السودان… حين يصبح بناء الداخل شرط البقاء لا خياراً 

حاتم أيوب أبو الحسن

        حاتم أيوب أبو الحسن 

في ظل تشابك مصالح الولايات المتحدة وروسيا والصين، يبقى العامل الحاسم في السودان ليس ما تريده هذه القوى، بل ما يستطيع السودانيون فرضه من داخلهم. المسار الداخلي لم يعد شعارًا سياسيًا، بل تحول إلى واجب وطني مرتبط ببقاء الدولة نفسها.

أول ما يواجه هذا المسار هو كسر منطق الحرب كأداة وحيدة لإدارة الخلاف. لا يمكن لأي طرف، مهما امتلك من قوة، أن يحكم بلدًا بحجم وتعقيد السودان منفردًا. الاستمرار في الرهان العسكري يعني عمليًا تكريس التقسيم، حتى لو لم يُعلن. لذلك يصبح وقف إطلاق النار ولو جزئياً هو مدخلاً ضرورياً، ليس كحل نهائي بل كمساحة لإعادة ترتيب الداخل ، وإعادة تعريف السياسة نفسها. خلال السنوات الماضية، تآكلت الثقة بين القوى المدنية والعسكرية، وبين المركز والأطراف، حتى أصبح كل فاعل يرى الآخر تهديداً وجوديًا. 

المسار الوطني يتطلب الانتقال من منطق الإقصاء إلى منطق التعايش القسري على الأقل، أي قبول أن التعدد ليس ضعفًا بل حقيقة لا يمكن تجاوزها. هذا لا يعني تسويات شكلية، بل بناء حد أدنى من التوافق حول شكل الدولة: من يحكم؟ كيف توزع السلطة؟ 

ما هو دور الجيش؟

ثم  تفكيك اقتصاد الحرب. طالما أن الموارد من الذهب إلى المعابر حتما تُستخدم لتمويل الصراع، ستظل الحرب مغرية لبعض الأطراف.

 الواجب الوطني هنا ليس اقتصادياً فقط، بل سياسي: إعادة ربط الموارد بمؤسسات الدولة، ولو تدريجيًا، وخلق بدائل معيشية تقلل اعتماد المجتمعات المحلية على اقتصاد السلاح.

من ثم  استعادة دور المجتمع. في كثير من مناطق السودان، الدولة غائبة فعليًا، لكن المجتمع لم يختفِ. لجان محلية، مبادرات أهلية، شبكات تضامن—هذه ليست حلولًا دائمة، لكنها نواة يمكن البناء عليها. المسار الداخلي الحقيقي يبدأ من هذه القاعدة، لا من الاتفاقات النخبوية وحدها.

أخيرًا، إدارة العلاقة مع الخارج بوعي، لا برفض مطلق ولا تبعية. السودان لن يخرج من عزلته دون انخراط دولي، لكن الفرق كبير بين أن يكون هذا الانخراط داعمًا لمسار وطني، أو بديلاً عنه. كلما ضعف الداخل، زادت قدرة الخارج على فرض شروطه.

الخلاصة أن المسار الداخلي ليس طريقًا سريعًا ولا مضمون النتائج، لكنه الخيار الوحيد الذي يمنع تحول السودان إلى ساحة دائمة للصراع. بناء هذا المسار يتطلب شجاعة سياسية، و تنازلات مؤلمة، وإدراكًا أن البديل ليس انتصار طرف، بل خسارة الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى