
أفق جديد
تعيش منطقة الكرمك وعدد من القرى والبلدات المجاورة في إقليم النيل الأزرق أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة، في ظل موجات نزوح جماعي نحو مدينة الدمازين، نتيجة تصاعد المواجهات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، إلى جانب حلفائها في الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو.
مؤخرًا أعلنت قوات “الدعم السريع” تحقيق تقدم في إقليم النيل الأزرق، مؤكدة سيطرتها على مواقع استراتيجية في محافظة “باو” بعد معارك عنيفة مع الجيش السوداني، ما يفتح الطريق نحو عاصمة الإقليم “الدمازين”. كما تحدثت عن سيطرتها على مدينة “الكرمك” الاستراتيجية، الواقعة على بُعد نحو 176 كيلومتراً من العاصمة، في حين لم يقرّ الجيش بفقدانها.
وفي شهادات ميدانية، قالت المواطنة ثريا الطريفي، إن الأوضاع الإنسانية تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، في ظل نقص حاد في الاحتياجات الأساسية. وأضافت في حديثها لـ”أفق جديد”، أن القصف العشوائي أجبر المدنيين على الهروب في ظروف خطرة، ما أدى إلى تشتت العديد من الأسر، وانفصال بعض الأطفال عن ذويهم أثناء محاولات اللجوء إلى الأراضي الإثيوبية.
وأفادت غرفة طوارئ النيل الأزرق الإنسانية بأن تصاعد العمليات العسكرية في محافظة الكرمك أدى إلى موجة نزوح واسعة خلال الأيام الماضية، حيث بلغ عدد النازحين إلى مدينة الدمازين والمناطق المجاورة نحو (73,406) شخصًا، وفقًا لبيانات الأمم المتحدة، غالبيتهم من النساء والأطفال.
وأشارت الغرفة في بيان تلقته “أفق جديد”، إلى أن النازحين يعانون من اكتظاظ شديد في مراكز الإيواء، وانعدام المأوى الملائم، وتدهور الخدمات الصحية، في ظل احتياجات متزايدة، خاصة لدى النساء والأطفال.
نقص المأوى
وتروي المواطنة منال عبد الله في حديثها لـ”أفق جديد”، معاناتها خلال رحلة النزوح، مؤكدة أنها اضطرت للسير لساعات طويلة مع نساء وأطفال للوصول إلى الدمازين، بعد هجمات بطائرات مسيّرة، مشيرة إلى أنهم عانوا من الجوع والعطش طوال الطريق.
وأعربت غرفة طوارئ قيسان (نشطاء) عن بالغ قلقها وأسفها العميق إزاء موجات النزوح التي تشهدها مدينة قيسان في ظل الظروف الأمنية والإنسانية الراهنة، والتي أجبرت أعداداً كبيرة من المواطنين على مغادرة منازلهم بحثاً عن الأمان والاستقرار.
وأوضحت الغرفة في بيان تلقته “أفق جديد”، أن التصعيد الأخير أدى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية بشكل ملحوظ، حيث يواجه النازحون نقصاً حاداً في الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والمياه والمأوى والخدمات الصحية، إلى جانب تحديات كبيرة تعيق وصولهم إلى مناطق آمنة.
وفي إطار الاستجابة الإنسانية، أكدت غرفة طوارئ قيسان أنها تعمل حاليًا، وبحسب الإمكانيات المتاحة، على توزيع سلال غذائية للمتضررين، في مسعى للتخفيف من حدة الأزمة ودعم الأسر الأكثر احتياجاً.
ودعت الغرفة جميع الجهات الإنسانية والمنظمات المحلية والدولية إلى التدخل العاجل لتقديم الدعم اللازم للنازحين، وناشدت السلطات المعنية لاتخاذ التدابير الكفيلة بحماية المدنيين وضمان سلامتهم. كما أكدت على أهمية فتح ممرات آمنة لضمان إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق. والاستمرار في التنسيق مع الشركاء والمتطوعين لتقديم ما يمكن من خدمات إغاثية رغم محدودية الموارد.
كما دعت الغرفة أيضًا أبناء قيسان في الداخل والخارج إلى التكاتف والتضامن في هذه المرحلة الحرجة، والمساهمة الفاعلة في دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى التخفيف من معاناة المتضررين.
انفصال الأطفال
وشهدت مناطق “السلك” و”سلك أحمر” و”ملكن” بمحلية باو، في 25 يناير الماضي، اشتباكات عنيفة أدت إلى تدهور سريع في الأوضاع المعيشية، ودفع آلاف السكان إلى الفرار من منازلهم، ليواجهوا ظروفًا إنسانية قاسية تتسم بانعدام المأوى ونقص الغذاء والدواء ومياه الشرب.
ويُعد إقليم النيل الأزرق من الولايات الحدودية جنوب شرق السودان، حيث يجاور إثيوبيا ودولة جنوب السودان، ويضم سبع محليات إدارية، من بينها الدمازين والرصيرص وباو والكرمك.
من جانبها، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من تفاقم الكارثة الإنسانية في السودان، مؤكدة أن البلاد تشهد أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم. وأشارت إلى أن الأطفال يواجهون أوضاعًا مأساوية نتيجة انتشار الجوع والأمراض، داعية إلى تكثيف الجهود الدولية لتوفير الدعم الإنساني وتعزيز الاستقرار.
وأوضحت “يونيسف” أنها تواصل تقديم الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، بما في ذلك الرعاية الصحية والتغذية والمياه النظيفة والدعم النفسي والتعليم، بالتعاون مع شركائها على الأرض.
وفي السياق ذاته، أعلنت غرفة طوارئ مدينة الرصيرص عن أوضاع حرجة في قرية “السلك”، حيث نزحت أعداد كبيرة من السكان، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، في ظل نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية. كما أشارت إلى وصول أعداد من النازحين إلى منطقة “ديرنق”، وسط مناشدات عاجلة للمنظمات الإنسانية للتدخل.
وتكتسب مناطق “الكرمك” و”مجغة” و”بلامو” و”خور البودي” و”ملكن” و”السلك” و”سلك أحمر” أهمية استراتيجية في الإقليم، ما يجعلها مسرحًا لتنافس عسكري محتدم، خصوصًا مع سعي قوات الدعم السريع لبسط نفوذها على المناطق الحدودية.
وفي مارس 2025، أعلنت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن تجدد أعمال العنف في محلية التضامن، ما أدى إلى نزوح نحو 20 ألف شخص إلى الدمازين، وعبور آخرين إلى دولة جنوب السودان. وأوضحت أنها قدمت مساعدات أولية شملت مئات الخيام والمشمعات، لكنها أكدت أن الاحتياجات لا تزال تفوق الإمكانات المتاحة.
وبحسب برنامج الأغذية العالمي، يعاني أكثر من 21 مليون شخص في السودان من انعدام الأمن الغذائي الحاد، في حين تجاوز عدد النازحين 13 مليون شخص، بينهم 9.3 مليون نازح داخليًا و4.3 مليون لاجئ خارج البلاد.
كما تم تأكيد وقوع مجاعة في بعض المناطق، نتيجة تعذر وصول المساعدات الإنسانية بسبب استمرار القتال، فيما يعاني نحو 3.7 مليون طفل وامرأة حامل ومرضعة من سوء التغذية، ما يعكس حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة في البلاد.