(آلاف النازحين في أوضاع مأساوية ) النيل الأزرق .. الأرض تتخلى عن الانسان

أفق جديد

في الطريق الممتد بين الكرمك والدمازين، تبدو الأرض كأنها تخلّت عن أهلها دفعة واحدة. الأشجار التي كانت تظلل المزارعين، صارت شاهدة على مرور أفواج بشرية منهكة، تمضي بلا يقين، تحمل ما تبقى من حياتها فوق الرؤوس وعلى الأكتاف. هنا، حيث اجتاحت قوات الدعم السريع والقوات المتحالفة مع الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، لم يكن النزوح خياراً، بل كان الهروب الوحيد الممكن من واقع ينهار بسرعة.

تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تشير إلى نحو 73,406 نازحين حتى الآن، رقم يبدو ضخماً على الورق، لكنه في الميدان يتحول إلى وجوه، إلى حكايات متفرقة، وإلى طرق ممتدة لا تنتهي. من سبع قرى في الكرمك، ومن عمق قيسان، ومن الأطراف الجنوبية لـباو، خرج الناس في موجات متلاحقة، بعضها سبق الآخر بساعات، وبعضها لا يزال في الطريق.

رحلة قاسية

الرحلة نفسها كانت قاسية إلى حد يصعب وصفه. أيام من السير المتواصل، في حر النهار وبرودة الليل، بلا غذاء كافٍ ولا ماء آمن. أمهات يحملن أطفالهن الذين أثقلهم التعب، وآباء يجرّون خطواتهم وهم يحاولون الحفاظ على تماسك الأسرة. في الطريق، تلاشت المسافات بين القرى، واختلطت أسماء الأماكن، ولم يعد هناك معنى واضح للوجهة سوى “النجاة”.

تفاصيل هذه الرحلات، كما كشفتها الناطقة باسم غرفة طوارئ النيل الأزرق، هويدا من الله، في حديثها لـ”افق جديد”، تفتح نافذة مباشرة على عمق الأزمة. تقول هويدا إن “نحو 73,406 نازحاً وصلوا إلى الدمازين حتى الآن، دون وجود مراكز إيواء مخصصة لاستقبالهم”، موضحة أن “هذه الأعداد تم توزيعها قسرياً على معسكرات قائمة أصلاً، وهي معسكرات كانت تعاني من الاكتظاظ قبل هذه الموجة”.

وتتابع: “الدمازين تستقبل على رأس كل ساعة أعداداً جديدة من النازحين، أغلبيتهم يصلون سيراً على الأقدام بعد رحلة استمرت أياماً”، مشيرة إلى أن كثيرين “يصلون في حالة إنهاك شديد، وبعضهم ينهار فور وصوله من شدة التعب والجوع”.

ولا تتوقف شهادتها عند هذا الحد، بل تغوص في التفاصيل الدقيقة: “النزوح من الكرمك شمل سبع قرى بشكل كامل، فيما وصلت 433 أسرة بالكاد إلى مناطق دندرو وسالي شمالي الكرمك، في أوضاع إنسانية بالغة السوء”. وتضيف: “في باو، لدينا معسكران يضمان نحو 730 أسرة في معسكر 9 و850 أسرة في معسكر 10، وهذه الأعداد مرشحة للزيادة في أي لحظة”.

أما عن قيسان، فتشير إلى أن “حالة الخوف والهلع دفعت أعداداً متزايدة من المواطنين إلى الفرار، ما يعني أن موجة النزوح لم تصل ذروتها بعد”. هذه العبارة، رغم بساطتها، تحمل تحذيراً واضحاً: ما يحدث الآن قد يكون مجرد بداية.

عند الوصول إلى الدمازين، تتغير ملامح الأزمة لكنها لا تخف. المدينة التي تحولت إلى ملاذ أخير، باتت تستقبل فوق طاقتها. لا خيام كافية، لا مساحات منظمة، ولا بنية قادرة على استيعاب هذا التدفق البشري الهائل. يتم توزيع النازحين على معسكرات قديمة، أو تركهم في أطرافها، حيث ينشئون ملاجئ مؤقتة من بقايا الأقمشة والمشمعات.

في هذه المساحات، يصبح كل شيء نادراً. الماء يُجلب بشق الأنفس، والغذاء لا يصل إلا على شكل حصص متقطعة، والخدمات الصحية تقف على حافة الانهيار. الأطفال، الذين يشكلون الغالبية، تظهر عليهم سريعاً علامات الإجهاد وسوء التغذية، فيما تزداد مخاطر انتشار الأمراض في بيئة مكتظة تفتقر لأبسط مقومات الصحة.

كارثة وشيكة

البيان الصادر عن غرفة طوارئ النيل الأزرق يصف الوضع بوضوح حاد: “النازحون يواجهون أوضاعاً إنسانية صعبة تشمل نقص الغذاء والمياه، واكتظاظ مراكز الإيواء، وتدهور الخدمات الصحية”، إلى جانب “تزايد الاحتياجات المتعلقة بالحماية والدعم النفسي والاجتماعي”. ويضيف أن “الوضع تجاوز قدرات الاستجابة المحلية، ويستدعي تدخلاً عاجلاً ومنسقاً من المنظمات الإنسانية والوكالات الدولية”.

ويمضي البيان أبعد من الوصف، إلى التحذير: “استمرار هذا الوضع دون تدخل فوري قد يؤدي إلى كارثة إنسانية”، داعياً إلى توفير الغذاء بشكل عاجل، وتأمين مياه الشرب، وتقديم مواد الإيواء الأساسية مثل الخيام والمشمعات والبطاطين، إلى جانب تعزيز الخدمات الصحية والإمدادات الطبية، مع “إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر هشاشة”.

وسط هذا الامتداد القاسي، يخرج صوت الصادق أحمدو، 47 عاماً، القادم من القرى المحيطة بالكرمك، كأنه يخرج من عمق الطريق نفسه لا من نهايته. يقف الرجل في الدمازين بجسدٍ وصل، لكن روحه ما زالت عالقة هناك، بين الأشجار والوديان والمسافات التي قطعها سيراً على الأقدام. يتحدث ببطء، وكأن كل كلمة تحتاج إلى إذن من ذاكرته قبل أن تخرج.

يقول الصادق لـ” افق جديد”  إنهم غادروا قراهم تحت ضغط الخوف المتراكم، بعد أن أصبحت الأصوات المحيطة بالمنطقة تنذر بما هو أسوأ. لم يكن الخروج قراراً فجائياً، بل كان نتيجة أيام من الترقب والقلق، حين بدأ الناس يدركون أن شيئاً ما يقترب دون أن يُقال لهم بوضوح ما هو. ومع ذلك، ظل هناك خيط أمل ضعيف، بأن القوات الحكومية الموجودة في المنطقة ستتمكن من صد أي هجوم محتمل، وأن الحياة يمكن أن تبقى في حدودها الدنيا من الأمان.

لكن ذلك الأمل، كما يروي، لم يكن سوى لحظة مؤجلة من الصدمة. “كنا ننتظر أن يحدث شيء يمنع ما حدث”، يقول بصوت خافت، ثم يصمت طويلاً قبل أن يكمل، وكأن الجملة التالية أثقل من أن تُقال بسهولة.

الرحلة التي تلت ذلك كانت أطول من قدرتهم على الاحتمال. لم تكن المسافات تُقاس بالكيلومترات، بل بعدد الانقطاعات في النفس، وبعدد المرات التي اضطر فيها الناس للتوقف لأن أجسادهم لم تعد قادرة على المواصلة. على امتداد الطريق، كانت العائلات تتحرك ككتل بشرية منهكة، الأطفال ينامون وهم واقفون، والنساء يحملن ما يمكن حمله من الحياة على ظهورهن وأذرعهن، والرجال يحاولون إخفاء الانكسار خلف صمت ثقيل.

في منتصف هذا الطريق، كما يروي الصادق، بدأت المأساة الحقيقية تتشكل داخل الرحلة نفسها. طفلته الصغيرة، التي عانت من المرض قبل النزوح، كانت تسير معهم بصعوبة منذ البداية. لم تكن الطريق رحيمة، ولا الوقت كان كافياً، ولا الظروف تسمح بأي توقف طويل. ومع كل خطوة، كانت الطفلة تضعف أكثر، حتى وصلوا إلى لحظة لم تعد فيها قادرة على الاستمرار.

“لم تحتمل المسير”، يقول الصادق، ثم تتوقف الكلمات في حلقه قبل أن تكتمل الجملة. لا يصف ما حدث بتفاصيل كثيرة، لكنه يترك للصمت أن يقول ما لا تستطيع اللغة حمله. في عينيه، لا يبدو الفقد حدثاً من الماضي، بل لحظة لا تزال تحدث داخله كلما تذكر الطريق

لم تكن الطفلة مجرد حالة إنسانية في سياق نزوح كبير، بل كانت جزءاً من يومياته، من محاولاته المستمرة لطمأنتها، من حمله لها كلما تعبت، من نظرته التي كانت تبحث عن مكان يستريحون فيه ولو قليلاً. لكن الطريق لم يمنحهم تلك الفرصة. وعندما وصل إلى الدمازين، كان قد فقد جزءاً لا يُعوّض من رحلته، جزءاً بقي هناك بين المسافة والخوف.

مأساة مكررة

على الجانب الآخر من القصة، تأتي شهادة سلمى، وهو اسم مستعار لنازحة من منطقة مقجة، تحدثت لـ” افق جديد”  لتكشف طبقة أخرى من المأساة، ليست في الطريق نفسه فقط، بل فيما سبق الطريق من وعود وتطمينات. تتحدث سلمى بهدوء، لكن في صوتها ارتجاف خفيف يشبه ارتجاف من يحاول إعادة بناء ذاكرة لا يريد أن يراها مكتملة.

تقول سلمى إن الأوضاع في المنطقة كانت متوترة منذ أيام، وإن الناس كانوا يعيشون بين الخوف والترقب. ومع ذلك، لم يكن القرار بالرحيل سهلاً، لأن ما قيل لهم في تلك اللحظات كان مختلفاً عما كانوا يرونه بأعينهم. تؤكد أن القوات الحكومية في الولاية، إلى جانب عدد من قادة الإدارة الأهلية، بثوا تطمينات للسكان بأن قوات الدعم السريع قد تم دحرها، وأن الوضع تحت السيطرة، وأن لا ما يستدعي مغادرة القرى.

تلك الطمأنينات، كما تصفها، لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت سبباً في تأجيل قرار النزوح لدى كثيرين، بينهم هي نفسها. “كنا نريد أن نصدق”، تقول، ثم تتوقف قليلاً وكأنها تعيد ترتيب ذلك الإيمان المؤقت في داخلها. “صدقنا أن الأمور ستستقر”.

لكن الواقع، كما تروي، بدأ يتغير بسرعة لا تمنح وقتاً لإعادة الحسابات. في لحظة واحدة، تحولت القرى إلى مساحات من القلق، والطرقات إلى مسارات هروب، والأصوات إلى إشارات إنذار غير واضحة. لم يعد هناك وقت للسؤال أو التحقق، فقط وقت للجري.

في تلك الفوضى، خرجت سلمى مع أسرتها كما خرج غيرهم، بلا استعداد حقيقي لما ينتظرهم. الطريق إلى الدمازين لم يكن أقل قسوة مما كان في الذاكرة. بل ربما كان أكثر قسوة لأنه جاء بعد صدمة الخذلان. كانت كل خطوة تحمل معها سؤالاً لم يُجب عنه أحد: لماذا تأخر التحذير؟ ولماذا لم تُترجم التطمينات إلى حماية حقيقية؟

عند وصولها إلى الدمازين، وجدت سلمى نفسها في مشهد لا يختلف كثيراً عن الطريق الذي خرجت منه، سوى أنه أكثر ازدحاماً. النازحون في كل مكان، المعسكرات ممتلئة، والأرض لم تعد تتسع للمزيد. الوجوه متعبة، واللغة المشتركة بينهم هي الصمت.

بين شهادة الصادق أحمدو وشهادة سلمى، تتشكل صورة مزدوجة للنزوح: صورة الفقد الذي يحدث في منتصف الطريق، وصورة الخذلان الذي يحدث قبل الطريق. الأول فقد طفلته لأن الطريق كان أطول من قدرة الجسد، والثانية فقدت يقينها لأن الكلمات سبقت الواقع ولم تحمه.

تراكم الالم

وفي النهاية، لا تبدو الدمازين محطة وصول، بل محطة تراكم جديد للألم. مكان يتجمع فيه الناجون، لكنهم لا يخرجون منه كما دخلوا. وبين طريقٍ لا يرحم، ووعودٍ لم تصمد، وذاكرة مثقلة بما لا يُروى بسهولة، يبقى النازحون معلقين في مساحة بين النجاة والانكسار، حيث لا شيء ينتهي فعلاً، بل يبدأ بشكل آخر من الانتظار.

في باو، يتكرر المشهد بوتيرة متسارعة. مع تصاعد العمليات العسكرية في المناطق الجنوبية، تتشكل موجات نزوح جديدة، تضغط على منطقة تعاني أصلاً من هشاشة شديدة. القرى تُفرغ، والطرق تمتلئ بعائلات تحمل ما تستطيع، فيما يتحول النزوح إلى حالة عامة، لا استثناء فيها.

المفارقة الأكثر قسوة تظهر في قصص العائدين. بعض هؤلاء كانوا قد عادوا قبل أشهر من اللجوء في إثيوبيا وجنوب السودان، على أمل بداية جديدة. لكنهم اليوم يجدون أنفسهم في مواجهة نزوح آخر، أكثر قسوة، وكأنهم يدورون في حلقة مغلقة من الفقد.

وفي قلب هذا المشهد، تتشكل حياة هشة تحاول الاستمرار. نساء يتقاسمن الطعام القليل، شباب ينظمون توزيع المياه بما توفر، وأطفال يخلقون من الفراغ ألعاباً صغيرة، كأنهم يرفضون الاستسلام الكامل.

لكن الحقيقة الأكثر إلحاحاً، كما تعكسها شهادة هويدا وبيان غرفة الطوارئ، هي أن الزمن لم يعد في صالح هؤلاء. كل ساعة تمر، تصل معها أعداد جديدة، وتزداد معها الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات. وبين أرضٍ لم تعد آمنة، وملاذٍ لم يعد كافياً، يقف عشرات الآلاف في منطقة رمادية، حيث النجاة مؤقتة… والمستقبل مفتوح على كل الاحتمالات.

.

Exit mobile version