
الخرطوم – ابتسام حسن
تشهد منظومة القوى العاملة الصحية في السودان أزمة متشابكة ومعقدة، تهدد قدرة الدولة على تقديم خدمات الرعاية الصحية بشكل فعّال وشامل.
النقص الحاد في أعداد الأطباء وتوزيعهم غير المتوازن بين الولايات، إلى جانب ضعف برامج التدريب والتخصص، وغياب المسارات المهنية المقنّنة، خلق فجوة كبيرة بين الاحتياجات الفعلية للمواطنين والقدرة الاستيعابية للقطاع الصحي. تتفاقم هذه الأزمات بسبب توقف التوظيف الحكومي، وضعف الحوافز، واستمرار الهجرة الداخلية والخارجية للأطباء، ما أدى إلى اعتماد المستشفيات على متدربين بدلًا من كوادر مؤهلة، وانخفاض جودة الرعاية الطبية المقدمة.
إن هذه الصورة المعقدة تبرز الحاجة الملحّة إلى إصلاح شامل للمنظومة الصحية، يشمل وضع سياسات واضحة للتوزيع والتوظيف، وإعادة هيكلة التدريب والتخصص، وإقرار مسار مهني واضح وموحد للأطباء، لضمان استدامة النظام الصحي وحماية الصحة العامة في السودان.
أزمة المنظومة الصحية :
كشفت تقارير رسمية عن أزمة بنيوية في منظومة القوى العاملة الصحية بالسودان، وأقرت التقارير أن معدل الأطباء في السودان يقل عن 3 أطباء لكل 10,000 مواطن، في حين يوصي المعيار الدولي لمنظمة الصحة العالمية بـ23 طبيب كحد أدنى وظيفي؛ وأن تخصصات بأكملها تعاني من شح حرج يقارب الصفر، بينما تتركز الكوادر الموجودة في ولاية الخرطوم بصورة غير متوازنة؛ وأن أكثر من 90% من المتدربين يتدربون على النفقة الخاصة، مما يفرغ الوزارة ومجلس التخصصات الطبية من دورهما التخطيطي الاستراتيجي.
وأكدت ورقة أعدتها وزارة الصحة ولاية الخرطوم، أعدها مدير إدارة الطوارئ الطبية د. محمد إبراهيم، حول أزمة الكوادر الطبية وإطار المسار المهني للطبيب عبر تجوال في سلسلة الدروس المستفادة من تجربة حرب الكرامة، أن إصدار تشريع اتحادي يقنن المسار المهني المكوَّن من ست مراحل ويُلزم جميع المرافق الصحية بالامتثال له؛ وإعادة هيكلة دور مجلس التخصصات الطبية من مؤسسة تدريبية إلى سلطة تخطيط للقوى العاملة مع وزارة الصحة الاتحادية والتدريب القومي؛ واعتماد قاعدة بيانات رقمية مركزية لتتبع مسار كل طبيب؛ وربط فرص التخصص الممولة حكومياً بخريطة الاحتياج الوطني.
تشخيص الأزمة
تتشابك في أزمة القوى العاملة الصحية السودانية عوامل متعددة المستويات، يمكن تصنيفها في أربع مجموعات رئيسية: أزمة الأعداد والتوزيع، أزمة التدريب والتخصص، أزمة التوظيف والاحتجاز، وأزمة الحوكمة والتخطيط.
وتشير الورقة التي حصلت عليها “أفق جديد” إلى أنه على مستوى الفجوة الكمية الإجمالية، يقل معدل الأطباء في السودان عن المعيار الدولي الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، ما يعني وجود شح هيكلي في الكادر الطبي الوطني على مستوى التخصصات العامة والدقيقة على حد سواء.
وتظهر البيانات أن نحو 30% من القوى العاملة الصحية تتمركز في ولاية الخرطوم وحدها، فيما تخدم النسبة المتبقية 70% من الولايات السبع عشرة الأخرى.
ولاستيعاب حجم هذه الفجوة على مستوى التخصصات الدقيقة، تسجِّل بعض التخصصات الطبية نسباً صفرية أو شبه صفرية في عدد من الولايات، مما يضطر المرضى إلى السفر عبر مسافات شاسعة للحصول على الرعاية المتخصصة، وهو ما يشكِّل عائقاً صريحاً أمام بلوغ هدف التغطية الصحية الشاملة.
وتشير الورقة إلى أنه على مستوى التمركز الجغرافي غير المتوازن، تتمركز الغالبية العظمى من الكوادر الطبية في ولاية الخرطوم، بينما تعاني الولايات الأخرى ولا سيما الطرفية والريفية من شح حاد في الأطباء.
أزمة التدريب
من المفترض أن يؤدي مجلس التخصصات الطبية القومي دوراً محورياً في سد الفجوات وتوجيه إنتاج الكوادر المتخصصة نحو الاحتياج الفعلي.
غير أن المجلس، وفق المصادر الصحية، يعاني من مشكلات هيكلية و أساسية تحول دون أداء هذا الدور.
أشد هذه الإشكاليات حدة هيمنة التمويل الذاتي، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 90% من المتدربين يتدربون على النفقة الخاصة، مما يعني أن الالتحاق بالتخصص محكوم بالمقدرة المالية الفردية لا بخريطة الاحتياج الوطني.
ووفق السياسات الصحية، تتفاقم هذه الإشكالية بغياب الاستراتيجية الوطنية للتوزيع، إذ لا تربط خطط التدريب بخريطة طريق وطنية واضحة.
كما تغيب محدودية التخصصات الممولة حكوميا، وغياب سياسة تحدد الأولويات وفق مؤشرات أهداف التنمية المستدامة المعتمدة من الأمم المتحدة.
ويتجلى أثر هذه الإشكاليات في ظاهرة التخصصات المفضية للخارج، إذ لا تدار بعض البرامج بما يضمن عودة الأخصائي إلى الوطن بعد إتمام التدريب، في ضعف رقابي واضح من وزارة الصحة الاتحادية في سياسات المنحة الداخلية والخارجية.
والمحصلة أن المجلس يمارس دوره كمؤسسة تدريبية ذات توجه سوقي أكثر من كونه أداة لسياسة الموارد البشرية الصحية في ظل عدم تبعيته للجهة الفنية والحاكمة للنظام الصحي الوطني، المتمثل في وزارة الصحة.
أزمة التوظيف
حتى حين يتوفر الكادر المؤهَّل، تبرز إشكاليات جوهرية في استيعابه ضمن المنظومة العامة والحفاظ على انتمائه لها، وتتوزع هذه الإشكاليات على محاور.
وتبرز أهم المشكلات في توقف التوظيف الحكومي لسنوات، إذ يجد الأطباء الاختصاصيون الجدد أمامهم جمودا في بيئة التوظيف الحكومي، مما يدفع قسما منهم إلى الهجرة أو الانتقال للقطاع الخاص، أما الأخصائيون على نفقة الدولة داخل أو خارج السودان، إما أنهم لا ينفذون بنود العقد بالقيد الزمني للعمل بالسودان بعد التخصص أو إرجاع تكلفة التدريب في ضعف واضح في العقد وفي المخدم المتمثل في وزارات الصحة الاتحادية والولائية، مما ينتج عنه تبديد المال العام وضعف التغطية بالخدمات الصحية في السودان.
كما أن ضعف الأجور وغياب الحوافز يسهم في تسريع هجرة الأطباء، وتفاقمه الأزمة الاقتصادية وحرب الكرامة منذ أبريل 2023. فيما يتفاقم الوضع بعدم الالتزام بعقود التخصص، إذ يخرق عقد الخدمة المصاحب لبعض برامج التخصص على حساب الدولة بصورة منهجية، سواء من خلال عدم العودة إلى الوطن أو عدم الالتحاق بالمواقع المحددة، فضلً عن ضعف التغطية في المناطق النائية.
أزمة الحوكمة
أصبحت كثير من المستشفيات السودانية تعتمد بصورة مقلقة على أطباء الامتياز والنواب وهم في الأساس متدربون للقيام بمهام العمل الإكلينيكي الروتيني، مما يضعف جودة الرعاية ويحمِّل بنى التدريب ما ليس في طاقتها.
وتتعمق أزمة الحوكمة بضعف المساءلة المؤسسية للمتدربين، إذ تفتقر المستشفيات المستقبلة إلى سلطة حوكمية فعلية عليهم.
ويضاف إلى ذلك عدم استثمار المستشفيات للعائد المالي لبرامج التدريب القومي، رغم تحملها عبء الاستضافة.
وحسب الكوادر الصحية، فإنه لا توظَّف طاقة الطبيب العمومي توظيفا كافيا، مما يكرّس الاعتماد على الأخصائيين في حالات يمكن للطبيب العمومي المدرَّب جيدا أن يتعامل معها بكفاءة عالية.
استمرار الأزمة
أوضحت الورقة أن جميع المشكلات المرصودة ترتبط بسبب جذري واحد: غياب مسار مهني واضح ومُقنَّن قانونا للطبيب في السودان.
غياب المسار المهني المقنَّن يؤدي إلى غياب المعايير الموضوعية للترقي، الذي يؤدي بدوره إلى غياب المساءلة المهنية، فتتشكل بيئة مهنية محبطة تفضي إلى الهجرة والتسرب.
وفي الوقت ذاته يؤدي غياب المسار إلى انعدام آليات التوزيع الملزمة، فيتعمق التمركز الحضري وتتسع فجوة التغطية الجغرافية.
وقد وثقت منظمة الصحة العالمية في تقريرها المرجعي “العمل معًا من أجل الصحة” (WHO, 2006) أن الدول التي تفتقر إلى مسارات مهنية واضحة للكوادر الصحية تعاني بصورة متلازمة من ارتفاع معدلات هجرة الأطباء، وتدني الإنتاجية المؤسسية، وانعدام المساءلة المهنية، وهي بالضبط الأعراض الحاضرة في السياق السوداني.
ملاحظات الكوادر الصحية
وقال عضو لجنة الأطباء المركزية د. محمد فيصل في تصريح لـ”أفق جديد” إن مشاكل هجرة الأطباء والتوزيع طالما كانت مشاكل مزمنة، وبكل أسف تفاقمت في سنوات الحرب الأخيرة.
الاستهدافات الممنهجة والمتكررة للمرافق الطبية، كما شاهدنا في الفاشر وتحويلها لثكنات عسكرية كما حدث بمستشفى الدايات في أم درمان إبان فترة تواجد الدعم السريع في ولاية الخرطوم، جعلت المستشفيات بيئة غير آمنة لعمل الكوادر الطبية.
ويستطرد، ” بل الاستهدافات طالت الأطباء والعاملين بالحقل الطبي والإنساني، فالآن سجون الدعم السريع ومعتقلاته في نيالا يقبع بها عشرات الأطباء”.
وأشار عضو شبكة أطباء السودان د. محمد حيدر إلى أنه عموما لا توجد فجوة في الأرقام بالنسبة للكادر الطبي كأرقام، واعتبر أنها في الأساس أزمة منظومة، تبدأ من ضعف التدريب وتنتهي بسوء التوزيع وعدم القدرة على استبقاء الكوادر.