
أفق جديد
تشهد ولاية شرق دارفور أوضاعًا صحية وإنسانية بالغة التعقيد في أعقاب خروج مستشفى مدينة “الضعين” عن الخدمة بسبب الاستهداف الذي دمره كليًا وأخرجه عن دائرة الخدمة، الأمر الذي أدى إلى وفيات النساء والأطفال وكبار السن بسبب عدم تلقي العلاج والرعاية الطبية الكافية.
وأبلغت مصادر طبية “أفق جديد”، أن المستشفى خرج عن الخدمة تمامًا، والمرضى لا يجدون العلاج اللازم، والمرضى ربما يلجؤون إلى الأعشاب الطبيعية في ظل نقص المستشفيات والمراكز الصحية في الولاية بسبب الحرب.
وأضافت المصادر بالقول: “توقف المستشفى عن العمل بسبب الأضرار الكبيرة ونقص الإمدادات الطبية وانعدام الأمان. لم يعد بإمكاننا تقديم الخدمات، رغم الحاجة الشديدة للمواطنين”.
وأفادت منظمة الصحة العالمية ومسؤول إغاثي رفيع بأن أكثر من مليوني شخص في إقليم دارفور بالسودان باتوا يفتقرون للرعاية الطبية المناسبة، وذلك بعد أن تسبب هجوم بطائرة مسيرة الأسبوع الماضي في خروج مستشفى رئيسي عن الخدمة.
وتسببت الضربة، التي تم توجيه أصابع الاتهام فيها إلى الجيش السوداني، في مقتل 70 شخصاً وتدمير مستشفى الضعين التعليمي، الذي كان يخدم السكان في جميع أنحاء ولاية شرق دارفور.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي تم نشرها يوم الأربعاء دماراً واسع النطاق في المستشفى. من جانبه، نفى الجيش السوداني بيان استهداف المنشأة الطبية الواقعة في منطقة تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية.
أوضاع كارثية
ويقول المواطن عبد الرحمن آدم، “المستشفى دُمر بالكامل، والأطفال يموتون بسبب غياب الرعاية الصحية. لعنة الله على الحرب”.
وأوضح آدم في حديثه لـ”أفق جديد”، “كنا نعتمد بشكل كامل على المستشفى لتلقي العلاج، خاصة الحالات الطارئة. بعد تعرضه للقصف وتوقفه عن العمل، أصبحنا نضطر لقطع مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مركز صحي، وهو ما يعرض حياة المرضى للخطر”.
وتابع، “الوضع أصبح كارثيًا. المستشفى كان يخدم آلاف المواطنين، وخروجه عن الخدمة يعني حرمان شريحة كبيرة من أبسط حقوقها في العلاج”.
من جهتها تقول المواطنة آمنة الهادي، “كنت أرافق أحد أفراد أسرتي لتلقي العلاج الدوري، لكن منذ إغلاق المستشفى لم نجد مكانًا بديلاً بسهولة. الحالة الصحية تدهورت بسبب انقطاع الرعاية الطبية”.
وأضافت في حديثها لـ”أفق جديد”، “الأطفال والنساء هم الأكثر تضررًا. لم يعد هناك مكان آمن للولادة أو علاج الأمراض البسيطة، وأي حالة طارئة أصبحت تهديدًا حقيقيًا للحياة”.
تصاعد الاتهامات
وأعربت وزارة الخارجية السودانية، عن استنكارها الشديد لتصريحات مسؤول أميركي بارز حمّل فيها الجيش السوداني مسؤولية قصف مستشفى “الضعين” في إقليم دارفور، الذي أسفر عن مقتل 70 شخصاً وإصابة 146 آخرين، واعتبرتها تفتقر إلى الدقة والموضوعية، وتخدم أجندة قوات “الدعم السريع”.
وأدان مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية، مسعد بولس، في منشور على منصة “إكس”، الهجوم الذي استهدف مستشفى “الضعين”، واصفًا إياه بأنه “أمر مروّع” يحرم المدنيين من الرعاية الصحية المنقذة للحياة. ودعا إلى وقف العنف من الجانبين، والقبول بهدنة إنسانية من شأنها تخفيف معاناة السودانيين وإتاحة الفرصة لعلاج المصابين.
وقالت وزارة الخارجية السودانية، في بيان صحافي، إنها تستنكر بأشد العبارات تلك التصريحات، مؤكدة أنها صدرت من دون تحقيق أو تقصٍّ، وأسهمت في تضليل الرأي العام المحلي والدولي، وألحقت ضررًا بجهود السلام. وأضافت أن هذه التصريحات “لا تخدم إلا أجندة الرعاة الإقليميين للميليشيات”، وتمنحها فرصة للتنصل من جرائمها في استهداف المرافق الصحية بصورة ممنهجة”.
في المقابل، كانت قوات “الدعم السريع” قد اتهمت الجيش بتنفيذ الهجوم، مشيرة إلى استخدام طائرة مسيّرة تركية الصنع، ووصفت الواقعة بأنها جريمة حرب مكتملة الأركان”، وطالبت بفتح تحقيق دولي مستقل. لكن الجيش نفى، في بيان رسمي، ضلوعه في القصف، واعتبر الاتهامات “حملة دعائية”، وأكد التزامه بالقوانين والأعراف الدولية.
وخلص تقرير صادر عن «مختبر البحوث الإنسانية» التابع لجامعة ييل إلى أن الجيش السوداني هو من نفّذ قصف مستشفى “الضعين”، استنادًا إلى تحليل صور أقمار اصطناعية. وأشار التقرير إلى أن الاستهداف كان مباشراً، واستخدم فيه ما وصفه بـ”تكتيك الضربة المزدوجة”، ما أدى إلى دمار واسع في أقسام الطوارئ والأطفال والولادة، وخلف أكثر من 150 ضحية بين قتيل وجريح.
وسبق أن قال المدير العام للمنظمة، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، عبر منصة “إكس”، إن “النظام الصحي في السودان يتعرض للهجوم مجددًا”.
وأوضح أن ثلاث منشآت صحية تعرضت للهجوم في جنوب كردفان خلال أسبوع واحد، وهي منطقة تعاني أصلًا من سوء تغذية حاد. وأشار إلى أنه في 3 فبراير قُتل ثمانية أشخاص، بينهم خمسة أطفال وثلاث نساء، وأُصيب 11 آخرون في هجوم على مركز رعاية صحية أولية. وفي اليوم التالي، تعرّض مستشفى لهجوم أسفر عن مقتل شخص واحد، فيما أدى هجوم آخر في 5 فبراير إلى مقتل 22 شخصًا، بينهم أربعة من العاملين في المجال الصحي، وإصابة ثمانية آخرين.
ودعا تيدروس إلى دعم مبادرات السلام في السودان لإنهاء العنف وحماية المدنيين وإعادة بناء النظام الصحي، مؤكدًا أن “أفضل دواء هو السلام”.
ومنذ أبريل 2023، يخوض الجيش السوداني وقوات الدعم السريع حربًا على خلفية خلافات بشأن دمج الأخيرة في المؤسسة العسكرية، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، وأسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، إضافة إلى تفشي المجاعة في عدة مناطق من البلاد.