اوبريت موكب النصر

السر السيد

   السرالسيد

*تمهيد*

 

تعد دراسة النص المسرحي بما يشتمل عليه من افكار وبما يقوم عليها من اساليب وتقنيات، واحدة من اهم مجالات (البحث المسرحي)، ومع ذلك لم يجد الاهتمام الذي يستحق في دراسات المسرح السوداني، وقد يعود هذا الي عدم توفره بسبب زهد ان لم نقل تغافل اكثرية من المؤلفين عن طباعة ونشر نصوصهم تأثرا  ربما بالمقولة الرائجة: (ان المسرحية تكتب لتعرض لا لتقرأ).

علي المستوي الخاص كنت مشغولا بالنص المسرحي وكثيرا ما حرضّتُ المؤلفين علي نشر نصوصهم او علي الاقل الاحتفاظ بها وهنا لك ان تعلم ان الكثير من النصوص التي عرضت ليست موجودة الان، لا عند مؤلفيها ولا عند مخرجيها ولا عند الذين شاركوا في التمثيل فيها، كما لك ان تعلم ان مؤلفين في قامة الفاضل سعيد ومحمد شريف علي و مصطفي احمد الخليفة  علي سبيل المثال  ليس لديهم ولا نص واحد منشور وقس علي ذلك، وحتي الذين نشروا نصا واحدا او نصين كالاستاذ ابو الروس وعادل محمد خير، علي سبيل المثال عند المقارنة بين ما نشر وما لم ينشر ستكون النتيجة محزنة. بالطبع هناك مؤلفين نشروا نصوصهم، ولأن معظمهم من خارج ما يمكن وصفه ب(التيار المسرحي العام)، لم يهتم بهم 

الذهن المسرحي المهيمن كثيرا، واذكر هنا علي سبيل المثال الاستاذ بشري امين في نصيه (ودارت الرحي)، و (سقاة الارض)، والاستاذ مبارك ازرق في نصوصه ( النمل)، و (لغز تاجوج)، و (احسن من الجنة).

أُلفت النظر  الي ان نشر النص المسرحي قد بدأ منذ الثلاثينيات عبر مبادرات ساهمت فيها جهات كثيرة، اهلية، ورسمية كجمعية ود مدني الادبية، ومجلة القلم، ومجلة  القصة، ومجلة صوت المرأة، والمجلس القومي للاداب والفنون، ومجلة معهد الموسيقي والمسرح، ومجلة الخرطوم، ومجلة الثقافة الوطنية، بل وحتي بعض الصحف اليومية، ونادي المسرح السوداني، اضافة الي المبادرات الخاصة لبعض المؤلفين، ولبعض جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، كما لا يفتوني ان اشير الي ما قام به مركز عيدابي لفنون المسرح، ودار النشر بجامعة الخرطوم، ومركز عبدالكريم ميرغني الثقاقي، ومهرجان البقعة، والهيئة العربية للمسرح في نشر النص المسرحي.

اجترحت الاشارة السابقة لالفت النظر اولا الي اهمية النص المسرحي واهمية نشره، و ثانيا الي غفلتنا عن غير المرئي في ارثنا المسرحي برغم اصالته واهميته.

 

*اوبريت موكب النصر*

نشر النص في طبعته الاولي ضمن سلسلة المسرح المدرسي في العام  1969، وهو من تأليف الاستاذ احمد التجاني عمر ونشره  مكتب النشر الخرطوم – وزارة التربية والتعليم تحت الرقم المتسلسل:

م ن/ رك/ 246/10.

يقع النص في عدد 40 صفحة من القطع المتوسط شاملة التصدير، والرسومات التوضيحية والنص.

جاء في التصدير ان المؤلف قد كتب هذا التصدير في المسرح كتجربة عاشها تأليفا واخراجا كهاوٍ لهذا الفن وانه استهدف من تأليف النص سد النقص فى مكتبتنا المسرحية بالمدارس والمعاهد الوسطى على وجه الخصوص مشيرا الي ان الاهتمام بالمسرح المدرسى يساعد في  اعداد النواة الصالحة للمسرح وفي نفس الوقت اعداد المتفرج من خلال تمكينه من التعرف علي  الثقافة المسرحية، وفي فؤائد المسرح المدرسي اشار الي انه، يعمل علي اشباع رغبة التمثيل وتنميتها، ويمكّن من التعرف على الصوت والجسد والابتكار فيهما، والي تكريس اهمية العمل الجماعي، والمسئولية الفردية، والشجاعة الادبية، وتنمية حاسة النقد وتقبل الرأي الآخر، والثقة بالنفس، وخلق جو مختلف فى فضاء المدرسة، وكلها فوائد يستطيع فن المسرح تحقيقها بما انه فن يساهم في تعليم الديمقراطية والتداول السلمي للافكار والمواقف، وكيف لها وهو فن الحوار وبأمتياز.

يستخدم المؤلف في تصديره، مصطلحات، (تمثيلية، و رواية، واوبريت،  ونص)، ليصف مؤلَفه، (اوبريت موكب النصر)، وكلها مصطلحات لا تبعد كثيرا عن هذا المُنْتَج بالنظر للثقافة المسرحية بشكل عام، اذ كثيرا ما استخدم في ادبيات المسرح مصطلحي (رواية)، و (تمثيلية)، للاشارة للنص المسرحي، اما مصطلح اوبريت فهو يشير على حد قول الكاتب الي ان المُنْتَج يقوم بالاساس علي الشعر والغناء، وحول ما دفعه لتأليفه يقول: (انه كتبه، في العام الدراسي 62 و63 ليشترك به طلبة المدرسة الريفية بالدويم في منافسات الدراما لمدراس معهد التربية ببخت الرضا فى عيد المعهد ال 28 وان فكرته تدور حول الفكرة العامة  للصراع بين الخير والشر، ولما كان النص مكتوبا للمسرح المدرسي وفي عيد العلم فقد استوحيت دور المعلمين فى كل امة بشكل عام ودور المعلمين فى السودان بشكل خاص ولما كانت المناسبة التي وضعت لها الرواية، هي عيد من اعياد العلم، عيد بخت الرضا، آثرت ان اشير الى الدور الهام الذي لعبته ولا تزال تلعبه بخت الرضا في نشر العلم وازالة الجهل و تخريج المواطنين الصالحين الذين يستطيعون بما نهلوا من المعارف والاخلاق ان يقوموا بدورهم في القضاء على ما خلفه الاستعمار في بلادنا من  فقر وجهل ومرض)ص7.

*في بناء النص*

يقع النص في دائرة مسرحيات الفصل الواحد، واسماه المؤلف اوبريت لان من عناصر تجسيده الغناء والموسيقي وما يصاحبهما من تعبير حركي “رقص”.. يتكون النص من عدد ١٠ (شخصيات)، واربعة مناظر، والشخصيات هي: كبير الابالسة، الفقر، الجهل، المرض “جند الشر”، الشيخ، ابنة الشيخ، الزارع، الطالب، المدرس “ابناء ابنة الشيخ”، الجوقة  “الكورس”، وعن الشخصيات يقول المؤلف: (رمزت بكبير الابالسة الي الاستعمار، اما جنده من الابالسة فقد اعطيتهم الأسماء الواضحة الفقر، الجهل، المرض، حتى يسهل الربط ويتضح الهدف – وشيخ النيل رمز لسوداننا الحبيب، والذي ينتظر منا الكثير لتخليصه من مخلفات الاستعمار وللنهوض به واللحاق بركب الامم التي سبقتنا)ص9.. اضيف هنا، ان ابنة الشيخ جاءت كترميز لبخت الرضا، وان ابناءها كل المتعلمين اضافة للزارع، والطالب، والمدرس.

في المناظر، جاء المنظر الاول في ارض الابالسة حيث كبير الابالسة واعوانه “الفقر، الجهل، المرض”، تمهيدا لقول النص الكلي، ففيه سنقف على مخطط كبير الأبالسة -الاستعمار – واعوانه ضد الانسان عامة وضد شيخ النيل “السودان” بصفة خاصة.

كبير الابالسة “في الم وحقد”:

في رحاب النيل شيخ بين عطفيه جلال

لبس العزة تيها  واكتسي المجد وخال

“منفعلا”

لا اطيق الصبر حتي

تفرقوه في الخبال

افقروه،  جردوه……

وليذق ذُلّ السؤال.ص14.

 

اما المنظر الثاني، فيبدأ من وراء الكواليس بصراخ مؤلم  لشيخ النيل، ثم تفتح الستارة لتتشارك هذا المنظر شخصيات: (شيخ النيل، الكورس، بخت الرضا “ابنة الشيخ”.. في هذا المنظر يتبدي سؤال النص او عقدته حيث نسمع شكوى الشيخ من تكالب قوي الشر عليه ” الاستعمار” وما خلفه من فقر، وجهل، ومرض، ونرى استغاثته بابنته، واستجابتها لتحريره.

 

الشيخ: آه قد قاسيت في عمري الكثير

فأنا النسر وفي  القيد اسير

شُغِل الأبناء عني برهة

حان ضعفي، ودنا مني المصير

شُغلوا عني وضعفي شامل

لم تعد لي غير بنتي يا قدير. ص 18.

بخت الرضا: يا أبي ان عقَّك الابن الكبير

لا تُرع، ها انني نعم النصير

في فؤادي شعلة الخير تنير

في جهادي قوة للمستجير

انا بنت الخير يا خير مشير

انا للشر شواظ، انا اصليه سعير

قسما بالخير اني لن اخور

انا للشر وبال مستطير. ص20-21.

 

يجسّد المنظر الثالث

استجابة أبناء بخت الرضا لاستغاثة الشيخ ولنداء  امهم، وتظهر فيه شخصيات: شيخ النيل، ابنة شيخ النيل،  الزارع، الطالب، المدرس، الكورس مجموعة من الشخصيات الثانوية تمثل مختلف الأنشطة والاختصاصات.

 

الكورس: هيا بني بخت الرضا  ياعدة المستقبل

الي العلا انهضوا غدا بجحفل  فجحفل. ص26.

سنقف في هذا المنظر على اقوال الزارع والطالب والمدرس والابناء الآخرين وكلها اقوال تجسّد استجابتهم لاستغاثة الشيخ “السودان”، ولنداء امهم.

الشيخ: من لجند الشر يكفي

من حماة للفضيلة. ص32.

بخت الرضا:

سمعت صوتا انه

صوت استغاثة بكم

فشمروا لنصره

والنصر ما ارجو لكم.ص32.

الشيخ “مرة اخري”:

من لجند الشر يكفي من حماة للفضيلة؟.ص33.

ابناء بخت الرضا:

اننا جند الفضيلة

اننا ويل الرذيلة

اننا قدوة الأوطان في هذا الزمان. ص33.

 

يمكن القول: ان هذا المنظر برمته يجسِّد الاستعداد للمواجهة، ويشير الي أسلحتها، والتي في مقدمتها التعليم، والمتعلمين.

ابناء بخت الرضا- “النشيد”:

ويل ام  الشر

ويل للرذيلة

ويل ام الجهل

والفِكَرِ الكليلة

ويل ام الفقر

والنفس البخيلة

ويل جند الشر

اذ حان الاوان

وانا ابنك يا بخت الرضا. ص31.

بخت الرضا:

طاب دهري في الورى عشتم بنيّ

فاستعدوا ذا اوان الانتصار. ص32.

 

اخيرا يأتي المنظر الرابع والاخير، وتظهر فيه شخصيات: شيخ النيل، الكورس، الفقر، الجهل، المرض، الشقاء،

كبير الابالسة، بخت الرضا “ابنة الشيخ”، ابناء بخت الرضا.

عند هذا المنظر تلتقي خيوط النص وتتضح مقولته الكلية عبر رمزية الصراع بين الشر “ما خلفه الاستعمار”، والخير “مقاومة هذا الارث”، فكان ان رأينا محاصرة الفقر والجهل والمرض والشقاء ومعهم كبير الابالسة  لشيخ النيل، ورأينا الشيخ (السودان)، يصرخ مستغيثا ببنته وابنائها، لينتهي النص بهزيمة كبير الابالسة واعوانه وتكتمل مقولة النص الكلية ورسالته.

كبير الابالسة:

انا الشر “قهقهة” انا الشر

هيا بني الاشرار اسقوه العناء

ما ذاق بعد اليوم فيها من هناء. ص36.

يصرخ الشيخ مستغيثا”

الشيخ: من لجند الشر يكفي

من حماة للفضيلة

“يردده مرتين”

اين يا بخت الرضا

أين يا بنتي النبيلة. ص36.

“تدخل بخت الرضا تحمل شعلتها”

بخت الرضا:

نعم ابي..نعم ابي

الويل، ويل الشر

ويل للرزيلة. ص  37.

 

“الشيخ فرحا بهزيمة جند الشر”

الشيخ:

الله اكبر عز أبنائي الكرام

الله اكبر طاب في ارضي المقام

حمدا وحولي فتية نُجُبٌ كرام

شادوا بأرض النصر ألوية السلام. ص 38-39.

ابناء بخت الرضا:

يا بلادي افرحي انا فداك

إننا نبني ونُعلي من علاك

نحن اقتباس النهي نحمي حماك

نحن جند العلم نُعلي من ذراك. ص 39-40.

 

وهكذا يحقق النص رسالته والتي هي رسالة تعليمية بامتياز متوسلا بالاتكاء علي شخصيات ليست (درامية) علي وجهة الدقة وانما هي اقنعة وحيل درامية لتمثيل الصراع بين فكرتين مطلقتين، ومتوسلا بشعر فصيح، مباشر وجميل، يرواح بين العمودي والتفعيلة، قائم على ايقاع يخدم التمثيل والغناء، ومتوسلا بتقنية الجوقة “الكورس” التي عملت علي تأكيد بعض مقولات النص، اضافة لدلالتها علي تعددية الاصوات والاجساد وتنوعها وما تمثله من قيمة مضافة للنص ومن ثم للعرض حتما، ومتوسلا كذلك بالكثير من (الارشادات المسرحية)، التي ابانت الانتقال من فكرة لأخرى، ومن حالة نفسية لأخرى، ومن مكان لآخر، وساعدت في الاداء التمثيلي كارشادات، (الستارة مسدولة/ قهقهة/ يصرخ/ في ألم وحقد وغيرها).

ان كان من خاتمة لهذه القراءة العامة، فهي الاشارة إلى وعي بعض النخب السودانية المبكر بضرورة التملك المعرفي  لماهية الاستعمار والكشف عما خلّفه  من ارث مدمر ووجوب مقاومة هذا الارث، والإشارة إلى ما كان يقوم به المسرح المدرسي وما يمكن ان يقوم به، وهنا هل من مجيب بعد أن أُدخل المسرح المدرسي في الغياب؟، والإشارة الى وعي المؤلف بأن الرهان  الاساس في مشروع التحرر والبناء، إنما يكون على التعليم  واحترام المعلمين والمعلمات وهو رهان أثبتت جدارته دولاً كثيرة كما نعلم، والاشارة وبلا مواربة إلى توفّر المؤلف علي معرفة بفن المسرح، أما الإشارة الاخيرة فهي جعل المؤلف في ترميزاته بخت الرضا امرأة (ابنة الشيخ)، والتي جاءت في مقابل الابن العاق.

بخت الرضا:

يا أبي أن عقَّك الابن الكبير

لاترع، ها انني نعم النصير.

فيا تري من هو الابن الكبير الذي هو عاقٌّ لوالده السودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى