
حيدر المكاشفي
في بلدٍ يُفترض أن تُقاس فيه الحكومات بقدرتها على حماية مواطنيها وقت الشدائد، قررت سلطة الامر الواقع في السودان أن تقلب المعادلة رأساً على عقب، المواطن المنكوب بالحرب هو من يدفع، والسلطة التي يفترض أن تنقذه هي من تأخذ.وما حدث في معبر أرقين ليس حادثة عابرة، بل هو مشهد مكثف لسياسة كاملة تقوم على فلسفة واحدة هي ادفع ثم ادفع حتى تكتب عندها عبد الدافع. مئات العائدين المنهكين المحزونين من رحلة اللجوء والخذلان، يتكدسون عند المعبر لا لأن الحرب انتهت، بل لأن الحكومة قررت أن تفتح عليهم جبهة حرب جديدة (جبهة الضرائب) سائقو البصات أضربوا ليس ترفاً بل لأن الأرقام التي فرضت عليهم لا علاقة لها بأي منطق اقتصادي أو حتى خيال محاسب مبتدئ. ففي بلد العجائب هذا، يمكن أن تقفز الضريبة من (200 ألف) إلى (350 ألف)، ثم إلى (1.350 مليون)، قبل أن تهبط فجأة إلى (850 ألف)، وكأننا لا نتحدث عن سياسة مالية بل عن مزاد علني أو بورصة مزاجية يديرها أمين عام الضرائب من مكتبه. أما المواطن فله نصيب الأسد من هذه المسرحية. العائد إلى الخرطوم يدفع (34 ألف)، إلى عطبرة (22 ألف)، إلى دنقلا (15,500)… مبالغ تقتطع من جيوب أنهكها اللجوء، تحت مسمى يبدو لطيفاً (معالجة الضرائب). أي معالجة هذه التي تعالج خزينة الدولة على حساب جراح الناس، الحكومات في العالم عند الحروب تسقط الضرائب و تقدم الدعم و تفتح الجسور والمعابر لعبور الناس بكرامة. أما عندنا فالحكومة لا تفتح المعابر إلا لتضع عليها كشك جباية، واللافت في الأمر ليس فقط حجم الجبايات بل طريقة اتخاذ القرار، لا مجلس تشريعي لا ميزانية جديدة لا نقاش عام، فقط قرار يولد في مكتب ويُفرض على شعب، ثم يُعدّل في اليوم التالي وكأن الدولة تدار عبر نظرية (التجربة والخطأ)..واذا قيل ان جبايات أرقين قد ألغيت فهناك (آراقين وارقينات) مازالت قائمة فالامر امر سياسة عامة لم تختص بارقين فقط فمن ل(الآراقين) الاخرى يا ترى..
ولما كانت الجباية بالجباية تذكر لابد ان نستذكر هنا ما كانت ترفعه السلطة من شعارات (تهيئة الأوضاع لعودة المواطنين واستعادة الحياة الطبيعية)، لكنها للمفارقة مضت في الاتجاه المعاكس تماماً، عبر سياسات جباية قاسية تضرب ما تبقى من شرايين الاقتصاد المنهك. فبدلاً من تخفيف الأعباء عن المواطنين والتجار الذين فقدوا ممتلكاتهم وأعمالهم خلال الحرب، اختارت السلطات المحلية في عدد من الولايات أن تفتح دفاتر الرسوم والعوائد وكأن البلاد تعيش أزهى عصور الاستقرار. فالاحتجاجات التي شهدتها الأسواق قبل فترة لم تكن ترفاً ولا مؤامرة سياسية كما قد يحلو للبعض وصفها، بل هي صرخة بقاء. زيادات كبيرة في الجبايات شملت الرخص التجارية، العوائد، ورسوم النفايات، طالت حتى الأنشطة الصغيرة والمتوسطة التي تحاول بالكاد أن تعود للحياة بعد سنوات من التوقف القسري بسبب الحرب. النتيجة الطبيعية كانت إغلاق محال، إضرابات جزئية، وتراجع حركة البيع والشراء في أسواق يفترض أن تكون مؤشراً على تعافي المجتمع. المفارقة الفجة أن هذه الإجراءات اتت في وقت تدّعي فيه السلطة أنها توفر الظروف المناسبة لعودة المواطنين إلى ديارهم. أي عودة هذه إذا كان السوق وهو قلب الحياة اليومية يُخنق بالرسوم، كيف يعود المواطن إلى مدينة لا يجد فيها عملاً، ولا يستطيع فيها التاجر أن يفتح دكانه دون أن تطارده الإيصالات والجبايات..الحقيقة هي ان اقتصاد الحرب بطبيعته لا يقوم على الإنتاج بقدر ما يقوم على التحصيل السريع والسيولة الفورية. ومع تآكل الإيرادات التقليدية للدولة بسبب توقف النشاط الاقتصادي وتراجع الصادرات وانهيار البنية التحتية، لجأت السلطات إلى أسهل الحلول جيب المواطن. لكن هذا الخيار وإن بدا سريعاً، لكنه يحمل في داخله بذور الانهيار الكامل. فكل جنيه يُنتزع من تاجر متعثر هو خصم مباشر من قدرة السوق على توفير السلع، ومن قدرة المواطن على الشراء، ومن فرص العمل المتاحة للشباب العاطلين. وما يحدث هو حلقة مفرغة فالحرب دمّرت النشاط الاقتصادي، فتراجعت الإيرادات العامة، فلجأت السلطة إلى مضاعفة الرسوم، فازداد الركود، وتقلص النشاط أكثر، فتعمقت الأزمة. إنها سياسة قصيرة النظر، ترى في السوق بقرة حلوباً حتى لو كانت تحتضر. الأخطر من ذلك أن هذه الجبايات تفرض في بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الخدمات. أين النظافة التي تفرض عليها رسوم، أين الأمن المستقر الذي يبرر مضاعفة العوائد، أين البنية التحتية التي تجعل من دفع الرخصة استثماراً في بيئة عمل آمنة، التاجر يدفع لكنه لا يرى مقابلاً حقيقياً سوى المزيد من القيود إن إعادة بناء ما دمرته الحرب لا تبدأ بالجباية، بل بالتحفيز. تبدأ بإعفاءات مؤقتة، وجدولة رسوم، ودعم حقيقي للأنشطة الصغيرة، لا بملاحقة أصحاب الطبالي والدكاكين. تبدأ بإدراك أن السوق ليس عدواً سياسياً، بل شريك في إعادة الحياة إلى المدن. والتناقض بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي أصبح صارخاً. لا يمكن أن تتحدث السلطة عن تهيئة الظروف للعودة بينما تمارس سياسات تدفع من بقي إلى التفكير في الهجرة من جديد. ولا يمكن أن تزعم دعم الاستقرار وهي تغذي الاحتقان في الأسواق، حيث يتشكل الرأي العام الحقيقي. إذا كانت هناك إرادة جادة لإعادة الناس إلى بيوتهم، فلتبدأ بإزالة هذا العبء الثقيل عن كواهلهم. أما أن تُدار البلاد بعقلية (خزينة الحرب) لا (اقتصاد السلام)، فذلك لن ينتج سوى مزيد من الإغلاق، مزيد من البطالة، ومزيد من الغضب المكتوم. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو هل تريد السلطة فعلاً عودة الحياة أم تريد فقط عودة الجباية والتحشيد والتجييش، هذا ليس اقتصاد حرب هذا اقتصاد ارتجال وهمبتة وليس إصلاحاً مالياً بل تجريف منظم لجيوب الناس. والسؤال الذي يفرض نفسه بسخرية لاذعة إذا كان اللاجئ يدفع، والنازح يدفع، والطالب يدفع والتاجر يضرب لأن الضرائب خنقته فمن الذي تبقى ليحمل هذا الوطن غير الفقراء، ربما الإجابة واضحة في سلوك السلطة نفسها، الوطن، في نظرها، ليس أكثر من خزنة متنقلة اسمها المواطن..