
بقلم فيليب داو بول – thejubatimes
رغم أن جنوب السودان ارتبط اسمها طويلًا بالصراعات، فإنها في الواقع تزخر بطبيعة ساحرة وثروات سياحية كبيرة لم تُستثمر بعد. ويأتي افتتاح مخيم “تلال ماروا” في بوما، ضمن منطقة بيبور الكبرى الإدارية، ليشكل محطة مهمة في إبراز هذا الثراء الطبيعي والتنوع الحيوي، ويمهد لانطلاقة جديدة لقطاع السياحة في البلاد.
هذا المشروع، الذي تم تدشينه في 27 مارس 2026، بالتعاون بين وزارة الحياة البرية والحفاظ على البيئة والسياحة ومنظمة African Parks، لا يُمثل مجرد إضافة بنية تحتية سياحية، بل يُجسد رؤية استراتيجية تسعى إلى تحويل الطبيعة إلى رافعة اقتصادية مستدامة، ترتكز على حماية البيئة وتمكين المجتمعات المحلية.
ويمنح مخيم “ماروا هيلز” الزوار فرصة نادرة لاستكشاف واحدة من أكثر المناطق نقاءً في أفريقيا، حيث تتداخل التلال المتموجة مع السافانا الشاسعة والأراضي الرطبة، في مشهد طبيعي يخطف الأنفاس. كما يقع المخيم في قلب ما يُعرف بمشهد “هجرة النيل الكبرى”، الذي يُعد أكبر هجرة للثدييات البرية في العالم، حيث تعبر ملايين الحيوانات سنويًا هذه المنطقة، ما يجعلها من أهم الوجهات لعشاق الحياة البرية والمغامرة.
لكن أهمية المشروع تتجاوز الجانب السياحي، إذ يُعد نموذجًا متكاملًا للسياحة المجتمعية، حيث يتم إشراك السكان المحليين في مختلف مراحل التشغيل والإدارة، ما يخلق فرص عمل مباشرة، ويدعم الاقتصاد المحلي، ويُعزز شعور الانتماء والمسؤولية تجاه حماية البيئة. كما يُقدم المخيم تجربة ثقافية أصيلة، تتيح للزوار التعرف على تقاليد المجتمعات المحلية في بيبور، بما يعكس غنى التراث الثقافي لجنوب السودان.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يمثل المشروع خطوة استراتيجية لتنويع مصادر الدخل في بلد ظل يعتمد بشكل كبير على النفط. فمع تزايد الاهتمام بالسياحة البيئية عالميًا، يُمكن لمبادرات مثل “ماروا هيلز” أن تجذب تدفقات سياحية جديدة، تُسهم في تنشيط قطاعات متعددة، من الضيافة والنقل إلى الحرف اليدوية والخدمات، فضلًا عن تحفيز تطوير البنية التحتية من طرق واتصالات وخدمات أساسية.
كما يحمل المشروع بعدًا أعمق، يتمثل في تغيير الصورة النمطية عن جنوب السودان، إذ يُظهر للعالم وجهًا مختلفًا لدولة غنية بمواردها الطبيعية وتراثها الثقافي، وقادرة على تحقيق التوازن بين التنمية والحفاظ على البيئة. وفي هذا السياق، تلعب منظمة African Parks دورًا محوريًا بخبرتها في إدارة المحميات الطبيعية، لضمان استدامة النظام البيئي وحماية التنوع الحيوي في المنطقة.
ومن الناحية الاجتماعية، يُسهم “ماروا هيلز” في تعزيز الوحدة الوطنية والفخر، حيث يرى المواطنون بلادهم تُقدَّم كوجهة سياحية عالمية، ما يعزز الشعور بالهوية المشتركة. كما يفتح المشروع آفاقًا جديدة أمام الشباب، من خلال التفاعل مع الزوار الدوليين واكتساب مهارات وخبرات قد تُسهم في تطوير قطاع السياحة مستقبلاً.