حكومة الجبايات  ورئيس وزراء التوجيهات 

الزين عثمان 

في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة التي تمر بها البلاد، وجّه رئيس الوزراء كامل إدريس الجهات ذات الصلة بعدم فرض أي رسوم على العائدين عبر المعابر، في خطوة بدت وكأنها محاولة لمعالجة ما وصفه البعض  بـ”نقائص” سلوكيات بعض موظفي حكومته، الذين يلجأون  إلى تحميل المواطنين أعباء مشكلاتهم المالية.

وأكد إدريس، في توجيهاته، ضرورة عدم إضافة أي رسوم أو ضرائب جديدة في المعابر، مطالبًا الجهات المختصة بالتنفيذ الفوري. وشدد على أن الرسوم المفروضة أسهمت في إفقار المواطن دون أن تحقق فائدة تُذكر لخزينة الدولة، داعيًا المواطنين إلى عدم الاستجابة لأي رسوم إضافية أو غير مقننة.

غير أن هذه التوجيهات، وفق ما يراه مراقبون، لم تأتِ كمبادرة استباقية بقدر ما كانت ردة فعل مباشرة على ما جرى في معبر “أرقين”، حيث وجد العائدون إلى ديارهم – بعد أن أجبرتهم الحرب على مغادرتها – أنفسهم أمام واقع مختلف، تلخصه عبارة غير مكتوبة لكنها حاضرة في الممارسة: “ادفع لتعبر”. فقد أقرت سلطات الضرائب في وادي حلفا رسوماً على العائدين، وُصفت بأنها “رسوم عودة”، في مفارقة لافتة مع دعوات رسمية سابقة تحث المواطنين على الرجوع بعد انحسار المخاطر وتوقف العمليات العسكرية.

وتفاقمت الأزمة في المعبر مع دخول عدد من سائقي الباصات في إضراب احتجاجًا على زيادات كبيرة في الرسوم والضرائب، ما أدى إلى توقف حركة النقل وتعطّل سفر الركاب. وأفاد سائقون بأن الرسوم قفزت بشكل مفاجئ من نحو 300 ألف جنيه إلى 1.5 مليون جنيه، وهو ما اعتبروه عبئًا يفوق قدرتهم على الاستمرار في العمل.

كما أثار منشور صادر عن مكتب ضرائب وادي حلفا – يقضي بفرض 34 ألف جنيه على كل فرد مقابل العبور – موجة واسعة من الغضب، بعد تداوله بكثافة على وسائل التواصل الاجتماعي مصحوبًا بانتقادات حادة. وفي المقابل، اختار أصحاب الباصات والعائدون أسلوبًا احتجاجيًا بسيطًا لكنه معبّر: “لن ندفع”، في إشارة إلى عجزهم المادي ورفضهم لهذه الجبايات.

ويُنظر إلى ما حدث في “أرقين” باعتباره نموذجًا مصغرًا لما قد يواجهه العائدون في مناطق أخرى، في ظل واقع يجمع بين تداعيات الحرب وتنامي الجبايات، إلى جانب توجيهات حكومية كثيرًا ما تبقى حبيسة النصوص. اللافت أن الجهات المختلفة سارعت إلى التنصل من مسؤولية المنشور المثير للجدل، حيث نفت إدارات المعابر والجمارك ووزارة المالية المركزية صلتها به، ليبقى العبء محصورًا في ضرائب حلفا.

وفي سياق متصل، أصدرت السلطات خلال اجتماع للغرفة الاقتصادية  قرارًا بإزالة 55 نقطة تحصيل غير قانونية على الطرق السريعة، مع توجيهات بمواصلة مكافحة هذه الممارسات. غير أن مراقبين يرون أن هذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للظاهرة، في ظل تكرار شكاوى المواطنين من تعدد الرسوم والضرائب والزكاة، التي امتدت حتى إلى أصحاب المركبات.

وتداول ناشطون مقاطع مصورة لمواطنين يحتجون على هذه الإجراءات، من بينها فيديو لرجل يبكي بعد مصادرة سيارته، ما حرمه من قضاء العيد مع أسرته. كما شهدت مدن مثل مدني والحصاحيصا إغلاقًا للمحال التجارية احتجاجًا على ما وصفه التجار بالجبايات الباهظة.

وفي وقت تتزايد فيه معاناة المواطنين جراء الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، إلى جانب خسائر الحرب التي طالت ممتلكاتهم، يجد كثيرون أنفسهم في مواجهة رسوم إضافية، بل وجمارك تُفرض حتى على الأثاث الشخصي، رغم توجيهات رسمية تقضي بعدم قانونية ذلك.

وتتجاوز القضية  في نظر محللين  مسألة الجبايات بحد ذاتها، لتطرح تساؤلات أعمق حول طبيعة السلطة ومن يمارسها فعليًا على الأرض. إذ يتحول القائمون على نقاط التحصيل في الطرق الرئيسية إلى ما يشبه “سلطة فوق السلطة”، يحددون الرسوم وآليات تحصيلها، بينما يُواجه المعترضون بتبرير جاهز: “البلد في حالة حرب”، في ظل غياب واضح لسيادة القانون وتفشي مظاهر الفساد.

وفي مشهد آخر يعكس مفارقات الواقع، تصدّر وزير الثروة الحيوانية أحمد التيجاني المنصوري مواقع التواصل الاجتماعي بعد نشره إعلانًا على منصة “لينكدإن” يبحث فيه عن عمل إضافي بدوام جزئي، مبررًا ذلك بضعف راتبه الوزاري، ومبدياً استعداده للعمل داخل السودان وخارجه. غير أنه عاد لاحقًا ليتنصل من المنشور، موضحًا أنه كُتب في وقت سابق، قبل أن ينشر توضيحًا جديدًا أشار فيه إلى أنه كان يسعى لاستقطاب شركات دولية للاستثمار في قطاع الإنتاج الحيواني وتقديم الاستشارات لها.

وبعيدًا عن هذا الجدل، يظل السؤال الأبرز مطروحًا: هل يمكن لشركات الاستثمار أن تخوض تجربة العمل في بلد أنهكته الحرب، وتنتشر فيه ممارسات الجباية، وتغيب فيه فاعلية التوجيهات الرسمية؟ سؤال مفتوح يعكس حجم التحديات التي تواجهها البلاد في هذه المرحلة. 

Exit mobile version