الثورة السودانية بعد سبع سنوات: بين الصمود والتعثر

٢٦ مارس ٢٠٢٦ – بقلم: روبرت كلويفر – باحث زائر في معهد العلوم السياسية بجامعة لايدن
في عام 2019، أطاحت انتفاضة شعبية واسعة في السودان بثلاثة عقود من حكم الرئيس عمر البشير، الذي قاد نظامًا عسكريًا ذا طابع إسلامي. وتمكنت الجماهير من إسقاط النظام وفتح الباب أمام انتقال نحو الحكم المدني. وخلال تلك المرحلة، وبينما كانت النخب السياسية تخوض مفاوضات معقدة لصياغة ترتيبات انتقالية، بادرت المجتمعات المحلية إلى اختبار أشكال من الإدارة الذاتية. غير أن هذه المسارات لم تدم طويلًا، إذ استعاد الجيش السلطة لاحقًا، قبل أن ينقسم داخليًا، ما قاد البلاد إلى حرب مدمرة أفرزت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.
في ظل هذه التحولات العاصفة، يبرز تساؤل جوهري: ماذا تبقى من روح الثورة؟ وهل ما زالت هناك فرصة حقيقية للعودة إلى الحكم المدني؟
رغم استمرار النزاع المسلح، بدأ عدد من المدنيين السودانيين في العودة إلى مناطقهم الأصلية، مدفوعين بقسوة ظروف النزوح. وتصف رائدة الأعمال والناشطة في مجال تمكين المرأة، رندا حامد، رحلة نموذجية للعائدين من الخارج، تبدأ بالوصول إلى بورتسودان، المطار الدولي الوحيد العامل، ثم التوجه إلى الخرطوم التي تبدو شبه مهجورة، حيث تحولت أجزاء واسعة منها إلى أنقاض، وتعرضت بنيتها التحتية للانهيار. وعند الوصول، يكتشف العائدون أن منازلهم وأماكن عملهم تعرضت للنهب، في ظل وجود مسؤولين محليين منشغلين بمصالحهم الخاصة أكثر من إعادة الإعمار. ورغم قسوة هذا الواقع، يظل أكثر أمانًا مقارنة بالفترات السابقة.
منذ أن استعادت القوات المسلحة السودانية السيطرة على الخرطوم في مارس 2025، عاد قدر نسبي من الاستقرار إلى بعض المناطق. وتبسط القوات المسلحة نفوذها حاليًا على وسط وشمال وشرق البلاد، بينما تسيطر قوات الدعم السريع على الأقاليم الغربية، في حين يظل الجنوب ساحة مفتوحة للنزاع.
سياسيًا، يعتمد الجيش على تحالف وثيق مع جماعة الإخوان المسلمين، التي توفر له دعمًا بشريًا وتنظيميًا. وفي المقابل، عادت شخصيات مرتبطة بالنظام السابق لتولي المناصب المدنية، ما يعكس عودة النخب التي كانت أحد أسباب اندلاع الثورة.
تزامن الاحتفال بذكرى انطلاق الثورة في ديسمبر الماضي مع حملة اعتقالات طالت منظمي الفعاليات، في وقت تواصل فيه السلطات ملاحقة الناشطين المؤيدين للديمقراطية.
أما على صعيد فرص السلام، فتبدو قاتمة. إذ يسعى الجيش لتحقيق انتصار عسكري كامل بدلًا من الدخول في تسوية تفاوضية، ما ينذر باستمرار الحرب لفترة طويلة. وحتى في حال التوصل إلى اتفاق، فإن احتمالات تقسيم البلاد تظل قائمة، خاصة في ظل النزاعات المستمرة في مناطق مثل جنوب كردفان والنيل الأزرق، ما يجعل أي اتفاق هشًا وقابلًا للانهيار.
من الحراك الثوري إلى الاستجابة الطارئة
نشأت لجان المقاومة التي قادت الحراك الثوري كشبكات تضامن محلية قبل سقوط النظام. فقد أدت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية في عهد البشير، المدعومة من صندوق النقد الدولي، إلى تراجع دور الدولة، ما دفع المجتمعات للاعتماد على نفسها. وبالتعاون مع النقابات المهنية، لعبت هذه اللجان دورًا محوريًا في تنظيم الاحتجاجات التي أسقطت النظام.
ورغم ذلك، رفضت الانضمام إلى التحالف المدني العسكري الانتقالي، المعروف بقوى الحرية والتغيير، الذي قاد المرحلة الانتقالية لفترة قصيرة برئاسة عبد الله حمدوك. وقد أثبتت الأحداث لاحقًا صحة هذا الموقف، عندما نفذ الجيش انقلابًا في أكتوبر 2021.
واصلت لجان المقاومة عملها بشكل مستقل، معتمدة على نهج أفقي تشاركي، وأسهمت في صياغة مواثيق وطنية، كما تحولت إلى منصات للإبداع الثقافي والعمل المجتمعي. وكانت الثورة السودانية مثالًا مبكرًا لحركات شبابية عالمية، تميزت بحضور قوي للنساء وتراجع ملحوظ للنزعات العنصرية.
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، أصبحت هذه اللجان هدفًا للطرفين. فغادر العديد من أعضائها البلاد، بينما بقي آخرون وركزوا جهودهم على إنشاء غرف استجابة طارئة، وهي شبكات مجتمعية لتبادل المعلومات وتنسيق المساعدات.
يرى ياسر أبو القاسم، أحد النشطاء البارزين، أن انهيار مؤسسات الدولة أتاح لهذه اللجان فرصة أكبر للقيام بدور مجتمعي مؤثر، لكن الحرب أجبرتها على التحول من العمل السياسي إلى جهود البقاء.
ويؤكد محمد يونس، مدير مركز المدنيين في النزاعات، أن مبادرات التضامن المحلي، مثل المطابخ الجماعية وفرق الصيانة والإجلاء، أصبحت الوسيلة الأساسية للبقاء، خاصة في ظل عجز المنظمات الدولية عن الوصول إلى المناطق المتضررة.
إشكالية المساعدات الدولية
مع تزايد صعوبة إيصال المساعدات، بدأ المانحون الدوليون في توجيه التمويل عبر غرف الاستجابة المحلية، باعتبارها الأكثر ارتباطًا بالمجتمع. غير أن هذا التوجه، رغم وجاهته الظاهرية، يخلق تحديات معقدة.
فمتطلبات الشفافية والمساءلة التي تفرضها الجهات المانحة تستنزف قدرات هذه المجموعات، كما تعرض المتطوعين للخطر في حال تسرب البيانات. إضافة إلى ذلك، يتحول دور هذه المبادرات من فاعل مجتمعي مستقل إلى منفذ لبرامج خارجية، ما يحد من قدرتها على اتخاذ قرارات ذاتية.
ويؤدي هذا النموذج إلى تآكل الطابع الأفقي لهذه المبادرات، واستبدال المساءلة المجتمعية الداخلية برقابة خارجية. كما يثير الشكوك حول ارتباط هذه الكيانات بأجندات سياسية، ما يعرضها لمخاطر إضافية.
ويحذر يونس من أن هذا الواقع يخلق تصنيفًا مشوهًا للمنظمات، لا يعتمد على تأثيرها الحقيقي، بل على مدى امتثالها لشروط المانحين. وفي المقابل، تظل العديد من مبادرات التضامن خارج هذا الإطار غير معترف بها.
تراجع الدعم الدولي
في الوقت ذاته، يشهد الدعم الغربي للتحول الديمقراطي تراجعًا ملحوظًا. وتعتمد المنظمات الدولية على قوى مدنية في المنفى، في ظل صعوبة التواصل مع الداخل. وقد ظهر تحالف “صمود” كامتداد لتحالفات سابقة انهارت بسبب الخلافات.
تشير سارة مجدوب، العضو في فريق خبراء الأمم المتحدة، إلى أن جهود التواصل مع الداخل تواجه تحديات كبيرة، منها القيود الأمنية وانقطاع الاتصالات.
في المقابل، تنشط مجتمعات الشتات عبر الإنترنت، لكنها تطرح تساؤلات حول مدى تمثيلها الفعلي للواقع داخل السودان.
الحكم المدني في مواجهة الهيمنة العسكرية
يتشكل مستقبل السودان على وقع صراع حاد بين قوتين رئيسيتين. فمن ناحية، تقف المؤسسة العسكرية التي تهيمن على الموارد والأراضي، وتحظى بدعم إقليمي، وتحتكر أدوات القوة، وقد ظلت تفرض سيطرتها على البلاد منذ الاستقلال في عام 1956. ومن ناحية أخرى، تقف الجماهير السودانية، خصوصًا فئة الشباب، التي عايشت لحظة الأمل خلال الثورة، قبل أن تعود البلاد إلى دوامة الحرب من جديد.
تُعد هادية حسب الله، الأكاديمية بجامعة أم درمان، واحدة من الوجوه التي شاركت في البدايات الأولى للحراك الثوري، وتشغل حاليًا رئاسة القطاع النسوي في منظمة “صمود”. وترى أن المستقبل لا يجب أن يُبنى على التحالفات السياسية التقليدية، بل على الاعتراف بالحركة الشعبية التي يقودها الشباب، باعتبارها التعبير الحقيقي عن قيم الثورة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة. وتؤكد أن العودة إلى أنماط الحكم الإسلامي التي برزت مؤخرًا تحت سلطة الجيش – خاصة بعد الأحكام القاسية مثل رجم امرأتين في فبراير 2026 – لم تعد مقبولة لدى النساء والشباب والأقليات، الذين اختبروا مناخ الحريات ولن يتنازلوا عنه بسهولة.
تعكس الحالة السودانية صراعًا أعمق داخل الفكر الديمقراطي، بين النماذج التمثيلية التقليدية والنماذج التشاركية الصاعدة. وتمثل لجان المقاومة وغرف الاستجابة الطارئة هذا الشكل الجديد من العمل السياسي القائم على المشاركة المجتمعية، رغم تعرضه لضغوط مستمرة من قوى تسعى لإعادة فرض السيطرة المركزية.
ورغم كل التحديات، يجمع النشطاء والمحللون على أن الحراك الشعبي، خاصة بين الشباب بمختلف خلفياتهم، لا يزال يشكل قاعدة صلبة لإقامة حكم مدني حقيقي. ورغم أن انتزاع السلطة من قبضة المؤسسة العسكرية يبدو صعبًا في الوقت الراهن، إلا أن هذا الهدف يظل ممكن التحقيق على المدى البعيد.





