بعيدا عن السياسة.. هل ظلمنا الحيوانات حين علمناها كيف تحيا كالبشر؟

أحمد عثمان محمد المبارك 

جاءت كتابة هذا المقال استجابةً لنقاشٍ عميق دار بيني وبين إحدى الصديقات، حيث طرحت علي مجموعة من التساؤلات الجوهرية التي اخترقت قشرة الرفق بالحيوان الظاهرية لتصل إلى عمق العلاقة الجدلية بين الإنسان والكائنات التي يستأنسها؛ فتساءلت؛ هل نحن نحسن إليها أم نستعبدها عاطفياً؟ وكيف تحولت رعايتنا لها إلى سلطة تقرر مصير أجسادها وهويتها البيولوجية؟ تلك الأسئلة وغيرها، هي ما قادتني لصياغة هذا المقال..

فاذا نظرنا لعلاقة الانسان بالحيوانات الأليفة، نجد هذه العلاقة  تتحول من الاستئناس بالحيوان إلى استعمار بيولوجي ناعم، حيث يُنزع الحيوان من سياقه الفطري ليوضع في إطار من القضبان الذهبية التي نسميها نحن رعاية. إن الظلم الحقيقي يبدأ حين يقرر الإنسان، بمركزية متعالية، أن مفهوم السعادة والراحة لدى القطة أو الكلب يجب أن يطابق معايير الرفاهية البشرية، فنحن نحبس غريزة الركض خلف فريسة في مساحة شقة ضيقة، ونستبدل نداء الطبيعة بتعليب الطعام وتقديمه في أوانٍ مزخرفة، معتبرين ذلك إحساناً، بينما هو في الحقيقة تدمير للهوية البيولوجية للحيوان لصالح إرضاء حاجتنا العاطفية للرفقة والسيطرة.

هذه الأنسنة (اي تحويل الحيوان لأنسان) القسرية تبلغ ذروتها حين يمارس الإنسان سلطة مطلقة على أجساد هذه الكائنات عبر عمليات الإخصاء والتعقيم؛ فباسم المسؤولية والحد من التكاثر، نرتكب فعلاً عنيفاً يتمثل في بتر قدرة الكائن على الاستمرار بيولوجياً، ليس حمايةً له بالدرجة الأولى، بل لتجنب إزعاجنا بصرخات التزاوج أو فوضى الجراء والقطط الصغيرة. إنها مفارقة أخلاقية صارخة أن ندعي حماية النوع بينما نسلب حقه في كمال جسده وغريزته. وعلى الرغم من أن القوانين في العديد من الدول العربية بدأت تخطو نحو تجريم التعذيب الجسدي المباشر للحيوان، إلا أنها لا تزال عاجزة عن تعريف العنف النفسي والبيولوجي الذي يمارسه المربي حين يحول الحيوان إلى دمية متحركة تفتقر لأبسط مقومات الاستقلال.

وبالنظر إلى الجانب التاريخي والقانوني، نجد أن الكلاب والقطط تحديداً قد حصرت في فخ التدجين عبر آلاف السنين، مما خلق كائنات مشوهة فطرياً لا هي برية قادرة على النجاة وحدها ولا هي بشرية قادرة على الاندماج الكامل. هذا الضياع الوجودي للحيوان هو نتاج رغبتنا في صناعة رفيق مطيع. وحين نقارن سلوك هذه الحيوانات بأسلافها البرية كذئاب الغابات أو القطط البرية، ندرك حجم الفجوة، فالحيوان المنزلي فقد ذكاء البقاء واستبدله بذكاء الاستجداء، مما يجعل الرعاية التي يقدمها الإنسان اليوم ليست منحة، بل هي تعويض قاصر عن حياة برية سلبناها منه، وضريبة مفروضة علينا لإصلاح ما أفسدته رغبتنا في التملك.

ومن ناحية قانونية فقد تجاوزت بعض الدول مؤخراً مفهوم الرفق بالحيوان التقليدي لتصل إلى صياغة قوانين تناهض (الأنسنة) المفرطة وتعتبرها شكلاً من أشكال الإساءة المستترة، حيث بدأت تشريعات في دول مثل سويسرا وألمانيا وهولندا تتبنى رؤية قانونية تعتبر الحيوان كائناً حياً ذو كرامة وليس مجرد ملكية خاصة. هذه القوانين تمنع، على سبيل المثال، تربية أنواع معينة من الكلاب التي خضعت لتعديلات جينية تجعل شكلها لطيفاً بشرياً (مثل الكلاب ذات الأنوف المسطحة التي تعاني من ضيق التنفس)، معتبرة أن إنتاج حيوان يعاني جسدياً لمجرد إرضاء الذوق البصري للإنسان هو جريمة قانونية.

هذا والله أعلم

Exit mobile version