في بلدة هادئة على مضيق هرمز، تشتعل الحرب على مقربة من الأفق

لطالما تميزت الجيوب العمانية المعزولة على مر القرون بازدواجية غريبة: العزلة الوعرة والقرب من أحد أهم الطرق التجارية في العالم.

 *نيويورك تايمز/بقلم إسماعيل نعار/تقرير من خصب، عُمان، على شواطئ مضيق هرمز* 

28 مارس 2026

على امتداد هادئ من الساحل عند طرف شبه الجزيرة العربية، كان صبيان يقذفان الحجارة على سطح الماء عند غروب الشمس، يتنافسان لمعرفة من يستطيع إحداث أبعد تموج في مياه مضيق هرمز.

يُثير المضيق قلق العالم، ويتصدر عناوين الأخبار كل ساعة حيث تتجنب ناقلات النفط مياهه خوفاً من الهجمات الإيرانية.

لكن في إحدى ظهيرات الأيام الأخيرة، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك من نهايته، بدا شاطئ باسا العام في خصب بسلطنة عمان هادئاً وساكناً. ثلاثة أبناء عمومة، علي وأحمد وراشد الشحي، جميعهم في أوائل العشرينات من عمرهم، كانوا يجتمعون هناك مع أصدقاء من مدينة تقع عبر الحدود، في دولة الإمارات العربية المتحدة المجاورة، في نزهة جماعية.

قال أحمد الشحي: “الأجواء هنا هادئة للغاية خلال الأيام العشرة الأخيرة من رمضان عندما نفطر”.

ومع ذلك، وبينما كان الناس يحتفلون مع أصدقائهم، كان الجميع على الشاطئ يعلمون أن حرباً إقليمية تدور رحاها على مقربة من الأفق.

ومع اقتراب الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران من إتمام شهره الأول، كانت خصب، وهي بلدة صيد هادئة، شاهدة على الأحداث الدرامية المصاحبة. فقد أغلقت إيران المضيق، وهو ممر مائي ضيق يمر عبره خُمس نفط العالم، خلال الحرب.

تقع خصب، عاصمة محافظة مسندم في سلطنة عُمان، داخل جيب معزول عن بقية السلطنة بجزء وعر من الإمارات. وتُلقب المحافظة أحيانًا بـ”نرويج الجزيرة العربية” نظرًا لمضائقها الصخرية، وتتميز بازدواجية فريدة: عزلة قاسية وقربها من التجارة العالمية، ما قد يشكل خطرًا في بعض الأحيان. عند أضيق نقطة في مسندم، لا يفصلها عن إيران سوى 21 ميلًا من الماء.

لقد شكّل هذا القرب تاريخ خصب لقرون. فقبل أن تصبح نقطة مراقبة حديثة لرصد ناقلات النفط والمدمرات العسكرية، كانت نقطة إمداد حيوية للمستعمرين البرتغاليين، الذين بنوا حصوناً في القرن السابع عشر للسيطرة على طريق التجارة البحرية.

تبدو الرحلة من دبي إلى خصب في الإمارات العربية المتحدة وكأنها عودة بطيئة إلى الحياة العصرية. يقود المسافرون سياراتهم لمدة ساعتين ونصف شمالاً للوصول إلى الحدود، حيث لم يكن مفتوحاً في عطلة نهاية أسبوع حديثة سوى نافذة واحدة من أصل أربع نوافذ للهجرة، لمعالجة عدد قليل من العمانيين العائدين إلى ديارهم.

بعد تجاوز الحدود، يتحول الطريق إلى رحلة خلابة على طول منحدر صخري، تستغرق 35 دقيقة، حيث يمتد الخليج العربي على اليسار، بينما ترتفع المنحدرات الشاهقة بشكل حاد على اليمين. وفي عرض البحر، ترسو سفن ضخمة في ضباب الساحل.

بالنسبة لسكان خصب، لطالما تطلبت الحياة اجتياز التوازن الدقيق بين العزلة الهادئة لحياتهم وبين استهداف شواطئهم من قبل العالم.

داخل سوبر ماركت محلي، لا يوجد ما يدل على الحرب. قبل ساعات قليلة من صلاة المغرب التي ستعلن عن إفطارهم، تتجول العائلات العمانية والمغتربون من جنوب آسيا بين الممرات، ويعج الجو بمزيج لغوي من العربية والهندية والكمزارية، وهي لغة محلية تتحدث بها قبيلة الكمزارية مع عناصر من العديد من اللغات الأخرى.

خارج المتجر، يراقب شرطي وحيد من سيارته المتوقفة. في الداخل، يدير بائع هندي كشكًا صغيرًا يبيع الذرة الساخنة والقهوة. وبينما لا يزال الزبائن صائمين، يقضي فترة ما بعد الظهر ملتصقًا بهاتفه، يتابع بثًا إخباريًا هنديًا مباشرًا عن الحرب التي تدور رحاها على بعد أميال قليلة.

على الرغم من أن خصب قد نجت إلى حد كبير من الهجمات الإيرانية – حيث تم إسقاط طائرة مسيرة واحدة فوق المدينة هذا الشهر – إلا أنها تشعر بتداعيات الصراع.

يعتمد اقتصاد مسندم بشكل كبير على السياحة الشتوية والربيعية، التي تجذب الزوار الراغبين في رحلات المراكب الشراعية التقليدية، ومشاهدة الدلافين، وتسلق الجبال. لكن الموانئ كانت هادئة هذا الشهر.

كانت مكاتب منظمي الرحلات السياحية في المدينة خالية تماماً. فقد انعدمت الأعمال تقريباً خلال عطلة نهاية الأسبوع، ويعود ذلك أساساً إلى اعتمادها على السياح الأجانب الذين يقضون يوماً واحداً من دبي المجاورة.

قال مهند الكمزاري، وهو من سكان خصب الأصليين، إن الوضع كان أكثر هدوءاً بكثير من المعتاد.

قال: “لا توجد أي أنشطة جارية على الإطلاق بسبب ما يحدث عبر البحر. لو لم يحدث ذلك، لكانت خصب مزدهرة في هذا الوقت”.

عند عودتهم إلى شاطئ باسا، كان الأصدقاء ينهون إفطارهم ويجهزون أنفسهم لصلاة العشاء.

في الجانب الآخر من المدينة، تجمعت عائلة عمانية وجيرانها في مسجد المحلب بن أبي صفرا المتواضع في حديقة خصب. في الداخل، وقف كبار السن لأداء صلاة التراويح، بينما نظم الأطفال في الفناء الخارجي مباراة كرة قدم حماسية.

 

بعد ذلك، استقر الرجال في مجلس مؤقت – وهو عبارة عن أماكن جلوس تقليدية – عند مدخل المسجد. وتجول شبان أصغر سناً بين الحشد، يصبون أكواباً صغيرة من القهوة العربية المتبلة بالهيل والشاي الحلو.

في البداية، لم يكن الحديث يختلف عن أي حديث آخر بين الجيران في منطقة الخليج، حيث كان عبارة عن ثرثرة لطيفة.

لكن فى خصب، يتدخل العالم الخارجي باستمرار. وفي نهاية المطاف، تحول الحديث إلى الضربات العسكرية القريبة.

بالنسبة للرجال الأكبر سناً، كان التوتر ذكرى مألوفة. استذكر عبد الله الفلايتي، وهو موظف حكومي متقاعد يبلغ من العمر 65 عاماً، “حروب ناقلات النفط” في ثمانينيات القرن الماضي، وهو فصل مدمر من الحرب الإيرانية العراقية عندما أصبحت مياه المضيق ساحة لإطلاق النار على السفن التجارية، مما دفع البحرية الأمريكية إلى التدخل.

قال السيد ألفلايتي: “هذا أيضاً سيمر. فليحفظنا الله جميعاً”.

————————————- 

 *إسماعيل نعار* مراسل دولي في صحيفة التايمز، يغطي أخبار دول الخليج. وهو مقيم في دبي، الإمارات العربية المتحدة.

 

Exit mobile version