” الكنيسة القبطية”.. عودة الروح للعاصمة 

أفق جديد

في مساءٍ بدا كأنه يخرج من رماد السنوات الثقيلة، استعادت الخرطوم شيئًا من نبضها القديم، وهي تستقبل عودة وجهين روحيين غابا طويلًا عن المشهد، لكن حضورهما ظل مقيمًا في وجدان الناس. لم يكن الحدث مجرد وصول طائرة في مطار، بل كان أقرب إلى لحظة انكشافٍ عاطفي، تلتقي فيها الذاكرة بالرجاء، وتتصالح المدينة مع نفسها بعد انقطاعٍ قاسٍ فرضته الحرب.

منذ الساعات الأولى للمساء، بدأ التوافد إلى مطار الخرطوم الدولي، حيث امتدت الوجوه، تحمل ملامح الانتظار الطويل. لم تكن الحشود مجرد حضور عددي، بل كانت تعبيرًا حيًا عن شوقٍ متراكم، وعن رغبة دفينة في استعادة ما انكسر. وعندما لامست عجلات الطائرة أرض المدرج، بدا وكأن لحظة رمزية تُكتب بصمت، لحظة عودةٍ تتجاوز الأشخاص لتطال معنى الاستقرار ذاته.

خرج الأنبا صرابامون والأنبا إيليا وسط ترحيبٍ لم يكن عاديًا في طبيعته ولا في دلالاته. ارتفعت الأيدي، واختلطت الزغاريد بدموعٍ لم تجد حرجًا في الظهور، وكأن المدينة بأكملها تقول لهما: “لقد تأخرتم، لكنكم عدتم في الوقت الذي نحتاجكم فيه أكثر”. وفي مشهدٍ حمل إشارات واضحة، تقدمت قوة من الشرطة موكب الاستقبال، في صورةٍ أرادت أن تقول إن الدولة نفسها تعترف بثقل هذه اللحظة، وبما تحمله من رسائل تتجاوز البعد الديني إلى أفقٍ وطني أوسع.

تحرك الموكب عبر شوارع العاصمة، التي بدت وكأنها تراقب مرور الزمن فوقها. الأبنية التي أنهكتها الحرب، والطرقات التي فقدت ضجيجها، كلها كانت شاهدة على عبورٍ مختلف؛ عبور يعيد وصل ما انقطع. لم يكن الطريق إلى كنيسة الشهيد العظيم أبانوب مجرد مسافة جغرافية، بل كان انتقالًا رمزيًا من الغياب إلى الحضور، ومن التشتت إلى الالتئام.

عند بوابات الكنيسة في أم درمان، بلغ المشهد ذروته. مئات تجمعوا في انتظار اللحظة التي يلتقون فيها براعِيَيْهم بعد سنواتٍ من الانقطاع. وعندما دخلا، بدا المكان وكأنه يستعيد روحه دفعةً واحدة. ارتفعت صلاة الشكر، لكنها لم تكن مجرد طقس ديني، بل كانت فعلًا إنسانيًا عميقًا، يختصر معاني النجاة والبقاء. كانت الكلمات تُقال، لكن ما يُحس كان أكبر من اللغة؛ دموع، ابتسامات، وأيادٍ ممدودة تبحث عن طمأنينةٍ افتقدتها طويلًا.

في كلماتهما، لم يبتعد الأنبا صرابامون والأنبا إيليا عن جوهر اللحظة. تحدثا عن الصبر، لا كفضيلة مجردة، بل كخبرة عاشها الناس يومًا بيوم. وتحدثا عن الرجاء، لا كأملٍ مؤجل، بل كقوة دفعت الجميع للاستمرار رغم كل شيء. كان واضحًا أن العودة لم تكن فقط قرارًا إداريًا أو تحسنًا أمنيًا، بل كانت استجابة لنداءٍ إنساني ظل يتردد طوال سنوات الغياب.

خلف هذا المشهد الاحتفالي، تقف قصة غيابٍ ثقيلة. فالهجوم الذي طال مقر المطرانية في أم درمان لم يكن مجرد حادث عابر، بل لحظة مفصلية دفعت بالقيادات الكنسية إلى التشتت بين بورتسودان وجنوب السودان، ثم إلى القاهرة، حيث توزعت الرعاية على جغرافيا النزوح القاسية. هناك، في المنافي المؤقتة، لم تتوقف الرسالة؛ استمرت الزيارات، وتواصلت اللقاءات، وبقي الخيط الرفيع الذي يربط الرعية بكنيستها قائمًا رغم كل الانكسارات.

لم تكن تلك السنوات مجرد غياب جسدي، بل كانت اختبارًا قاسيًا لفكرة الانتماء نفسها. ومع ذلك، بدا أن هذا الاختبار قد عمّق العلاقة بدل أن يضعفها. فالاستقبال الحافل لم يكن فقط احتفاءً بعودة شخصين، بل كان إعلانًا ضمنيًا عن انتصار الروابط الإنسانية على ظروف التمزق.

اليوم، ومع إعادة إعمار المطرانية وعودة الحياة إلى بعض أحيائها، تبدو الخرطوم وكأنها تفتح صفحة جديدة، وإن كانت لا تزال مثقلة بآثار ما مضى. عودة الأنبا صرابامون والأنبا إيليا تأتي كإشارة لا تخطئها العين: أن ما تهدم يمكن أن يُبنى، وأن ما انقطع يمكن أن يُستعاد، وأن المدينة –رغم كل ما فقدته– لا تزال قادرة على أن تكتب فصولًا أخرى من حياتها.

وفي هذا المساء تحديدًا، لم يكن المشهد مجرد حدث عابر في سجل الأخبار، بل لحظ أوة كثيفة المعنى، تقول إن الخرطوم، بكل ما مرت به، لا تزال تملك القدرة على الفرح، وعلى استقبال الحياة حين تعود.

Exit mobile version