إلى قائد الجيش السوداني… الطريق الذي لا يتكرر

إبراهيم هباني
ليست هذه خصومة، ولا مرافعة. هي محاولة لقول ما صار واضحًا حدَّ الصمت.
منذ أن وصلتَ إلى قيادة الجيش في أبريل 2019، بعد سقوط ابن عوف، وُضِعت أمام لحظة نادرة. لحظة كان يمكن أن تُعاد فيها صياغة الدولة لا موازين القوة فقط. لم تكن لحظة عادية، وكانت أثقل من أن تُدار بعقل اللحظة. لكنها مرّت، ولم تترك وراءها إلا أسئلة مفتوحة.
لم يكن مطلوبًا منك أن تتحول إلى سياسي، بل أن تحرس مسارًا. أن تظل المؤسسة التي تقودها فوق الصراع، لا داخله. غير أن ما جرى أخذ اتجاهًا آخر. في التفاوض، بدا الجيش أقرب إلى طرف يوازن مكاسبه، لا ضامنًا لانتقال يخص البلاد كلها. ثم جاء الثالث من يونيو 2019، لا كواقعة يمكن تجاوزها، بل كندبة مستقرة في الذاكرة. ندبة بقيت لأنها لم تُسمَّ كما يجب، ولم تُحسم كما ينبغي.
توالت بعدها العثرات. لم يكن المدنيون وحدهم سببها، كما لم يكن ضعفهم وحده كافيًا لتفسيرها. المعضلة كانت أعمق: مؤسسة لم تحسم موقعها النهائي—هل تقف لحماية التحول، أم تظل لاعبًا فيه؟
ثم جاء الخامس والعشرون من أكتوبر 2021. لم يبدُ كتصحيح مسار، بل كقطع له. الطريقة التي أُدير بها ذلك التحول، وما صاحبها من مشاهد قاسية، لم تُضعف الثقة السياسية فحسب، بل أصابت صورة الدولة في أساسها.
وعندما طُرح مسار التسوية لاحقًا، بدا وكأن هناك إدراكًا متأخرًا بأن المخرج سياسي بالضرورة. لكن حتى هذا الإدراك ظل مترددًا، يتقدم خطوة ويتراجع أخرى، كأن كلفته تُرى أوضح من ضرورته.
ثم جاءت الحرب في أبريل 2023. لم تُنهِ خلافًا، ولم تُحسم بها سلطة. لكنها غيّرت وجه البلاد: نزوح، تشظٍ، وانهيار يتسع. عند هذه النقطة، لم يعد السؤال من بدأ، بل من يستطيع أن يوقف هذا المسار قبل أن يبتلع ما تبقى.
اليوم، تتضح المفارقة: لا الحلفاء يمنحونك يقينًا، ولا الشارع يمنحك ثقة. ما بينهما مساحة تضيق، لا تتسع للمناورة.
لهذا، لم يعد هناك متسع للالتفاف. الطريق ليس متعددًا كما يبدو. هو أقرب مما يُظن، وأثقل مما يُؤجل:
أن تخرج المؤسسة العسكرية من السياسة خروجًا لا لبس فيه.
أن تُفتح ملفات السنوات الماضية بلا استثناء ولا انتقائية.
أن يُفسح المجال لانتقال يُدار في العلن، لا في الظلال.
وأن تتوقف هذه الحرب بمنطق يحفظ الدولة، لا بمنطق من يغلب ومن يُغلب.
ليست هذه شروطًا مثالية، بل الحد الذي إن لم يُدرك، سيتآكل ما دونه.
في النهاية، المسألة لم تعد ما الذي يمكن كسبه، بل ما الذي يمكن إنقاذه. وما سيتبقى، ليس فقط من الدولة، بل من الأسماء في ذاكرتها.





