أجيال السودان وإهدار التعليم (7)

عثمان يوسف خليل

أزمة التعليم… خلل واقع أم فوضى مقصودة؟

اليوم نواصل الكتابة في واحدة من أخطر القضايا التي تواجه السودان: إلا وهى أزمة التعليم. انها ليست عنوان متكرر، بل كواقع نراه يزداد كل يومٍ تعقيدًا، ويترك أثره على حاضر الناس قبل مستقبلهم. بل أصبح هم ثقيل على غالبية الأسر إن لم يكن جلها،خاصة وهى ترى فلزاتها يتجرعون مرارة الحرمان من التعليم..

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين تكمن هذه الأزمة؟ وهل ما نعيشه هو نتيجة طبيعية لظروف معقدة، أم أن هناك ما هو أعمق من ذلك؟

في ظاهر الأمر، تبدو الأسباب واضحة: حروب ونزوح، انهيار اقتصادي، ضعف في البنية التحتية، ومدارس دمرت وخرجت تماماً من الخدمة بل أصبحت مبانيها عبارة عن خرائب ينعق فيها البوم، أما المعلمون فقد أُرهقوا حتى فقدوا القدرة الكاملة على العطاء. هذه كلها يا سادتي حقائق لا يمكن إنكارها، وهي كافية وحدها لتفسير جزء كبير من الأزمة بل هى أم الأزمات.

لكن الآن دعونا نقترب معكم أكثر، لنكتشف أن المشكلة ليست فقط في ما حدث، لم وكيف تُركت الأمور لتصل إلى هذا الحد المزري.

وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل هناك تجهيل ممنهج؟ هل ما يحدث هو مجرد إهمال، أم أن الإهمال نفسه أصبح سياسة غير معلنة؟

نحن قد لا نملك إجابة قاطعة، لكن المؤكد أن النتائج على الأرض تشير إلى شيء أخطر من مجرد الصدفة. جيل كامل مهدد بالخروج من دائرة التعليم، وغياب واضح لأي تدخل بالحجم المطلوب، وكأن ما يحدث مفروض علينا التعايش معه.

وفي كل الأحوال، سواء كانت الأزمة نتاج فوضى أو تقصير أو حتى سوء تقدير، فالنتيجة واحدة: خسارة إنسانية ومعرفية كبيرة ومن غير الممكن تعويضها وبسهولة. وعليه فان أسباب أزمة التعليم في السودان لم تعد خفية. 

يمكن تلخيصها في محاور واضحة:

أولًا: البيئة غير الآمنة، حيث ان المدرسة نفسها اصبحت في بعض المناطق مكانًا غير مضمون، في ظل النزاعات والنزوح.

ثانيًا: التدهور الاقتصادي، الذي جعل التعليم عبئًا على الأسر، لا حقًا مكفولًا لأبنائها.

ثالثًا: هناك ضعف الاهتمام الرسمي، وغياب التخطيط طويل المدى، والتعامل مع التعليم كملف ثانوي.

رابعًا: تراجع مكانة المعلم، ماديًا ومعنويًا، وهو ما انعكس مباشرة على جودة العملية التعليمية. 

لكن السؤال الأهم ليس: لماذا حدثت الأزمة؟ بل: كيف نخرج منها؟

الخروج لا يكون بحلول سريعة أو شعارات، بل بخطوات واضحة تبدأ من الاعتراف بحجم المشكلة. لا يمكن إصلاح ما لا نعترف به.

ثم يأتي العمل على إعادة بناء الثقة في التعليم نفسه؛ أن يشعر الطالب وولي الأمر أن المدرسة تستحق أن يُراهن عليها من جديد.. وهنا، لا بد من العمل على ترتيب الأولويات:

حماية المدارس، دعم المعلمين، وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار الذي يسمح للعملية التعليمية أن تستمر.

بعد ذلك، يمكن الحديث عن تطوير المناهج، وإعادة بناء النظام التعليمي بشكل أعمق.

وفي كل هذا، تبقى الحقيقة البسيطة التي لا تحتاج إلى تنظير طويل: التعليم… ثم التعليم.

فهو ليس مجرد قطاع من قطاعات الدولة، بل هو النور الذي تُرى به بقية الأشياء. وحين ينطفئ هذا النور، لا يبقى سوى العتمة.

العلم نور… والجهل ظلام.

وما بين النور والظلام، يتحدد مصير جيل..

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى