القديمة: ملاحظات أولية حول التجارة وممارسات الخياطة في العصر العثماني”.علم الآثار البولندي في البحر الأبيض المتوسط29(2): 739–59. (كروسريف.
ووزنياك، م. (قريبًا). “الكشف عن الهويات المحلية والجديدة من خلال منظور النسيج”. فيمملكة دنقلا: منظورات أثرية حول التحول الاجتماعي لمدينة أفريقية ما قبل الاستعمار، حرره أ. أوبلوسكي. لوفين: بيترز.
ويزغول، م. 2024. “علم آثار السودان في العصور الوسطى المتأخرة”. فيموسوعة أكسفورد البحثية لتاريخ أفريقيامطبعة جامعة أكسفورد..تم الوصول إلى الموقع في 12 فبراير 2025.كروسريف.
ويزغول، م. 2025. “بيت المك: المنطقة 1.10”. فيدنقلا القديمة: التنمية، التراث، علم الآثار. العمل الميداني في الفترة 2019-2021، حرره أ. أوبلوسكي ود. دزيرزبيكا، 191-223. لوفين: بيترز.
Wyżgoł, M. and Deptuła, A. 2023. “Assembling a Household in the Middle Nile Valley (Old Dongola, Sudan) in the 16th–17 century.”مجلة علم الآثار الاجتماعية23: 149–172.كروسريف.شبكة العلوم.
زوراوسكي، بي تي 2001.”دونغولا. مدينة الماكوريين (مصادر أدبية حتى عام 1956).دنقلا-دراسة: 35 عامًا من الأبحاث البولندية في مركز الرايخ الماكوري، تم تحريره بواسطة S. Jakobielski وPO Scholz، 75–141. وارسو، فيسبادن: ZAŚ PAN