نجل الأسطورة “مانوت ” يزلزل سلة الفلبين.. “ابن الخرطوم” بول بول يرفض التجنيس ويختار وفاء الجذور لجنوب السودان!

أفق جديد
في قلب العاصمة الفلبينية مانيلا، وتحديداً داخل ملاعب رابطة كرة السلة الفلبينية (PBA)، يتردد صدى اسم واحد يثير حماس الجماهير وفضول المحللين: بول بول. اللاعب الذي يبلغ طوله 2.21 متر، والمولود في العاصمة السودانية الخرطوم، بات اليوم مادة دسمة لتقارير الصحافة الفلبينية، هذا التألق اللافت دفع الصحفي خواكين هينسون، عبر صحيفة “ذا فلبين ستار”، لطرح تساؤل جريء: لماذا لا يكون هذا النجم وابن الاسطورة مانوت، جزءًا من منتخب الفلبين “جيلاس”؟
العودة إلى البداية… إلى الخرطوم
وُلد بول مانوت بول في 16 نوفمبر 1999 بالعاصمة الخرطوم، في بيئة لم تكن تعرف الاستقرار. لم يمكث طويلاً في مسقط رأسه، إذ قضى الأشهر الأولى من حياته هناك قبل أن تبدأ عائلته رحلة شاقة للهروب من واقع الحرب. كانت الوجهة الولايات المتحدة، لكن الطريق لم يكن سهلاً.
في عام 2001، حاولت الأسرة مغادرة السودان، إلا أن الظروف السياسية والأمنية حالت دون ذلك في البداية. وبعد معاناة، تمكنت من الوصول إلى القاهرة، حيث علقت لعدة أشهر بسبب مشاكل التأشيرة، رغم امتلاكها تذاكر السفر. كانت تلك المرحلة واحدة من أصعب فصول حياة العائلة، حيث عاشوا حالة من الانتظار القلق وسط ظروف غير مستقرة.
المفارقة التي كثيراً ما يتحدث عنها بول لاحقاً، أن القاهرة التي كانت محطة معاناة كادت أن تكون أيضاً مسرحاً لبدايته الدولية، عندما طُرح اسمه لاحقاً للعب في بطولة العالم للشباب هناك. وقد علق على ذلك قائلاً: “هذا أمر جنوني نوعاً ما… سيكون ممتعاً بالتأكيد، لأنني لا أتذكر متى كنت هناك.”
في النهاية، نجحت العائلة في الوصول إلى الولايات المتحدة، لكن رحلة الاستقرار لم تنتهِ بعد.
بدأ بول حياته في أمريكا بولاية كونيتيكت، قبل أن تنتقل عائلته لاحقاً إلى كانساس عندما كان في السابعة من عمره. هناك، بدأت ملامح مستقبله تتشكل. وسط مجتمع يضم العديد من أبناء جنوب السودان، وجد بيئة قريبة ثقافياً، لكنها في الوقت نفسه فتحت له أبواب الاندماج في المجتمع الأمريكي.
بتشجيع من والده، الأسطورة مانوت بول، بدأ ممارسة كرة السلة في سن مبكرة. ورغم تردده في البداية، سرعان ما تحول هذا التردد إلى شغف، خاصة مع التدريب المستمر تحت إشراف والده، الذي كان رمزاً إنسانياً ورياضيًا. عالميًا
لكن القدر لم يمهله طويلاً للاستمتاع بهذه العلاقة، إذ توفي مانوت بول عندما كان ابنه في العاشرة من عمره. شكلت هذه اللحظة نقطة تحول عاطفية في حياة بول، الذي ظل متحفظاً في الحديث عن والده، لكنه حمل إرثه على كتفيه، سواء في الطول الفارع أو في الحضور داخل الملعب.
من موهبة واعدة إلى نجم منتظر
في سنواته الدراسية، تنقل بول بين عدة مدارس، أبرزها “بلو فالي نورث ويست” و“بيشوب ميج”، قبل أن ينتقل إلى كاليفورنيا ويلتحق بمدرسة “ماتر داي”، وهي خطوة وصفها بنفسه بأنها حاسمة في تطوره.و سرعان ما برز كأحد أفضل المواهب في جيله، بفضل مزيج نادر من الطول والمهارة. كما انه امتلك قدرة على التسديد، والتحرك بالكرة، والدفاع، وهي مهارات لم تكن شائعة بين العمالقة.
في موسمه الأخير بالمدرسة الثانوية، كان ضمن نخبة اللاعبين في الولايات المتحدة، وحصل على تصنيف خمس نجوم، واختير ضمن قائمة “ماكدونالدز أول-أميريكان”، رغم غيابه عن المباراة بسبب الإصابة.
التحق بول بجامعة أوريغون في موسم 2018-2019، وسط توقعات كبيرة بأن يكون أحد أبرز نجوم المستقبل في الدوري الأمريكي. بدأ مشواره الجامعي بشكل قوي، وقدم أداءً لافتاً أكد موهبته.
لكن الحظ لم يكن في صفه، إذ تعرض لإصابة أنهت موسمه مبكراً، لتتحول تلك اللحظة إلى نقطة مفصلية في مسيرته. ورغم ذلك، قرر دخول مسودة الدوري الأمريكي للمحترفين، مدفوعاً بإيمانه بقدراته.
في عام 2019، تم اختيار بول في المركز 44، وهو مركز لم يعكس حجم التوقعات التي كانت تحيط به قبل الإصابة. بدأ مشواره مع دنفر ناغتس، حيث واجه صعوبة في تثبيت أقدامه، بسبب الإصابات وقلة دقائق اللعب.
تنقل لاحقاً بين عدة فرق، منها أورلاندو ماجيك وفينيكس صنز، وقدم لمحات من موهبته، لكنه لم يصل إلى الاستقرار الكامل. ومع ذلك، اكتسب خبرة كبيرة، وتعلم كيف يتعامل مع أعلى مستويات المنافسة.
الفلبين.. الانفجار الكبير
في عام 2026، قرر بول خوض تجربة جديدة بالانتقال إلى الدوري الفلبيني. كانت خطوة مفاجئة للبعض، لكنها سرعان ما أثبتت صحتها. حيث لم يكتفِ بول بول بتقديم عروض جيدة مع فريق “تي إن تي تروبانج جيجا”؛ بل حقق طفرة رقمية جعلته “ظاهرة” البطولة بلا منازع. بمعدل تسجيلي مذهل يصل إلى 37.3 نقطة و16.3 متابعة في المباراة الواحدة، أثبت هذا العملاق أنه يمتلك ترسانة هجومية ودفاعية نادرة تجمع بين الطول الفارع والرشاقة الاستثنائية.
ويصفه المدربون هناك بأنه “لغز محير”؛ فهو يستغل طوله الفارع للسيطرة على منطقة الرميات الحرة، وينقض فجأة لصد الكرات بأسلوب “هادئ ومميت”. وفي الهجوم، يندفع كلاعب جناح، ويمتلك دقة مذهلة في التسديد من خارج القوس، حيث سجل رميتين ثلاثيتين متتاليتين أمام فريق “رود واريورز” حسمت نتيجة اللقاء.
رغم هذه الأرقام، تبرز في التقرير الفني نقاط ضعف بدأت الفرق المنافسة باستغلالها؛ فبناءً على إحصائيات مباراتيه الأولى، يحتاج بول إلى 35.5 تسديدة ليحرز نقاطه، مما يشير إلى استهلاك عالٍ للكرات. كما أن نسبة نجاحه في الرميات الحرة بلغت 45% فقط (9 من 20)، وهو ما يدفع الخصوم لارتكاب الأخطاء ضده عمداً (Hack-a-Bol).
علاوة على ذلك، يواجه بول تحدياً في “ضبط النفس”؛ فقد رصدت الكاميرات مشادات كلامية حادة مع لاعبي الفرق المنافسة مما يعكس الضغط البدني في دوري PBA المعروف بخشونته. ويرى محللون أن بول سيواجه اختباراً حقيقياً أمام لاعبين “مستفزين” ، لمعرفة مدى قدرته على الحفاظ على هدوئه.
خارج حدود الأداء الفني، تحوّل بول بول إلى ظاهرة جماهيرية اجتاحت الفلبين، حيث أصبحت تذاكر مباريات فريقه تُباع بالكامل قبل أيام من انطلاقها. ورغم هذا الجنون الجماهيري، يختار النجم العملاق طريق “العزلة الاحترافية”، متجنباً المقابلات التلفزيونية حتى بعد تتويجه بجائزة أفضل لاعب، ومنسحباً من المؤتمرات الصحفية، في مشهد يعيد للأذهان شخصيات أسطورية مثل باتريك إيوينغ، الذي فضل هو الآخر الابتعاد عن صخب الإعلام.
متاهة الهوية.. الوفاء لـ “جوبا” يتحدى التجنيس
تمثل قصة بول بول رحلة استثنائية بين الترحال والاحتراف؛ من السودان حيث وُلد، إلى الولايات المتحدة حيث تشكلت موهبته، فقادته إلى تمثيل منتخبها للشباب عام 2017، قبل أن يبلغ قمة المجد في الدوري الأمريكي للمحترفين. ورغم هذا التنوع، ظل جنوب السودان الحضور الأعمق في وجدانه.
ورغم إدراجه ضمن قائمة جنوب السودان لأولمبياد باريس 2024، اعتذر في اللحظات الأخيرة حفاظاً على مستقبله الاحترافي، ليبرز لاحقاً خيار التجنيس الفلبيني كاحتمال قانوني، لكنه يصطدم بالتزاماته الأخلاقية ووعده بتمثيل وطنه.
المدرب الشهير تيم كون، المدير الفني لمنتخب “الفلبين”، علّق على هذا الملف بحذرٍ بالغ، واصفاً بول باللاعب الموهوب فوق العادة، لكنه وضع “حدود” للتوقعات ,بالتأكيد على أن الانضمام للمنتخب يتطلب ما هو أكثر من المهارة؛ كالتزام اللاعب الكامل وانسجامه مع فلسفة الفريق، معتبراً قضية تجنيسه “معقدة” ولا يمكن حسمها ببساطة.
من جانبه، كشف المدرب المساعد جوش رييس عن تفاصيل حديثه الخاص مع بول، مؤكداً أن اللاعب لا يزال متمسكاً بخياره الأول: تمثيل منتخب جنوب السودان. وأوضح رييس أن بول يسعى للوفاء بوعده لبلاده بالمشاركة في أولمبياد لوس أنجلوس 2028، تقديراً لجذوره ووفاءً لتعهداته، رغم إقراره بمدى روعة الأجواء وحب الجماهير في الفلبين.





