أين يقف قانون ازالة التمكين؟

محمد عمر شمينا
صدر قانون إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة في سياق استثنائي فرضته التحولات السياسية العميقة التي أعقبت ثورة ديسمبر المجيدة في السودان، حيث وجدت الدولة نفسها أمام إرث ثقيل من التمكين السياسي والاقتصادي الذي ترسخ خلال عقود حكم الرئيس المخلوع عمر البشير. وكان الهدف الأساسي من هذا القانون تفكيك ذلك البناء، واسترداد الأموال العامة، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بما يحد من نفوذ التيارات المرتبطة بالنظام السابق.
وقد جمع القانون بين القواعد الموضوعية والآليات الإجرائية في نص واحد، إذ لم يقتصر على تقرير نصوص موضوعية تتعلق بإزالة التمكين واسترداد الأموال، بل منح الجهة المختصة سلطات واسعة لتنفيذ تلك الأحكام(إجرائية)، شملت إنهاء الخدمة، ومصادرة الأصول، وحل الكيانات. هذا الدمج بين الموضوعي والإجرائي ، وإن بدا مبرراً في سياق المرحلة الانتقالية ذات الطبيعة الثورية، يثير تساؤلات جوهرية حول مدى اتساقه مع القواعد التشريعية المستقرة، التي تميل إلى الفصل بين القواعد الموضوعية وآليات تنفيذها ضماناً لحياد الإجراءات واستقلالها.
ومن زاوية الشرعية القانونية، يستمد القانون جزءاً من مشروعيته من الإرادة الثورية التي أفرزته، بوصفها تعبيراً عن رغبة شعبية في تفكيك بنية النظام السابق. غير أن هذه الشرعية، على أهميتها، لا تغني عن الالتزام بالضمانات الأساسية للعدالة، وفي مقدمتها حق الدفاع، والمحاكمة العادلة، وحق الطعن أمام جهة قضائية مستقلة. إذ إن تداخل الاختصاصات وغياب الفصل الواضح بين السلطات قد يؤدي عملياً إلى تركّز سلطتي التقدير والتنفيذ في جهة واحدة، وهو ما يطرح تحدياً حقيقياً أمام ضمان النزاهة الإجرائية.
على الصعيد العملي، أسفر تطبيق القانون عن نتائج ملموسة، تمثلت في استرداد جزء من الأموال العامة، وإعادة هيكلة بعض المؤسسات، وإعادة النظر في بنية الخدمة المدنية. غير أن هذه النتائج لم تخلُ من جدل قانوني وسياسي، حيث قُدمت طعون أمام القضاء، وأثيرت تساؤلات حول مدى تأثر بعض القرارات باعتبارات غير قانونية، الأمر الذي أعاد طرح إشكالية العلاقة بين القانون والسياسة في سياق انتقالي معقد.
على أن من أبرز الإشكالات العملية التي كشفت عنها تجربة التطبيق، ما تعلق بتجاوز حدود الاختصاص القانوني لبعض الجهات المنفذة. فقد أصدرت اللجنة قرارات مؤداها إلزام أي شخص يرغب في استخراج شهادة بحث بغرض التحقق من الملكية، بالرجوع إليها أولاً للحصول على موافقتها. وهو اتجاه يثير ملاحظة قانونية جوهرية، إذ ينطوي على تدخل مباشر في اختصاصات قانون صدر بحكم تشريعي وهو قانون تسجيلات الأراضي، الذي يحدد على وجه الدقة الجهات المختصة بإجراءات التسجيل والتحقق من ملكية الأراضي وضبط السجلات العقارية.
ولا يقف الأمر عند حدود تعارض الاختصاص، بل يمتد ليشكل مساساً بمبدأ استقرار المعاملات وحجية السجلات الرسمية، فضلاً عن إثارة شبهة مخالفة أحكام الوثيقة الدستورية التي تقرر حماية حق الملكية وعدم جواز المساس به إلا وفقاً للقانون وبإجراءات تكفل الضمانات الواجبة. إذ إن إخضاع إجراء قانوني أصيل كالتثبت من الملكية عبر تسجيلات الأراضي لسلطة تقديرية لجهة غير مختصة، يمثل توسعاً في الاختصاص يفتقر إلى السند التشريعي والدستوري.
وبتقدير أكثر تشدداً، فإن هذا المسلك قد لا يقف عند حد القابلية للإلغاء، وإنما يرقى في الحالات التي يبلغ فيها التجاوز درجة جسيمة إلى مرتبة الانعدام، باعتبار أن القرار صدر من جهة تفتقر أصلاً إلى الولاية القانونية في هذا النطاق. وهو ما يفقده أحد أركانه الجوهرية، ويجعله والعدم سواء من الناحية القانونية، بما يجيز الدفع بانعدامه في أي مرحلة، دون التقيد بمواعيد الطعن، تأسيساً على خرق صريح لمبدأ المشروعية وتجاوز فاضح لحدود الاختصاص.
وفي سياق متصل، برزت تحليلات تربط مسار تفكيك التمكين بتحركات دولية وإقليمية تهدف إلى تقليص نفوذ بعض التيارات الإسلامية، بما في ذلك ما يُعرف بـالاخوان المسلمين.إلا أن هذه الطروحات مهما بدت ذات وجاهة سياسية تظل في إطار التحليل الإعلامي والسياسي، ولا يمكن أن تشكل بذاتها سنداً قانونياً لإجراءات داخلية. فالقانون لا يُبنى على التقديرات أو الضغوط، بل على نصوص واضحة ووقائع مثبتة وأدلة قابلة للمراجعة القانونية والقضائية. وأي محاولة لإسقاط هذه التحليلات على الواقع القانوني دون أساس تشريعي صريح أو حكم قضائي مستقل تثير إشكالاً يتعلق بمبدأ الشرعية، الذي يقتضي ألا تُمس الحقوق أو المراكز القانونية إلا بناءً على نص واضح.
وبذلك، يظل قانون إزالة التمكين رغم اتساع نطاقه مقيداً بحدود النصوص وبالضمانات التي تحكم تطبيقه، بما يكفل بقاءه كأداة قانونية، لا امتداداً لتقديرات سياسية، داخلية كانت أو خارجية.
في المحصلة، تمثل هذه التجربة نموذجاً دقيقاً للانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة؛ حيث يتقاطع مطلب تفكيك الماضي مع ضرورة ترسيخ سيادة حكم القانون. ويبقى السؤال الجوهري قائماً: كيف يمكن تحقيق العدالة في سياق استثنائي، دون أن تتحول استثنائية الظرف إلى مساس بجوهر العدالة نفسها؟
ليس كل ما يُحاصر سياسياً، يمكن مصادرته قانوناً.





